إبراهيم أبوهيف
ليس كل من يعيش في صنعاء حوثيًا، وليس كل من يسكن صعدة مؤيدًا للجماعة، وليس كل يمني أنهكته الحرب شريكًا في الاعتداءات التي تستهدف المملكة العربية السعودية، فاليمن أكبر من جماعة، وأعرق من انقلاب، وأبقى من سلاح يفرض سلطته على الناس، وما يجري اليوم يستدعي التمييز بين شعب عربي شقيق له مكانته في وجدان السعوديين، وجماعة جعلت من الأرض اليمنية منطلقًا لتهديد جيرانها، ومن معاناة شعبها ثمنًا لمشروعها.
حين تتعرض المطارات السعودية والمنشآت المدنية للاعتداء، فإن التضامن مع المملكة لا ينبغي أن يُختزل في بيانات الإدانة أو كلمات الاستنكار، لأن المسألة تتعلق بأمن وطن له مكانته الدينية والعربية والإسلامية، وبسلامة شعب ومقيمين وضيوف، وبحق دولة جعلت التنمية والاستقرار عنوانًا لمستقبلها، فلا يجوز أن تبقى منشآتها ومدنها ومقدراتها أهدافًا لصواريخ جماعة لا ترى في الجوار إلا ساحة للصراع، ولا في اليمن إلا أرضًا تخضع لسلطان السلاح.
والمؤكد أن المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- لم تتخل عن مسؤوليتها تجاه أمنها الوطني، كما لم تتخل عن مساندة الشعب اليمني ومؤسساته الشرعية، وبين حماية الحدود ودعم استعادة الدولة تقف حقيقة واضحة، أن السعودية تريد جارًا آمنًا ومستقرًا، لا وطنًا ممزقًا تستنزفه الحروب وتتحكم في قراره جماعة مسلحة.
وإلى أهلنا في اليمن نقول، إن وطنكم يستحق أن تستعيدوه، وتاريخكم يستحق أن تحموه، وأجيالكم تستحق أن تورثوها دولة لا حربًا، ومدارس لا متاريس، ومؤسسات لا ميليشيات، فاليمن الذي عرفته الأمة منارة للحضارة وموطنًا للعروبة لا يستحق أن يصبح عنوانًا للصواريخ والجبايات والخوف والجوع.
لقد دفع المواطن اليمني ثمنًا باهظًا طوال سنوات الصراع، بين تراجع الخدمات وضيق المعيشة وتفكك المؤسسات وفقدان فرص العمل، وبين أجيال نشأت على وقع المعارك بدلًا من أن تنشأ في رحاب التعليم والبناء، بينما ظل قرار الحرب والسلم في يد جماعة تستمد قوتها من السلاح وتفرض على المجتمع أعباء خياراتها، حتى بات اليمني مطالبًا بتحمل نتائج صراعات لم يخترها، ودفع تكاليف معارك لا تعيد إليه وطنه ولا توفر لأطفاله حياة كريمة.
ولعل أخطر ما يفعله الحوثي أنه يحاول تقديم الجماعة باعتبارها اليمن كله، وأن يجعل الاعتراض على ممارساتها اعتراضًا على الشعب اليمني، وهي معادلة يجب أن تسقط من الوعي العربي قبل أن تسقط من الخطاب السياسي، فاليمنيون ليسوا كتلة واحدة خلف الحوثي، ولا يجوز أن تتحول المناطق الواقعة تحت سيطرته إلى اتهام جماعي لسكانها، فالسيطرة على الأرض لا تعني امتلاك قلوب الناس، وإخضاع المؤسسات لا يمنح شرعية لاحتكار الوطن.
ومن هنا، فإن الرسالة إلى الأشقاء اليمنيين ليست دعوة إلى حرب أهلية جديدة، ولا مطالبة للمدنيين بمواجهة مسلحة تعرض حياتهم للخطر، وإنما دعوة إلى استعادة الإرادة الوطنية، وتوحيد الصفوف، ومساندة مؤسسات الدولة، ورفض أن يظل مستقبل اليمن مرهونًا بسلاح جماعة أو بأجندات تتجاوز حدود البلاد ومصالح شعبها.
إن حماية أمن المملكة واستعادة اليمن ليستا قضيتين متعارضتين، بل وجهان لاستقرار عربي واحد، فالسعودي الذي يريد الأمان لمدنه ومقدساته وحدوده، واليمني الذي يريد العودة إلى بيته وعمله ومدرسته، يلتقيان عند غاية واحدة، هي أن تنتهي سنوات الخوف، وأن تعود الدولة صاحبة القرار، وأن تصبح الحدود مساحة للأخوة والتجارة والتنمية بدلًا من أن تكون خطوطًا للصواريخ والتهديد كما تفعل ميليشيا الحوثيين الإرهابية.
ولا يحتاج اليمن اليوم إلى مزيد من الشعارات التي ترفعها البنادق، وإنما إلى مشروع وطني يعيد للمواطن مكانته، وللمؤسسات هيبتها، وللاقتصاد عافيته، وللأطفال مدارسهم، فالانتصار الحقيقي لا يُقاس بعدد الصواريخ التي تعبر الحدود ويطلقها الإرهابيون، وإنما بعدد الأسر التي تعود إلى بيوتها، والعمال الذين يعودون إلى أعمالهم، والأطفال الذين يغادرون الخوف إلى المستقبل.
يا أهلنا في اليمن، استعيدوا بلدكم من قبضة الحوثي الإرهابي، لا ليكون اليمن تابعًا لأحد، بل ليعود ملكًا لأهله، ولا ليخوض حربًا جديدة، بل لينهي زمنًا طويلًا من الحروب، فالدولة التي تتسع لجميع أبنائها أقوى من الجماعة الإرهابية التي لا تتسع إلا لأتباعها، والوطن الذي يحكمه القانون أبقى من سلطة يحرسها السلاح المعتدي.وستبقى المملكة العربية السعودية أكبر من أن تنال من مكانتها اعتداءات جماعة الحوثي الإرهابية، وأرسخ من أن تهز أمنها حسابات مغامرة، كما سيبقى اليمن أكبر من الحوثي، وأعمق من الانقسام، وأقدر على استعادة مكانته حين تجتمع إرادة أبنائه على وطن واحد ودولة واحدة ومستقبل لا يُصادر بالسلاح.
فالسعودية أمنٌ لا يُستباح، واليمن وطن لا يُختطف بسلاح الإرهابيين، وبين أمن المملكة وحرية اليمن تستقيم معادلة الأخوة، وتنتصر إرادة الشعوب على إرادة السلاح.