د. مشاعل علي العكلي
للجامعة علماء لا تختصرهم المناصب التي تقلدوها، ولا الدرجات العلمية التي حصلوا عليها؛ لأن أثرهم يتجاوز ذلك إلى ما تركوه من علم وقيم، وما مثّلوه من صورة للأستاذ الجامعي في وعي طلابهم وزملائهم ومجتمعهم. ومن هؤلاء الأستاذ الدكتور سعد بن عبدالله البراك، أحد علماء جامعة الملك فيصل وقياداتها، الذي جمعت مسيرته بين عمق التخصص، وسعة المعرفة، والقيادة الأكاديمية، ونبل الخلق.
بدأ تميّزه العلمي مبكرًا؛ فقد كان من المتفوقين الأوائل في مراحل التعليم العام، على مستوى المملكة، في دلالة مبكرة على مسيرة ظلّ التفوق سمةً ملازمةً لها.
ثم التحق بكلية الزراعة في جامعة الرياض، جامعة الملك سعود حاليًا، وتخرج فيها بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، وعُيّن معيدًا فيها. وابتُعث بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة نبراسكا، متخصصًا في مورفولوجيا الأراضي وتصنيفها. وبعد عودته واصل مسيرته الأكاديمية، ثم انتقل إلى جامعة الملك فيصل التي ارتبط بها معظم عطائه العلمي والجامعي، وفيها نال درجة الأستاذية، وتولى عددًا من مواقعها الأكاديمية والقيادية. وكانت لهذه الجامعة مكانة خاصة في نفسه؛ إذ تجاوزت علاقته بها حدود الوظيفة إلى معنى الانتماء، فأخلص لها علمًا وعطاءً، وظل وفيًا لها على امتداد مسيرته.
وفي عام 1983م تولى عمادة شؤون المكتبات، وهي محطة تكشف جانبًا من رؤيته للجامعة؛ فقد كان يرى في المكتبة ركيزة أساسية في حياتها العلمية، تصل الطالب والأستاذ والباحث بالكتاب ومصادر المعرفة، وتفتح أمامهم آفاق القراءة والدرس. وكانت له صلة وثيقة بالكتاب ودور النشر ومصادر المعرفة، أسهمت في إثراء البيئة المعرفية وتعزيز النتاج العلمي للجامعة، في وقت كانت فيه المكتبات الجامعية تمضي نحو توسيع الوصول إلى قواعد المعلومات والمجلات العلمية ومصادر المعرفة الحديثة.
ثم تولى وكالة الجامعة للشؤون الأكاديمية عام 1988م، واتسع نطاق مسؤوليته ليشمل مختلف حقول الجامعة وتخصصاتها، على امتداد كلياتها في الأحساء وفرعها بالدمام. وكانت سعة تكوينه ظاهرة في نظرته إلى هذا التنوع، وفي صلته بعلماء الجامعة وباحثيها وما تنتجه حقول المعرفة المختلفة. وفي عام 1997م تولى وكالة الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي في مرحلة تأسيسها، ورئاسة المجلس العلمي، فكان في قلب مرحلة مهمة من بناء منظومة الدراسات العليا وترسيخ حضور البحث العلمي في الجامعة.
وفي القيادة كان يؤمن بالشورى، ويلخص فلسفته الإدارية بعبارة: «ما خاب من استشار». ولم تكن الاستشارة لديه معنى نظريًا؛ بل كان يرى أن من يعملون معه شركاء في اتخاذ القرار وصنعه وتنفيذه، في إطار الأنظمة واللوائح؛ وهي نظرة تجمع بين مسؤولية القرار والإصغاء إلى الرأي، وبين سلطة الموقع واحترام الخبرة.
وكان يرى الأستاذ الجامعي في اتساع رسالته؛ فلم يفصل بين التدريس والبحث والمسؤولية الأكاديمية، بل عدّها جميعًا من صميم مهام عضو هيئة التدريس، ولذلك لم يترك التدريس ولا البحث العلمي وهو يتولى مسؤولياته القيادية. وكانت الجامعة في نظره أوسع من أن تكون مكانًا لتلقي المعرفة أو الحصول على الدرجة العلمية؛ فهي فضاء لتكوين الإنسان، تتسع فيه مداركه، وتنمو معارفه ومهاراته وقيمه. ومن هنا تجاوزت رسالة الأستاذ لديه نقل المعرفة إلى ما يمثله بعلمه وخلقه وطريقة تفكيره ووعيه بالمسؤولية.
وفي مسيرته العلمية، ظل البحث ركيزة أصيلة؛ آمن بقيمته في إنتاج المعرفة وتقدم الجامعة، وكان شغوفًا بالبحث والتأليف، وترك نتاجًا علميًا واسعًا من الدراسات والبحوث المتخصصة في علوم الأراضي وتصنيفها. وكان لبيئته حضور لافت في جانب من هذا النتاج؛ فدرس أراضي واحة الأحساء وخصائصها وتصنيفها في عدد من أبحاثه، وامتد هذا الاهتمام إلى التأليف، فأصدر كتابه «خصائص أراضي الأحساء الزراعية». وفي هذا الجانب من سيرته تلتقي المعرفة بالانتماء؛ إذ اتصل تخصصه بالمكان، وامتد نفع علمه إلى المنطقة ومجتمعها والوطن.
ولم تقف عنايته بالبحث عند حدود إنتاجه العلمي؛ فقد كان يرى الجامعات أساسًا في حركة البحث العلمي، ويؤكد أهمية دعمه وتوجيهه نحو قضايا البيئة والمجتمع. وكانت له صلة بالمؤسسات الداعمة للبحث، وفي مقدمتها مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، كما تولى رئاسة لجان وجوائز علمية على مستوى المملكة، في امتداد لمكانته العلمية وخبرته الأكاديمية.
وكان تخصصه موضع عمقه، لا حدود معرفته؛ فقد اتسعت قراءاته وتشعبت معارفه في العلوم والآداب واللغة والفكر، حتى كان الباحثون والمتخصصون يقصدونه بأسئلتهم، فيجدون لديه الإجابة الكافية الشافية. وكان واسع الاطلاع، شغوفًا بالتعلم؛ فجمع إلى دقة المتخصص أفق العالِم واسع المعرفة.
وكانت اللغة جزءًا أصيلًا من تكوينه؛ اعتنى بالعربية واعتز بها، ورأى أن بناء النشء يبدأ بالتمكن منها، من غير أن يعني ذلك الانغلاق عن اللغات الأخرى؛ فقد أتقن الإنجليزية، وحرص على تعلم الفرنسية، فجمع بين الاعتزاز بلغته والانفتاح على لغات المعرفة.
ولم يكن العلم عند سعد البراك معرفة مجردة؛ بل قدوة تُرى في الممارسة، وقيمًا يصدقها السلوك. عُرف بالصدق والعدل والرحمة، وبالورع والتقوى والسماحة والإحسان إلى الناس؛ علمٌ لا ينفصل عن الخلق، ومكانة لا تحجب التواضع. وجمع إلى وقار العالِم لطف الإنسان ورصانة الحديث، فترك فيمن عرفوه تقديرًا ومحبة لا تصنعهما المناصب.
وامتد حضوره خارج الجامعة إلى مؤسسات مجتمعه، فكان نائبًا لرئيس مجلس إدارة جمعية البر بالأحساء، وعضوًا في مجلس إدارة مشروع هيئة الري والصرف، وعضوًا في المجلس البلدي بالأحساء، في امتداد يعكس حضوره في العمل الاجتماعي والتنموي، واتساع دائرة عطائه من الجامعة والبحث العلمي إلى خدمة مجتمعه.
وفي الأحساء كانت له مكانة رفيعة ووجاهة راسخة تجاوزتا موقعه الجامعي؛ فكان موضع تقدير بين أهل العلم والوجاهة، لما عُرف عنه من حكمة ورجاحة رأي وحسن سيرة. وهكذا لم تقف مكانته عند حدود الجامعة، بل امتدت إلى مجتمعه ومحيطه.
رحل الأستاذ الدكتور سعد البراك، رحمه الله، عام 2020م، بعد حياة حافلة بالعلم والعطاء.
وتبقى سيرته صورة للعالِم الجامعي الذي تجاوز أثره ما أنجزه وما تولاه، إلى ما تركه في جامعته ومجتمعه ومن عرفوه.