«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
من أعماق البحار إلى أروقة مكتبة الكونغرس في واشنطن، انتقلت أصوات الأسماك إلى فضاء يلتقي فيه البحث العلمي بالدبلوماسية البيئية، مع افتتاح صاحبة السمو الملكي الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان بن عبدالعزيز، سفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة الأمريكية ومؤسسة مبادرة «ويف» (WAVE)، فعالية «أصوات المحيط» (Voices of the Ocean)، بمشاركة أكثر من 300 من القادة والعلماء والمبتكرين والمتخصصين في البيئة والعلوم والمحافظة على المحيطات.
نُظمت المبادرة الفعالية بالشراكة مع منظمة «كونسرفيشن نيشن» (Conservation Nation)، وشهدت تقديم مجموعة من التسجيلات الصوتية للأسماك إلى مكتبة الكونغرس، في خطوة تسلط الضوء على إمكانات الأصوات البحرية مصدرًا للمعرفة العلمية، وأهمية توثيقها وحفظها لدراسة الحياة تحت الماء.
وأكدت الأميرة ريما بنت بندر أهمية توحيد الجهود العلمية والمجتمعية لحماية المحيطات واستعادة سلامة أنظمتها البيئية، وتسخير المعرفة والبيانات لتعزيز فهم الحياة البحرية ودعم العمل المشترك نحو مستقبل أكثر استدامة.
تجمع الفعالية بين ثلاثة مسارات مترابطة: توثيق الأصوات الطبيعية وتطوير المعرفة العلمية، وبناء الشراكات الدولية لحماية النظم البحرية، وتوظيف الدبلوماسية في دعم الاستدامة البيئية.
من قاعة تاريخية إلى ذاكرة المعرفة
بحسب منشور لمعهد مبادرة مستقبل الاستثمار عن الفعالية، استضافت قاعة كوليدج التاريخية (Coolidge Auditorium) البرنامج الرئيس، قبل أن تتواصل الأنشطة في القاعة الكبرى (Great Hall)، حيث التقى المشاركون بالمبتكرين العاملين على تطوير حلول جديدة للمحيطات.
ويمنح اختيار مكتبة الكونغرس الحدث سياقًا معرفيًا يتجاوز رمزية المكان؛ إذ تحتفظ المؤسسة الأمريكية بمجموعات واسعة من الكتب والمخطوطات والصور والأفلام والتسجيلات الصوتية، وتتيح للباحثين الوصول إلى مواد متنوعة عبر فهارسها ومراكزها البحثية ومجموعاتها الرقمية.
وفي هذا الإطار، يمكن للتسجيل الصوتي، إذا حُفظ ووُثّق وربط ببيانات دقيقة، أن يتحول من مادة سمعية إلى مصدر قابل للتحليل والمقارنة والاستفادة منه في الأبحاث المستقبلية. وتعتمد قيمته العلمية على معلومات مصاحبة تحدد نوع الكائن وموقع التسجيل وتاريخه وظروف جمعه.
وتشير فهارس المكتبة إلى وجود تاريخ سابق لتوثيق أصوات الأسماك؛ إذ يتضمن دليل مجموعة جيم ميتزنر، المحفوظة ضمن المواد الأرشيفية المتعلقة بالتسجيلات الصوتية، بندًا بعنوان «Fish sounds» مؤرخًا في 18 مارس 1985، إلى جانب مواد عن الأسماك الكهربائية والتواصل بين الدلافين وأصوات كائنات مختلفة.
وتعني هذه الإشارة أن تسجيل أصوات الأسماك ليس جديدًا على الأرشيف الصوتي للمكتبة، ما يجعل تقييم أهمية المجموعة المقدمة من «ويف» مرتبطًا بخصائصها ومحتوياتها، لا بمجرد طبيعتها البحرية. فقد تتمثل إضافتها في تنوع الأنواع المسجلة، أو جودة التسجيلات، أو مصادرها الجغرافية، أو منهجيات جمعها وتوثيقها، أو ارتباطها بمشروعات بحثية محددة.
ويتطلب تحديد هذه الإضافة بيانات رسمية توضح عدد التسجيلات ومحتوياتها ومواقع جمعها وطبيعة التعاون العلمي المرتبط بها. كما ينبغي التمييز بين تقديم المواد إلى المكتبة وإدراجها رسميًا ضمن مجموعاتها الدائمة أو إتاحتها رقميًا للجمهور؛ فلكل مرحلة إجراءاتها، ولم يتضح من المعلومات المنشورة ما إذا كانت التسجيلات قد استكملت إجراءات الفهرسة والإتاحة العامة.
أصوات الأسماك.. مؤشرات علمية تحت الماء
قد يبدو الحديث عن أصوات الأسماك غير مألوف، لكن إنتاج الأصوات والتواصل الصوتي من الظواهر المعروفة في عالم الأحياء البحرية. وتستخدم أنواع من الأسماك الأصوات في سياقات سلوكية متعددة، تشمل التفاعل بين الأفراد والدفاع عن المواقع والتكاثر، فيما تنتج كائنات بحرية أخرى أنماطًا صوتية تساعد الباحثين على فهم سلوكها والبيئات التي تعيش فيها.
تندرج دراسة هذه الظواهر ضمن علم الصوتيات الحيوية البحرية، الذي يعتمد على أجهزة متخصصة لتسجيل الأصوات تحت الماء، ثم تحليل خصائصها وتكرارها وتوقيتها وعلاقتها بالأنواع والظروف البيئية المحيطة.
وتبرز أهمية هذه الأدوات في البيئات التي يصعب رصدها بصريًا؛ فقد تكشف التسجيلات أنماطًا لا تظهر بوضوح في الصور وحدها. وعند دمجها بوسائل الرصد الأخرى، يمكن أن تساعد في متابعة وجود بعض الكائنات وتغير نشاطها، ودراسة تأثير الضوضاء الناتجة عن السفن والأنشطة البشرية في التواصل بين الحيوانات البحرية.
غير أن التسجيل المنفرد لا يكفي لتحديد حالة نظام بيئي أو الحكم على سلامته؛ إذ يتطلب التفسير العلمي معرفة مصدر الصوت وظروف تسجيله، والتمييز بين أصوات الكائنات والضوضاء المحيطة، ومقارنة النتائج ببيانات بيئية أخرى.
ومن هنا، تبرز أهمية توثيق التسجيلات ببيانات تحدد نوع الكائن وموقع التسجيل وتاريخه وظروف جمعه، إلى جانب حقوق الاستخدام وإمكانات إتاحتها للباحثين. فكلما اكتملت هذه المعلومات، ازدادت قابلية المواد للتحليل والمقارنة وإعادة الاستخدام العلمي.
«ويف».. من الشراكات إلى دعم الباحثين
تكتسب الفعالية أهمية إضافية عند وضعها ضمن مسار مبادرة «ويف»، التي أُطلقت في الرياض في أكتوبر 2023 خلال الدورة السابعة من مبادرة مستقبل الاستثمار، بهدف الإسهام في استعادة محيطات مزدهرة بحلول عام 2050.
تعمل المبادرة على دعم الجهود الدولية للمحافظة على المحيطات والبحار واستعادة حيويتها وتوازنها البيئي، عبر بناء الشراكات وتطوير المعرفة والبيانات وتحفيز الابتكار وتوسيع المشاركة المجتمعية. ووفقًا للتعريف المنشور لدى منظمة «كونسرفيشن نيشن»، تحظى المبادرة بدعم معهد مبادرة مستقبل الاستثمار، وتعمل بالشراكة مع وزارة الطاقة.
وينطلق هذا التوجه من أن حماية المحيطات تتطلب تعاونًا يتجاوز جهود المؤسسات المنفردة والتوعية العامة، ليشمل الحكومات والباحثين والمؤسسات العلمية والقطاع الخاص والمنظمات البيئية، بما يساعد على تحويل المعرفة إلى حلول قابلة للتطبيق.
ومن المؤشرات العملية على ذلك إطلاق برنامج زمالة مشترك بين «ويف» و»كونسرفيشن نيشن» في 8 يونيو 2026، بالتزامن مع اليوم العالمي للمحيطات، لدعم ثلاثة باحثين يعملون على مشروعات لحماية الأنواع البحرية وموائلها.
شملت الدفعة الأولى الدكتورة ريم المعلا، التي تعمل على مشروع «FinSight Bahrain» لتطوير بيانات الحمض النووي البيئي عبر مواسم متعددة، بهدف تقييم أنواع أسماك القرش والشفنين في المياه البحرية البحرينية؛ والدكتورة ميشيل فورنيت، المتخصصة في الصوتيات الحيوية، التي تبحث في التواصل الصوتي للحيتان الحدباء في ألاسكا؛ وماولا ناديا، التي تعمل على تطوير نهج لإدارة منطقة بحرية محلية تدعم المحافظة على أنواع الشفنين ضمن مشروع «Elasmobranch Project Indonesia».
وبحسب المنظمة، يحصل كل زميل على تمويل لمدة عام لتطوير مشروعه، إلى جانب التدريب والإرشاد وفرص التواصل مع شبكة من المتخصصين في المحافظة على الطبيعة.
تعكس هذه المشروعات تنوع الأدوات العلمية المستخدمة لحماية المحيطات؛ من تحليل الحمض النووي البيئي لرصد الأنواع، إلى دراسة التواصل الصوتي للحيتان، وتطوير أساليب إدارة الموائل البحرية بالتعاون مع المجتمعات المحلية. كما تبرز أهمية الجمع بين الأدلة العلمية والتمويل والمشاركة المجتمعية، ضمن منظومة تتكامل فيها المعرفة والموارد والقرارات والسياسات.
المحيطات.. قضية بيئية واقتصادية عالمية
تتجاوز أهمية حماية المحيطات الحفاظ على التنوع البيولوجي، لتشمل دورها في تنظيم المناخ العالمي وتوفير الغذاء وسبل العيش لملايين البشر، فضلًا عن ارتباطها بالتجارة البحرية والسياحة والصناعات الساحلية والاقتصاد الأزرق.
وتواجه النظم البحرية ضغوطًا متداخلة، تشمل ارتفاع درجات حرارة المياه، والتلوث البلاستيكي والكيميائي، وتدهور الموائل الساحلية، والصيد غير المستدام، والتغيرات الكيميائية المرتبطة بامتصاص ثاني أكسيد الكربون. وتنعكس هذه التحديات على الكائنات البحرية والسلاسل الغذائية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالبحار والسواحل.
وتتطلب مراقبة هذه التغيرات بيانات من مصادر متعددة، تشمل قياس درجات الحرارة وجودة المياه، ورصد الشعاب المرجانية والأنواع البحرية، وتحليل الحمض النووي البيئي، وتسجيل الأصوات تحت الماء. ويسهم تكامل هذه الأدوات في بناء صورة أشمل عن حالة النظم البيئية.
في هذا السياق، تتيح الصوتيات الحيوية متابعة النشاط الصوتي للكائنات في أوقات يصعب فيها رصدها مباشرة، كما تساعد على دراسة الضوضاء البشرية وتأثيرها المحتمل في سلوك الحيوانات البحرية. لكن تحويل البيانات إلى قرارات فعالة يتطلب خبرات متخصصة ومنهجيات واضحة للتوثيق والتحليل، إلى جانب مقارنتها بمؤشرات بيئية أخرى.
لذلك، لا تحل التسجيلات الصوتية محل قياس جودة المياه أو متابعة درجات الحرارة أو مراقبة الشعاب المرجانية، بل تكمل منظومة الرصد البيئي، وتدعم فهم العلاقات بين الكائنات البحرية وبيئاتها، بما يساعد على تحديد الأولويات وصياغة قرارات تستند إلى الأدلة العلمية.
الدبلوماسية البيئية.. من الحضور إلى النتائج
تجمع الفعالية بين الموقع الدبلوماسي للأميرة ريما بنت بندر ودورها في تأسيس مبادرة معنية بالاستدامة البحرية، وتوفر مساحة للتواصل بين القادة والعلماء والمبتكرين والمتخصصين. وتنبع أهمية هذه اللقاءات من الطبيعة العابرة للحدود للتحديات البحرية، إذ يمكن أن تنعكس التغيرات في النظم البيئية على التنوع البيولوجي والأمن الغذائي والمناخ والاقتصادات الساحلية في مناطق مختلفة من العالم.
ومن ثم، يمكن للشراكات الدولية وتبادل الخبرات وتطوير البيانات المشتركة أن تدعم جهود حماية البحار، خصوصًا عندما ترتبط بمشروعات محددة ونتائج قابلة للقياس. وفي حالة «ويف»، يتصل هذا المسار بتوجه المبادرة نحو تحفيز الشراكات وتوسيع المشاركة في استعادة النظم البحرية، فيما يعكس حضور الأميرة ريما بنت بندر التقاء العمل الدبلوماسي مع قضايا الاستدامة ذات الاهتمام الدولي.
وتمنح استضافة الفعالية في مكتبة الكونغرس بواشنطن المبادرة بعدًا معرفيًا يتكامل مع بعدها الدبلوماسي؛ إذ تلتقي مؤسسة لحفظ المعرفة مع شبكة من المهتمين بتطوير الحلول البيئية، في سياق يبرز دور العلم في فهم التحديات التي تواجه المحيطات.
ومع ذلك، لا يُقاس الأثر طويل الأمد للدبلوماسية البيئية بعدد الحضور أو المكانة الرمزية للمؤسسة المستضيفة وحدهما، بل باستمرارية الشراكات، وتطوير المشروعات البحثية، وإتاحة المعرفة، وتوسيع فرص التمويل، وتحويل المبادرات إلى نتائج بيئية يمكن التحقق منها.
ومن هذه الزاوية، تمثل «أصوات المحيط» منصة للحوار والتواصل وإبراز دور العلم في حماية البيئة البحرية، فيما تتوقف قيمتها العملية على ما يتبعها من تعاون ومشروعات ومخرجات قابلة للتقييم.
من الاستماع إلى الفعل
تلفت «أصوات المحيط» الانتباه إلى جانب من الحياة تحت الماء يصعب على الإنسان إدراكه مباشرة دون أدوات علمية، وتفتح المجال للاستفادة من الأصوات البحرية في فهم سلوك الكائنات ومتابعة نشاطها وعلاقتها بالبيئة المحيطة.
لكن الانتقال من الصوت إلى المعرفة يتطلب تسجيلًا دقيقًا وتوثيقًا موثوقًا وتحليلًا علميًا يربط النتائج بمصادر أخرى للمعلومات. أما تحويل المعرفة إلى أثر بيئي، فيحتاج إلى شراكات مستدامة ومشروعات بحثية وتمويل وقرارات تستند إلى الأدلة.
وبذلك، تتجاوز دلالة الفعالية حدود مناسبة أقيمت في واشنطن، لتطرح سؤالًا أوسع عن كيفية تحويل المعرفة العلمية إلى أداة للتعاون الدولي، وعن الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الثقافية والبحثية في دعم حماية البيئة.
يبقى الاختبار الحقيقي فيما ستفضي إليه هذه الخطوة من بيانات موثقة وشراكات ومشروعات قابلة للقياس؛ فالقيمة النهائية لأي مبادرة بيئية لا تقف عند لفت الانتباه إلى القضية، بل تتجلى في قدرتها على تحويل الاهتمام إلى معرفة، والمعرفة إلى عمل يحمي المحيطات والحياة البحرية للأجيال القادمة.