د. يحيى جابر
كم من البرامج الحوارية العربية بما يسمى «التوك شو» بمختلف تنوعها السياسي والثقافي والرياضي وغيرها، تعتمد على مقدم ومعد ومنصة مهنية مؤهلة، وكم منصة حتى لو كانت معروفة تقدم برامج يعدها ويقدمها غير مهنيين؟، وهل تستحوذ هذه البرامج فعلياً من دون تسويق وترويج على اهتمام المتلقي العربي، وهنا نتساءل أيضاً هل الصراخ والإثارة وتأجيج المشاعر والشعبوية وغيرها، تفيد المتلقي على المدى القريب أو البعيد؟، أم البرامج المهنية التي يعدها ويقدمها وينفذها ويدعمها ويمولها جهات ورجال لهم علاقة بالتخصص الإعلامي والاتصالي ويعتمد على المهنية بالدرجة الأولى.
كشفت اتجاهات حديثة في استهلاك الأخبار أن التلفزيون ما زال يحتفظ بمكانته في تشكيل المعرفة العامة، رغم التوسع الكبير في المنصات الرقمية والفيديو القصير، إذ أظهر تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2025 أن الثقة العالمية في الأخبار استقرت عند نحو 40 %، بينما أصبح استهلاك الأخبار عبر الفيديو أكثر انتشاراً، ووصل استهلاك الفيديو الإخباري عبر المنصات الاجتماعية إلى 65 % من العينة العالمية أسبوعياً، بعد أن كان 52 % عام 2020، وهو تحول يضع البرامج الحوارية أمام مسؤولية مضاعفة في طريقة اختيار الموضوع والضيف والسؤال والصورة والعنوان، لأن التنافس على انتباه الجمهور أصبح أشد من أي وقت مضى، «المصدر- معهد رويترز لدراسة الصحافة، بريطانيا، التقرير الرقمي للأخبار لعام 2025، 17 يونيو 2025».
ومن هنا تبرز أهمية «التوك شو» العربي باعتباره أحد أكثر القوالب التلفزيونية قدرة على الجمع بين الخبر والتحليل والحوار والتفسير واستضافة الشخصيات المتخصصة وصناعة النقاش العام، فهو ليس مجرد برنامج مسائي طويل، ولا مساحة مفتوحة للكلام المتبادل، وإنما منتج إعلامي مركب يحتاج إلى إعداد مهني دقيق يبدأ من غرفة الأخبار، ويمر بمرحلة البحث وجمع المعلومات والتحقق من المصادر، ثم بناء المحاور، واختيار الضيوف، وتحديد الزمن المخصص لكل قضية، وينتهي بإدارة المذيع للحوار بطريقة تحقق التوازن وتمنح المشاهد معلومات تساعده على فهم الحدث لا مجرد متابعته.
وتوضح الدراسات الإعلامية أن برامج الحوار التلفزيوني يمكن أن تؤدي وظيفة مهمة في المجال العام عندما تتيح مناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية، وتمنح أطراف النقاش مساحة للتعبير وتبادل الأفكار، وقد بحثت دراسة أكاديمية متخصصة في برامج الحوار التلفزيوني وعلاقتها بالمجال العام، وخلصت إلى أن هذا النوع من البرامج يمكن أن يكون مساحة للنقاش المجتمعي وتداول الأفكار، «المصدر- المجلة الماليزية للاتصال، ماليزيا، برامج الحوار التلفزيوني والمجال العام، 2011».
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحوار من وسيلة لفهم القضية إلى وسيلة لاستثارة الجمهور، وعندما تصبح قيمة الحلقة مرتبطة بحدة المواجهة أكثر من قيمة المعلومات التي تقدمها، وعندما يصبح الضيف مطلوباً لأنه قادر على رفع مستوى الانفعال لا لأنه يمتلك معرفة حقيقية بالموضوع، وعندما يتحول المذيع من مدير للحوار إلى طرف رئيس فيه، فيصبح السؤال مصاغاً بطريقة تحمل حكماً مسبقاً، وتتحول الإجابة إلى مادة للصدام، ويصبح المقطع الأكثر انتشاراً أهم من الحلقة الأكثر فائدة.
الإثارة المهنية
وهنا يجب التفريق بين الإثارة المهنية والإثارة غير المهنية، فالإثارة المهنية ليست عيباً في حد ذاتها، لأن التلفزيون يحتاج إلى التشويق وسرعة الإيقاع وحسن العرض، كما أن البرنامج الذي لا يستطيع جذب المشاهد قد يفشل في إيصال رسالته مهما كانت معلوماته صحيحة، لكن التشويق المهني يقوم على قوة المعلومة، ودقة السؤال، وثراء الضيف، وتنوع الآراء، وجودة الصورة، وحسن الإخراج، بينما تقوم الإثارة غير المهنية على المبالغة والتهويل والاقتطاع واستفزاز الضيف وتضخيم الخلاف وتقديم الجزئية باعتبارها القضية كلها، والصراخ والهمجية، وهي تصرفات تؤثر في سلوكيات المتلقي مع أشد الأسف.
مجموعة مبادئ
تؤكد نتائج تقرير رويترز أن الجمهور يربط استعادة الثقة في الإعلام بمجموعة من المبادئ، في مقدمتها الدقة والتحقق من المعلومات والحياد والابتعاد عن اللغة المشحونة والمثيرة، وهي ملاحظات ظهرت ضمن إجابات المشاركين في عشرات الأسواق التي شملها التقرير، «المصدر- معهد رويترز لدراسة الصحافة، بريطانيا، التقرير الرقمي للأخبار لعام 2025، 17 يونيو 2025».
وهذا يعني أن «التوك شو» العربي أمام معادلة دقيقة، فالجمهور يريد برنامجاً سريعاً وممتعاً ومباشراً، لكنه يريد في الوقت نفسه معلومات صحيحة وتحليلاً موثوقاً، ولغة احترافية، هذه المعادلة لا تتحقق بالصوت المرتفع ولا بالمواجهة المصطنعة، وإنما بامتلاك فريق الإعداد القدرة على تحويل القضية المعقدة إلى مادة إعلامية واضحة، دون إفراغها من مضمونها.
وتشير دراسة تناولت صحافة برامج الحوار إلى أن «التوك شو» من القوالب الإعلامية التي تتميز بقدرتها على إضفاء طابع استعراضي على المحادثة، وأن مقدم البرنامج يحتل موقعاً مركزياً في تحديد طبيعة التفاعل بين الضيوف والجمهور، وهو ما يجعل شخصيته المهنية وطريقة إدارته للحوار جزءاً أساسياً من طبيعة المحتوى، «المصدر- الموسوعة الدولية لدراسات الصحافة والإعلام، إيطاليا، صحافة برامج الحوار، 2019».
المذيع المسؤول
وفي «التوك شو» العربي تحديداً تزداد أهمية المذيع لأن المشاهد لا يرى غرفة الأخبار ولا فريق الإعداد ولا عمليات التحقق التي سبقت الحلقة، وإنما يرى النتيجة النهائية من خلال المقدم والضيف والشاشة، لذلك فإن المذيع يتحمل مسؤولية مضاعفة في ضبط الوقت، ومنع التشويش، وإيقاف المعلومة غير الدقيقة، والتمييز بين الرأي والحقيقة، وعدم السماح بتحويل الحلقة إلى ساحة صراع شخصي.
العدوانية الحوارية
تكشف الدراسات الخاصة بالمقابلات التلفزيونية أن المقابلة ليست عملية محايدة بالكامل من الناحية الاتصالية، لأن طريقة صياغة السؤال وإدارة الإجابة وإعادة تقديمها تؤثر في الطريقة التي يظهر بها الضيف والموقف أمام الجمهور، «المصدر- مجلة الخطاب والمجتمع، السويد، السياسيون في المقابلات التلفزيونية الإخبارية، 2001»، وهذا يوضح أن السؤال الصحفي ليس مجرد جملة يوجهها المذيع، بل أداة مهنية يمكن أن تكشف المعلومة أو تقود الحوار أو تضيق مساحة الإجابة أو تفتحها.
ومن أكثر المشكلات التي تحتاج إلى مراجعة في بعض برامج «التوك شو» العربي الخلط بين الجرأة المهنية والعدوانية الحوارية، الجرأة الصحفية تعني امتلاك معلومات دقيقة والقدرة على مواجهة الضيف بالتناقضات والوثائق والتواريخ والأرقام، بينما العدوانية تعني رفع الصوت أو المقاطعة المستمرة أو السعي إلى إحراج الضيف واستفزازه، بعيداً عن جوهر القضية، المذيع المهني لا يحتاج إلى الغضب حتى يكون قوياً، لأن قوة السؤال تأتي من المعلومات التي يحملها السؤال، وليس من ارتفاع نبرة صاحبه.
وتزداد خطورة الإثارة عندما ترتبط بالقضايا الإنسانية والاجتماعية، لأن تحويل معاناة الأشخاص إلى مادة لاستدرار الانفعال قد يرفع المشاهدة لحظياً، لكنه يضعف القيمة الصحفية للحلقة ويهدد خصوصية الأفراد وكرامتهم، وقد شددت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة على ضرورة أن تكون التغطية الإعلامية قائمة على الدقة والاحترام والتوازن والابتعاد عن الإثارة والتوصيفات التي تؤدي إلى الوصم، «المصدر- منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، فرنسا، إطار للتغطية المسؤولة والمتوازنة الخالية من الوصم والإثارة، 2024».
الثقة في الإعلام
في المقابل، لا يمكن تحميل «التوك شو» وحده مسؤولية تراجع الثقة في الإعلام، لأن البيئة الإعلامية بأكملها تغيرت، فقد أظهر تقرير رويترز لعام 2025 أن استهلاك الأخبار التقليدية عبر التلفزيون والصحف والمواقع الإخبارية يتراجع في أسواق كثيرة، بالتزامن مع صعود المنصات الاجتماعية ومقاطع الفيديو وصناع المحتوى، كما أشار إلى أن نحو 36 % من العينة العالمية يستخدمون فيسبوك للحصول على الأخبار أسبوعياً، و30 % يستخدمون يوتيوب، و19 % يستخدمون إنستغرام، و19 % واتساب، و16 % تيك توك.
وهذا التحول يفرض على التوك شو العربي تطوير أدواته، لأن المنافس لم يعد برنامجاً تلفزيونياً آخر فقط، بل أصبح هاتفاً محمولاً يحمل عشرات المقاطع والمنصات وصناع المحتوى في اللحظة نفسها، ولذلك أصبحت الثواني الأولى من الحلقة والمقطع والعنوان والصورة عناصر مؤثرة في الوصول إلى الجمهور، لكن هذا لا يعني التضحية بالمحتوى من أجل المقطع القصير.
المصداقية
تكشف دراسة حديثة لمركز بيو للأبحاث أن 93 % من الأميركيين يرون أن الصدق مهم في الأشخاص الذين يحصلون منهم على الأخبار، بينما يرى 84 % أن نقل الأخبار بدقة مسؤولية أساسية لمن يقدم لهم المعلومات، و70 % يعتبرون المعرفة العميقة بالموضوع الذي يتناوله مقدم الأخبار أمراً مهماً للغاية أو مهماً جداً، «المصدر- مركز بيو للأبحاث، الولايات المتحدة، ما الذي يريده الأميركيون من مقدمي الأخبار؟، 20 أغسطس 2025»، وهذه الأرقام تخص الجمهور الأميركي ولا يمكن تعميمها آلياً على الجمهور العربي، لكنها تقدم مؤشراً مهماً على أن الجاذبية وحدها لا تكفي لبناء العلاقة طويلة المدى بين الجمهور والبرنامج.
كما أظهر مركز بيو أن 21 % من البالغين الأميركيين قالوا في دراسة عام 2025 إنهم يحصلون بانتظام على الأخبار من المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي، ما يؤكد اتساع المنافسة على صناعة المعلومة وتفسيرها خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية، «المصدر- مركز بيو للأبحاث، الولايات المتحدة، لا يوجد إجماع حول الشخصيات التي يتذكرها الأميركيون بوصفهم مؤثرين في الأخبار، 19 فبراير 2025».
قيمة المحتوى
وأعتقد أن مستقبل «التوك شو» العربي لا يرتبط بزيادة الصراخ ولا بتوسيع مساحة الخلاف، وإنما بزيادة قيمة المحتوى، فالبرنامج القوي هو الذي يستطيع أن يبدأ الحلقة بمعلومة موثقة، ثم يضعها في سياقها، ويستضيف الشخص القادر على تفسيرها، ويواجهه بالبيانات، ويتيح الرأي الآخر، ويخرج في النهاية بخلاصة تساعد المشاهد على فهم القضية،
كما أن غرفة إعداد «التوك شو» تحتاج إلى التعامل مع الحلقة باعتبارها مشروعاً صحفياً متكاملاً، لا مجرد قائمة أسماء وضيوف، فالبحث يبدأ قبل البث بوقت كاف، والملف يجب أن يتضمن خلفية الموضوع، والتطورات الزمنية، والوثائق، والأرقام، والمصادر الأصلية، ونقاط الاختلاف، والأسئلة المحتملة، والمعلومات التي تحتاج إلى توضيح، ثم يأتي دور المذيع في تحويل هذه المادة إلى حوار حي وسلس وجذاب.
مهني وغير مهني
الفارق بين البرنامج المهني والبرنامج الذي يعتمد على الإثارة وحدها يظهر غالباً بعد انتهاء الحلقة، البرنامج المهني يترك لدى المشاهد معلومات جديدة، وتصحيحاً لبعض التصورات، وفهماً أفضل للموضوع، وربما اختلافاً في الرأي، لكنه اختلاف مبني على معرفة، أما البرنامج الذي يعتمد على الإثارة وحدها فقد يترك انطباعاً قوياً للحظات، ثم تختفي تفاصيل الحلقة سريعاً لأن المادة لم تكن مبنية على معرفة قابلة للبقاء.
لقد أصبح الجمهور أكثر قدرة على المقارنة بين المصادر، وأكثر تعرضاً لمحتويات متنوعة، ولم يعد من السهل بناء الثقة من خلال الحضور التلفزيوني وحده، ويشير تقرير رويترز إلى أن العلامات الإخبارية الموثوقة والمصادر الرسمية ما زالت من أبرز الأماكن التي يلجأ إليها الجمهور للتحقق من المعلومات، رغم صعود المنصات الرقمية وصناع المحتوى، «المصدر- معهد رويترز لدراسة الصحافة، بريطانيا، التقرير الرقمي للأخبار لعام 2025، 17 يونيو 2025».
أخيراً
في تقديري أن «التوك شو» العربي يحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم النجاح، المشاهدة مهمة، والانتشار مهم، والتفاعل الرقمي مهم، لكنها مؤشرات لا تكفي وحدها للحكم على جودة البرنامج، القيمة المهنية تقاس أيضاً بدقة المعلومات، ونوعية الضيوف، وعمق الأسئلة، وتوازن التغطية، وقدرة الحلقة على تفسير الحدث، وتصحيح المعلومات الخاطئة، واحترام عقل المشاهد.
الإثارة في معناها وقيمتها، فالسؤال القوي أكثر تأثيراً من الصراخ، والمعلومة الجديدة أكثر بقاءً من المشهد المفتعل، والحوار المتوازن أكثر قدرة على بناء الثقة من المواجهة المصطنعة.
ولهذا فإن مستقبل «التوك شو» العربي سيكون أكثر ارتباطاً بقدرة المؤسسات الإعلامية وصانعي القرار فيها على إنتاج محتوى يعرف كيف يجذب المشاهد دون أن يستخف به، ويناقش القضايا الحساسة دون أن يحولها إلى سلعة انفعالية، ويستفيد من سرعة المنصات الرقمية دون أن يتخلى عن قواعد الصحافة، وفي النهاية يبقى المعيار الحقيقي للبرنامج الناجح هو أن يغادر المشاهد الحلقة وهو يعرف أكثر مما كان يعرف قبلها، لا أن يكون أكثر انفعالاً فقط.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام