د. عبدالمحسن الرحيمي
في تصريح شهير أثار جدلاً عالمياً واسعاً، توقع الملياردير التقني إيلون ماسك شكلاً مغايراً تماماً للمستقبل؛ حيث أكد أننا نسير بسرعة نحو عصر «لن يحتاج فيه البشر إلى وظيفة لكسب قوتهم، بل سيكون العمل مجرد خيار أو هواية شخصية للراغبين فيه فقط». ورغم أن هذا الطرح قد يبدو للوهلة الأولى كأنه «يوتوبيا» تكنولوجية تبشر بعصر الوفرة، فإن وجهه الآخر يفتح ملفاً اقتصادياً أكثر عمقاً يتعلق بالإقصاء الوظيفي وتآكل الطبقة الوسطى، وهي الطبقة التي ارتبط صعودها تاريخياً بالتعليم والمهنة والدخل المستقر والقدرة على التملك.
في الثورات الصناعية السابقة، كانت الآلة تزيح الإنسان عن الأعمال اليدوية والعضلية، ثم تفتح أمامه مجالات جديدة في المكاتب والمهن والخدمات والأعمال المعرفية، فتتسع الطبقة الوسطى حول التعليم والتخصص والمهنة والدخل المستقر. أما الثورة الحالية فتتجه إلى المجال الذي انتقل إليه الإنسان بعد مغادرته خطوط الإنتاج: العمل الذهني. فالمحامي المبتدئ، والمحاسب، والمحلل المالي، والمبرمج، والمصمم، وكاتب المحتوى، وغيرهم من أصحاب المهن المعرفية، يعملون في بيئة تستطيع فيها الخوارزميات البحث والتحليل والكتابة والبرمجة والتصميم وإنتاج النماذج الأولية خلال وقت قصير.
ويتسع المشهد خارج المكاتب إلى المستودعات ومراكز الخدمات اللوجستية والمطابخ المركزية والمصانع والمختبرات والمستشفيات والصيدليات والصناعة الدوائية والبحث والتطوير. ففي المستودعات تتولى الأنظمة الآلية النقل والفرز والتخزين والاسترجاع والتعبئة، وفي المطابخ تدخل الأتمتة في تجهيز الطعام والمناولة والتخزين وإدارة المخزون، وفي المصانع تتكامل الأنظمة في الإنتاج والفحص والتعبئة، بينما تتولى المختبرات الآلية مراحل متتابعة من معالجة العينات والتحليل وتسجيل النتائج. وفي الصناعة الدوائية تدخل الأنظمة الرقمية في التصنيع وضبط الجودة والتعبئة وتتبع المواد، بينما يضيف الذكاء الاصطناعي في البحث والتطوير قدرة متنامية على تحليل البيانات واكتشاف الأنماط وتصميم المركبات وتوجيه التجارب وتسريع دورة البحث.
بهذا تنتقل الأتمتة من استبدال مهمة منفردة إلى إعادة تصميم العملية كاملة؛ فعندما يعاد بناء سلسلة العمل حول الأنظمة والبرمجيات والوكلاء الذكيين، يتغير توزيع الأدوار داخل المؤسسة، ويتحول تنظيم العمل تدريجياً من وظائف محددة إلى نتائج محددة تنفذها منظومة متكاملة من البشر والأنظمة. ويظهر هذا التحول بوضوح مع الوكلاء الذكيين الذين أصبحوا قادرين على التعامل مع البيانات والتطبيقات والأنظمة وتنفيذ سلسلة من الإجراءات وصولاً إلى نتيجة محددة.
وتظهر إحدى أكثر النتائج عمقاً في الوظائف التي كانت تمثل بداية الطريق إلى الخبرة المهنية. كان الموظف المبتدئ يبدأ بالأعمال اليومية، ويكتسب المعرفة من التكرار والخطأ والتصحيح، ثم ينتقل تدريجياً إلى مهام أكثر تعقيداً ومسؤولية. ومع انتقال جزء من هذه الأعمال إلى الأنظمة الذكية، تتغير البنية التي كانت تصنع الخبرة المهنية وتصنع معها الجيل التالي من الخبراء. وتكشف دراسة حديثة أجرتها برايس ووترهاوس كوبرز أن الوظائف المبتدئة الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر احتمالاً بنحو سبع مرات لأن تتطلب مهارات كانت ترتبط تقليدياً بالمستويات الوظيفية الأعلى، مثل الحكم والقيادة والإبداع.
وهذه النقلة تمس الأساس الذي تشكلت حوله الطبقة الوسطى الحديثة؛ فالتعليم يفتح باب المهنة، والمهنة تنتج دخلاً مستقراً، والدخل يتيح الادخار والتملك والاستثمار، ثم تنتقل هذه القدرة إلى الجيل التالي. وكانت الوظيفة، بهذا المعنى، جزءاً من مسار اقتصادي واجتماعي يتجاوز الراتب إلى بناء الثروة والاستقرار.
وفي الوقت نفسه، يخفض الذكاء الاصطناعي تكلفة إنشاء المشاريع ويختصر مراحل من تحليل الأسواق وبناء النماذج الأولية وكتابة البرمجيات واختبار الأفكار وإنتاج المحتوى، بحيث يستطيع فريق صغير مدعوم بالأدوات الذكية تنفيذ أعمال كانت تتطلب في السابق فرقاً أكبر من المصممين والمبرمجين والمحللين. وترتفع بذلك قدرة المشروع على إنتاج القيمة، بينما تزداد أهمية الفكرة والتقنية والبيانات والملكية الفكرية والمنصة التي يحملها المشروع.
ومع انتقال القيمة من العمل المنفذ إلى الأصل الذي ينتج القيمة، يتغير مركز الثقل في الاقتصاد. فقد انتقل مصدر الثروة تاريخياً من الأرض إلى وسائل الإنتاج، ثم توسع دور رأس المال المالي، وأصبحت المعرفة والبيانات والابتكار والملكية الفكرية أصولاً اقتصادية متزايدة الأهمية. وفي الاقتصاد المعرفي يمكن أن يكون الأصل براءة اختراع، أو نموذجاً، أو قاعدة بيانات، أو خوارزمية، أو معرفة قابلة للتوسع.
وتكتسب الملكية الفكرية في هذا الاقتصاد معنى يتجاوز الحماية القانونية؛ فالبراءة يمكن أن تتحول إلى أصل معرفي يجذب الاستثمار ويمول مراحل جديدة من الابتكار، وهو التحول الذي تناولته في مقال سابق حول ترميز الملكية الفكرية للأدوية المبتكرة.
ومع انخفاض الحاجة إلى العمل المتكرر، تزداد أهمية امتلاك الأصول التي تنتج القيمة. ويمكن لارتفاع الإنتاجية وانخفاض تكلفة الإنتاج وتوسع الأسواق وارتفاع قيمة الشركات أن يتزامن مع تغير قيمة الوظائف التي كانت تمنح أصحابها دخلاً مستقراً وقدرة على التملك والاستثمار. وتظهر بذلك مفارقة اقتصادية تستحق التأمل: زيادة القدرة على إنتاج القيمة قد تترافق مع انخفاض الحاجة إلى عدد مماثل من البشر لإنتاجها.
وتضع التقارير الدولية مؤشرات كمية لهذا التحول. فقدّر صندوق النقد الدولي أن نحو 40 في المائة من العمالة العالمية معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى نحو 60 في المائة في الاقتصادات المتقدمة. وتشير تقديرات الصندوق إلى أن التأثير قد يأخذ صوراً مختلفة بين تعزيز الإنتاجية وتقليص الطلب على بعض المهام والوظائف، بحسب طبيعة الاقتصاد والمهنة.
كما تقدر منظمة العمل الدولية أن نحو ربع العاملين عالمياً يوجدون في مهن لديها درجة من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، مع بقاء تحول الوظائف وتغير مهامها هو الاحتمال الأكثر شيوعاً مقارنة بالإلغاء الكامل للوظائف. وتزداد أهمية هذا المؤشر لأنه يقيس التعرض على مستوى المهام التي تتكون منها المهنة، وليس على أساس المهنة باعتبارها وحدة واحدة.
وتقدم المنتدى الاقتصادي العالمي صورة أخرى للتحول؛ إذ تشير توقعاته إلى إمكانية إنشاء نحو 170 مليون وظيفة بحلول عام 2030 مقابل إزاحة نحو 92 مليون وظيفة نتيجة التحولات الاقتصادية والتقنية والديموغرافية، بما يعني تغيراً واسعاً في تركيب سوق العمل والمهارات المطلوبة.
ومع وفرة المعرفة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، ترتفع قيمة الحكم والسياق والمسؤولية واكتشاف المشكلة وصناعة المعنى، فتنتقل قيمة متزايدة من جمع المعلومات إلى تفسيرها وربطها بالسياق وتحويلها إلى قرار. وقد تناولت هذا التحول في مقال سابق حول المساحة التي تعجز الخوارزميات عن عبورها، حيث يصبح التفكير العميق والحكم البشري أكثر أهمية مع اتساع قدرة الأنظمة على معالجة المعرفة.
ويتغير دور التعليم تبعاً لذلك؛ فالجامعة التي كانت تهيئ الطالب لوظيفة محددة تواجه اقتصاداً تتغير فيه طبيعة الوظائف بوتيرة أسرع من الدورات الأكاديمية التقليدية، ولذلك تتزايد قيمة القدرة على التعلم والتحقق والحكم وإعادة تعريف المشكلة إلى جانب المعرفة التخصصية. وتؤكد التقارير الحديثة حول سوق العمل ارتفاع قيمة المهارات المرتبطة بالتفكير الإبداعي والحكم والقيادة إلى جانب المهارات التقنية.
ومع اتساع قدرة الأنظمة على إنتاج السلع والخدمات والمعرفة بمشاركة بشرية أقل، تتحول العلاقة بين العمل والدخل تدريجياً. فالمهنة كانت تمنح الدخل، والدخل يتيح التملك، والتملك يوفر جانباً من الاستقرار والمكانة، بينما يتجه الاقتصاد الجديد إلى إعطاء وزن أكبر للبيانات والنماذج والبرمجيات والمنصات والملكية الفكرية والمعرفة القابلة للتوسع. ويصبح العمل أكثر ارتباطاً بالاختيار والإبداع والمعنى، بينما تتزايد أهمية الأصول التي تستطيع إنتاج القيمة على نطاق واسع.
ومن هذه الزاوية تتضح إحدى أهم التحولات في بنية الثروة: الانتقال من امتلاك الوظيفة إلى امتلاك الأصل الذي ينتج القيمة. وهو تحول يتسق مع الحركة الأوسع التي تنتقل فيها القيمة من الأشياء المادية وحدها إلى المعرفة والابتكار والبيانات والقدرة على إنتاج قيمة قابلة للتوسع.
وتؤكد أحدث بيانات منظمة الويبو أن الاستثمار العالمي في الأصول غير الملموسة تجاوز 10 تريليونات دولار في عام 2025، وأنه ينمو بوتيرة أسرع بأكثر من ثلاثة أضعاف الاستثمار في الأصول الملموسة منذ عام 2008. وتشمل هذه الأصول البرمجيات والبيانات والبحث والتطوير والعلامات التجارية وغيرها من الأصول المدعومة بالملكية الفكرية.
ومع دخول الخوارزميات إلى عمليات القرار والعمل، تتغير كذلك علاقة الإنسان بالنظام الذي يعمل من خلاله. فكلما اتسعت مساحة القرارات المنفذة عبر الأنظمة الذكية، ازدادت أهمية قدرة الإنسان على فهم القرار وتفسيره وتحمل المسؤولية عنه، وهي الفكرة التي تناولتها في الحوكمة المرتكزة على الإنسان من خلال مفهوم «فجوة المعنى»، حين يصبح النظام قادراً على إنتاج قرار فعال بينما تتراجع قدرة الإنسان على فهم منطقه وآثاره.
وبذلك تتجمع تحولات مترابطة في بنية واحدة: أتمتة تمتد من العمل اليدوي إلى العمل المعرفي، ووكلاء قادرون على تنفيذ سلاسل من المهام، وتغير في الوظائف المبتدئة التي كانت تصنع الخبرة، وارتفاع في قيمة البيانات والمعرفة والملكية الفكرية، وتراجع تدريجي في العلاقة التقليدية بين عدد العاملين وحجم القيمة المنتجة.
الطبقة الوسطى الحديثة قامت تاريخياً على معادلة واضحة: التعليم يقود إلى وظيفة، والوظيفة تقود إلى دخل، والدخل يقود إلى ملكية، والملكية تقود إلى استقرار اجتماعي. ومع انتقال مركز القيمة نحو الأصول المعرفية والتقنية، تدخل هذه المعادلة مرحلة جديدة تتغير فيها العلاقة بين العمل والثروة.
قد يكون الاقتصاد القادم أكثر قدرة على إنتاج الغذاء والدواء والخدمات والمعرفة بعدد أقل من البشر، وقد يصبح العمل أكثر ارتباطاً بالاختيار والإبداع والمعنى، بينما تتحدد المكانة الاقتصادية بدرجة متزايدة من خلال موقع الإنسان من الأصول التي تنتج القيمة.
فالتحول الأعمق في عصر الذكاء الاصطناعي هو انتقال مركز القيمة من العمل الذي ينفذه الإنسان إلى المعرفة والأصول التي تستطيع إنتاج القيمة على نطاق واسع.
ومن اقتصاد كانت فيه الوظيفة طريقاً رئيسياً إلى الدخل والملكية، يتشكل تدريجياً اقتصاد تصبح فيه ملكية الأصول التي تنتج القيمة عنصراً أكثر حضوراً في تحديد موقع الإنسان داخل الثروة الجديدة.