محمد بن عبدالله العتيق
قبل أكثر من ثلاثة عقود، بدأت في الرياض قصة لم يكن أحد يعرف إلى أين ستصل. في عام 1990 خاضت المملكة أولى عملياتها لفصل التوائم السيامية، لتبدأ معها تجربة طبية وإنسانية استمرت سنوات طويلة، وتوسعت من حالة إلى أخرى حتى أصبح البرنامج السعودي معروفًا في دول كثيرة.
في ديسمبر من ذلك العام، دخل أول توأم سيامي سعودي غرفة العمليات في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض. كانت الطفلتان ملتصقتين في منطقة البطن، وتشتركان في أغشية البطن وجزء من الكبد. وقاد الفريق الطبي الدكتور عبدالله الربيعة، وتمكن من فصل الطفلتين بنجاح، في عملية استغرقت نحو ثلاث ساعات.
كانت تلك البداية. بعدها توالت الحالات، وتطورت الخبرات، وأصبح الفريق الطبي أمام حالات أكثر تعقيدًا، قادمة من دول مختلفة. وأجريت العمليات الثلاث الأولى في مستشفى الملك فيصل التخصصي، قبل أن تنتقل العمليات اللاحقة إلى مدينة الملك عبدالعزيز الطبية بوزارة الحرس الوطني في الرياض.
ومع مرور السنوات، لم تعد جنسية الطفل أو الدولة التي جاء منها هي ما يحدد إمكانية علاجه. كانت الحالة الطبية هي الأساس، وكانت المملكة تفتح أبوابها أمام أسر جاءت تبحث عن فرصة لأطفالها.
بعض التوائم كانوا يشتركون في الكبد، وآخرون في الأمعاء أو الجهاز البولي والتناسلي أو عظام الحوض. وهناك حالات احتاجت إلى عمليات تمهيدية قبل الفصل، وأخرى استغرقت ساعات طويلة وشارك فيها عدد كبير من الأطباء والجراحين والممرضين والفنيين.
توسعت التجربة حتى أصبح لها برنامج متخصص، تُدرس فيه كل حالة بعناية، وتُجرى الفحوصات اللازمة، ثم يقرر الفريق الطبي إمكانية الفصل ومراحله والمخاطر المرتبطة به. وتجرى هذه العمليات في مستشفى الملك عبدالله التخصصي للأطفال بمدينة الملك عبدالعزيز الطبية بوزارة الحرس الوطني بالرياض، بمشاركة فرق من تخصصات متعددة.
ثم جاء عام 2015 بتأسيس مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ليجد هذا الجانب الطبي امتدادًا طبيعيًا للعمل الإنساني الذي تقدمه المملكة. وتكفلت المملكة بنفقات نقل التوائم وأسرهم وإقامتهم ورعايتهم الطبية وغيرها من الاحتياجات المرتبطة بالحالات التي تستضيفها.
وهذا الجانب تحديدًا يستحق التوقف عنده. فالأمر لا يتعلق بعملية جراحية تنتهي بخروج الطفل من المستشفى. هناك أسرة تأتي من بلد بعيد، وتعيش فترة العلاج في المملكة، وتنتظر مع الفريق الطبي نتيجة قد تغير حياة طفلين كاملين.
وعلى مدى هذه السنوات، حظي البرنامج بدعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ومتابعة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، واستمرت المملكة في استقبال الحالات من دول مختلفة، دون النظر إلى جنسية الطفل أو ديانته.
ومن السودان إلى الفلبين ونيجيريا وباكستان وسوريا وغيرها، وصلت إلى الرياض أسر تحمل معها قصصًا متشابهة في ألمها وأملها. أب وأم يريدان أن يريا طفليهما يعيشان بصورة طبيعية، وأن يعود كل واحد منهما إلى وطنه مستقلًا عن الآخر.
وفي عام 2026، واصل البرنامج عمله بحالات جديدة، كان من بينها فصل التوأم الفلبيني أوليفيا وجيانا في يونيو، في العملية رقم 72، بعدما بلغ عدد التوائم الذين رعاهم البرنامج منذ انطلاقه 158 توأمًا من 28 دولة في خمس قارات.
ثم جاءت «سجى وضحى».
في الثامن من أكتوبر 2026، بدأت في الرياض عملية فصل التوأم المغربي، البالغتين من العمر 13 شهرًا، في مستشفى الملك عبدالله التخصصي للأطفال.
وصلت الطفلتان إلى المملكة في 24 أبريل الماضي، وخضعتا منذ وصولهما لفحوصات دقيقة واجتماعات متواصلة للفريق الطبي. وأظهرت الفحوصات التصاقهما في منطقتي الصدر والبطن، واشتراكهما في أغشية القلب والكبد والأمعاء. كما تبين وجود مشكلة في الحنجرة لدى إحدى الطفلتين، استدعت إجراء منظار وعلاج العيب الخلقي قبل البدء في عملية الفصل.
وتستغرق العملية نحو عشر ساعات، وتنفذ على ست مراحل، بمشاركة 23 من الاستشاريين والأخصائيين والكوادر التمريضية والفنية في تخصصات مختلفة. وهي العملية الرابعة لفصل توائم ملتصقة من المغرب، ورقم 73 في مسيرة البرنامج السعودي.
ومن المتوقع، عند نشر هذا المقال، أن تكون العملية قد انتهت بسلام ونجاح، بإذن الله وعونه وتوفيقه، لتعود «سجى وضحى» إلى أهلهما وقد بدأت لهما حياة جديدة، وتضاف حالة أخرى إلى سجل طويل من العمليات التي ارتبطت باسم المملكة وفريقها الطبي المتخصص.
ثلاثة عقود مضت منذ العملية الأولى، تغيرت خلالها التقنيات واتسعت الخبرات وكبرت الفرق الطبية، ووصل البرنامج إلى حالات لم تكن سهلة في أي مرحلة من مراحلها. لكن الفكرة بقيت واضحة منذ البداية: أن يحصل الطفل على فرصة للحياة، وأن تجد أسرته من يقف معها في أصعب لحظاتها.
ولعل ما يميز هذه التجربة السعودية أن أبوابها ظلت مفتوحة أمام أطفال قدموا من دول مختلفة، واختلفت جنسياتهم ودياناتهم، بينما بقي الإنسان هو الجامع بينهم. فكل طفل يصل إلى المملكة يحمل معه قصة أسرة، وكل عملية ناجحة تعني فرحة تتجاوز حدود غرفة العمليات إلى بلد كامل ينتظر عودة أطفاله.
ولهذا أصبحت عمليات فصل التوائم السيامية علامة بارزة في العمل الطبي والإنساني السعودي، وعنوانًا يعرفه العالم حين تتحدث المملكة عن مبادراتها الإنسانية.
ومن أول عملية عام 1990 إلى «سجى وضحى» في عام 2026، لم تكن الحكاية مجرد أرقام متتابعة، وإنما سنوات من العمل والخبرة والعطاء، كان ثمرتها أطفال عادوا إلى أسرهم بحياة مختلفة، وقلوب آباء وأمهات عرفت معنى أن تمنح بلاد بأكملها الأمل لطفليهما.