مهدي العبار العنزي
يشهد المشهد السياسي والإسلامي المعاصر استخدامات متباينة وتوظيفاً لغوياً وعقائدياً لبعض المفاهيم الكبرى. ومن أبرز هذه المصطلحات مصطلح «أنصار الله»، الذي بات في بعض القنوات الإعلامية الحديثة يُقترن بجماعة الحوثيين في اليمن. غير أن التأصيل الشرعي، والتاريخي، واللغوي لهذا العنوان يُظهر بوضوح أن إطلاقه على فئة مسلحة معينة أو حزب سياسي يُعد تضييقاً لمعنى واسع، وتوظيفاً لاسمٍ عظيم جُعل في القرآن الكريم وصفاً جامعاً لكل المؤمنين الصادقين بغض النظر عن أسمائهم أو أماكنهم.
أولاً: المعنى القرآني لـ«أنصار الله»
في كتاب الله عز وجل، لا يختص لقب «أنصار الله» بفصيل مخصص أو جماعة جغرافية معينة، بل هو وسام إيماني رفيع يُمنح لكل من نصر دين الله وأقام شرعه ودافع عن الحق. يقول الله تعالى في سورة الصف: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} [الصف: 14]. فالآية الكريمة تجعل «الأنصار» صفةً لمن آمن واتبع هدي الله، وليست حكراً على جماعة سياسية أو عسكرية تتخذ من العنف أداة للسيطرة أو الحكم. وكل مؤمن، في أي مكان وزمان، يسعى للعدل، ونشر السلام، ودفع الظلم، وتطبيق مكارم الأخلاق، هو داخل في هذا المعنى القرآني الرحب.
ثانياً: الأنصار الحقيقيون في التاريخ الإسلامي
تاريخياً، ارتبط اسم «الأنصار» بأطهر الناس سيرَةً بعد الأنبياء؛ وهم أهل المدينة المنورة من قبيلتي الأوس والخزرج، الذين آووا النبي محمداً صلى الله عليه وسلم، ونصروا دعوته، وبذلوا دماءهم وأموالهم دونه ودون طلب لسلطة، أو غنيمة، أو استئثار بالحكم. وقد نالوا بذلك ثناء النبي الكريم الذي قال فيهم: «لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، الأنصار بطانة والناس عِثار». هؤلاء هم النموذج التاريخي الأخلص لمعنى نصرة الدين بالحب، والبذل، والرحمة، والتضحية الخالصة لوجه الله، لا بالصراع المسلح وفرض الإرادة بالقوة.
ثالثاً: خطأ الاحتكار السياسي والتناقض الصارخ
إن إطلاق اسم «أنصار الله» على جماعة سياسية مسلحة يُعد محاولة لتغليف الأجندات السياسية والصراعات الفئوية بغطاء ديني مقدّس لإضفاء الشرعية. فالمجموعات التي ترفع السلاح في وجه دولها، وتتسبب في إزهاق الأرواح، وتمزق النسيج الاجتماعي، وتفرض سيطرتها بقوة السلاح، بعيدة كل البعد عن المعنى الروحي والأخلاقي لـ «نصرة الله». والمفارقة الكبرى تكمن في التناقض التام بين الاسم المرفوع والأفعال على الأرض؛ فمن يدعي نصرة الدين لا يُقدم بحال على استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة وتهديد الحرمين الشريفين، ولا يرتمي في أحضان الفرس وتلقي أجنداتهم، فضلاً عن تدمير اليمن وسفك دماء أبنائه الأبرياء.
إن نصرة الله سبحانه وتعالى لا تكون بالقهر والحروب العبثية والتبعية الخارجية، بل تكون بـ:
* إقرار العدل والمساواة.
* حقن الدماء وصيانة الحرمات.
* نشر العلم وبناء الأوطان.
* الجمع لا التفريق، والتوافق لا الإقصاء.
الخلاصة
إن «أنصار الله» الحقيقيين ليسوا تنظيماً مسلحاً، ولا حزباً سياسياً، ولا ميليشيا عسكرية ترتمي في أحضان الخارج وتدمر الأوطان، بل هم كل إنسان مؤمن، تقي، مصلح، يسير على نهج الأنبياء والصالحين، ينصر المظلوم، ويحارب الباطل بالكلمة الطيبة والحكمة والموعظة الحسنة، ويجعل غايته رضا الله وخدمة أمته وإنسانيته جمعاء.