عبدالرحمن بن محمد القشعمي
في إحدى مدارس محافظة الزلفي، ومع إشراقة يوم المعلم، تجلت صورة من أبهى صور الوفاء، حين اجتمع منسوبو المدرسة على عملٍ نبيلٍ يحمل بين طياته معاني المحبة والامتنان، فتبرعوا بالماء صدقةً جاريةً عن مدير شؤون المعلمين الأستاذ عبدالله بن سعود العواد، رحمه الله رحمةً واسعة، الذي انتقل إلى جوار ربه في شهر ذي القعدة من العام الماضي.
قد يبدو الموقف في ظاهره يسيرًا، لكنه في جوهره عظيم الدلالة؛ إذ يروي قصة إنسانٍ غاب جسده عن الدنيا، وبقي أثره الطيب شاهدًا على حسن سيرته وجميل أثره في النفوس. فبعض الناس يرحلون، غير أن ذكراهم تبقى نابضةً بالحياة في القلوب، تُحييها مواقف الوفاء، وتُخلدها مشاعر المحبة الصادقة.
في هذا المشهد الإنساني الراقي وقفتان جديرتان بالتأمل:
الوقفة الأولى:
ما الذي يصنع للإنسان هذا الحضور الجميل بعد رحيله؟ وما الذي يدفع الناس إلى أن يخصوه بالدعاء والوفاء وإن انقطعت به أسباب الدنيا؟
لا أعرف عن الأستاذ عبدالله العواد رحمه الله إلا ما عُرف به من كريم الخصال؛ حسنُ تعاملٍ، ولينُ جانبٍ، وطيبُ معشرٍ، ورفعةُ خلق. وقد عرفته أيام الدراسة في المعهد العلمي، فكان بشوش المحيا، قريبًا من القلوب، يزرع الاحترام والمودة أينما حل، ويترك أثرًا طيبًا لا تمحوه الأيام.
ولعل أعظم ما يدخره الإنسان لنفسه بعد رحيله ليس مالًا يجمعه، ولا منصبًا يتقلده، وإنما سيرةٌ حسنة، وذكرٌ جميل، ومحبةٌ صادقة تستقر في قلوب الناس، فتترجمها الأيام دعاءً وثناءً ووفاءً لا ينقطع.
الوقفة الثانية:
أما الوقفة الأخرى فهي مع هذا الموقف النبيل الذي جسده منسوبو المدرسة، والذي يعكس ما يتحلون به من كرم أخلاق، ونبل نفوس، وصدق وفاء.
فلم ينسوا رجلًا كان بينهم يومًا يؤدي رسالته ويقوم بواجبه، فلما انقضى أجله وانقطع عمله، سعوا إلى أن يهدوا له عملًا يمتد أثره، ونفعًا يبقى أجره بإذن الله جاريًا. وكأنهم أرادوا أن يقولوا بلغة الفعل قبل القول: إن أصحاب الأثر الجميل لا تغيب ذكراهم، وإن الوفاء الحقيقي لا ينتهي بانتهاء الحياة.
يا لها من صورة مشرقة للوفاء؛ رجلٌ واراه الثرى، وبقيت مآثره حيةً في القلوب، وأناسٌ حفظوا له جميله، فأهدوه ما يرجون أن يمتد نفعه، ولو كان في صورة قطرات ماء تروي العطشى، وتكتب له بإذن الله مزيدًا من الحسنات.
رحم الله الأستاذ عبدالله بن سعود العواد رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزى من أحسن إليه بعد رحيله خير الجزاء، وجعل ما قدموه عنه من صدقةٍ جاريةٍ في موازين حسناته، ونفع بها العباد والبلاد.
فما أجمل الوفاء حين يبقى بعد الرحيل، وما أعظم العطاء حين يُهدى إلى من انقطع عمله، وبقي رجاؤه معلقًا برحمة الله ودعوات المحبين.