نجلاء العتيبي
في طريق عودته إلى البيت لمح رجلٌ ما يستدعي الانتباه، حوله أُناس يمضون إلى أعمالهم، ومركبات تتقاطع عند الإشارة، ومدينة تستكمل يومها بثقةٍ، أخرج هاتفه، وقدَّم بلاغًا إلى الجهة المختصة ومضى، ربما وصل إلى منزله دون أن يعرف ما ترتَّب على اتصاله، وربما جلس مع أبنائه يُحدّثهم عن يوم عادي، لكن ذلك التصرُّف الصغير حمل معنًى كبيرًا: أن يكون الإنسان حاضرًا لوطنه حين يحتاج الوطن إلى انتباهه.
من هذا المشهد المتخيَّل تبدأ حكاية مبادرة «بلاغ»، حكاية مواطن يعرف أن الطمأنينة التي يعيشها تستحقُّ منه مشاركة واعية، وأن أمن المجتمع يمتدُّ إلى ما نراه في الطريق، وما نلاحظه في محيطنا، وما نُحسن إيصاله إلى أصحاب الاختصاص، فبين ملاحظةٍ تستحقُّ الإبلاغ واستجابةٍ تصل في وقتها، قد تُحفَظ سلامة إنسان، ويُمنَع خطر، وتواصل أسرة يومها دون أن تعلم أن أحدًا أسهم في حمايتها.
للروح الوطنية وجوه كثيرة، ومن أجملها ذلك الوجهُ الذي يظهر في الفعل دون انتظار مناسبة، نحبُّ هذه الأرض، ونعتزُّ بقيادتها، ونفرح بمنجزاتها، ويكتمل هذا الشعور حين يُصبح سلوكًا يحفظ مكتسباتها، حين ينتبه المواطن، ويشارك المقيم، ويتعامل الجميع مع سلامة المكان بوصفها شأنًا يعنيهم، يتَّسع معنى الانتماء، ويغدو لكل فرد نصيب في حماية الحياة التي تجمعنا، بما فيها من بيوت وأعمال وطُرُقات وأحلام تتقدَّم بثقة. وقد صنعت قيادتنا مسارًا للتطوُّر يلمسه الإنسان في علاقته بالخدمة، وفي قُرب المؤسسات منه، وفي الوسائل التي تتيح له الوصول والمشاركة، تتقدَّم المملكة برؤية تجعل الإنسان شريكًا في بناء حاضرها، وتفتح أمامه أبواب الإسهام بحسب قدرته ومعرفته، وفي المجال الأمني، يحمل هذا التطوُّر معنًى بالغَ الأهمية؛ إذ تقترن كفاءة الجهات المختصة بوعي المجتمع، وتتلاقى سرعة الاستجابة مع حسن المبادرة، فتزداد قدرة المنظومة على الوقاية وحماية الناس.
هنا تأتي مبادرة وزارة الداخلية لتمنح المشاركة طريقًا واضحًا، وتُقرّب ثقافة البلاغ من حياة الناس، عبر التعريف بمراكز العمليات الأمنية الموحدة «911» وتطبيق «كلنا أمن»؛ فيصبح الهاتف الذي نحمله وسيلة لإيصال ملاحظة مهمة، ويصبح الوعي دليلًا إلى التصرُّف المناسب، وتظهر قيمة هذه الوسائل حين يعرف الإنسان كيف يستخدمها، ومتى يلجأ إليها، وما المعلومات التي تساعد الجهة المختصة على فهم الحالة والتعامل معها بكفاءةٍ.
والبلاغ الواعي أمانة في القول، ودقة في الوصف، واحترام لاختصاص من يتولَّى التحقُّق والاستجابة، يُقدّم صاحبه ما شاهده بوضوحٍ، ويحفظ للناس كرامتهم، ويُوجّه المعلومة إلى مسارها الصحيح، بهذه الثقافة تنمو الثقة، ويطمئنُّ الفرد إلى جدوى مشاركته، وتجدُ الجهات الأمنية في المجتمع عونًا على أداء رسالتها؛ إنها علاقة تتأسَّس على مسؤولية مشتركة، يعرف فيها كلُّ طرفٍ دورَهُ، وتلتقي جهود الجميع عند غاية ثمينة هي: سلامة الإنسان.
وتتسع الحكاية حين تدعو المبادرة الأفراد والجهات إلى تقديم أفكارهم، وإنتاج محتوى توعوي وإبداعي، فقد يحمل مقطع مرئي رسالة يتذكَّرها شابٌّ عند موقف يحتاج إلى قرار، وقد يشرح تصميمٌ طريقةَ الإبلاغ لأسرة، وقد يُقرّب تقرير إعلامي معنى المسؤولية إلى جمهور واسع. هنا يجد المبدع مساحةً يخدم فيها وطنه بموهبته، وتجد المؤسسة فرصة تجعل حضورها المجتمعي عملًا ذا أثرٍ، ويكتشف المشاركون أن المعرفة حين تُحسن صياغتها تصبح قوة نافعة.
وحين تتبنَّى جهة في القطاع العام أو الخاص فكرة توعوية، فإنها تمنح خبرتها امتدادًا يخدم الجميع؛ فالشراكة تنضج عندما يتحوَّل الاهتمام إلى مبادرةٍ، وتجد الطاقات مجالًا يجمعها على عمل نافع، قريب من الناس، ومتصل باحتياجاتهم اليومية المباشرة.
أتصوَّر طالبًا يناقش فكرته مع زملائه، ومصممة تختار الصورة الأوضح لرسالتها، وكاتبًا يبحث عن عبارة تصل إلى القارئ وتبقى معه. تتعدَّد أدواتهم، ويجمعهم حرص على أن تصل الفكرة إلى الناس سليمة ومؤثرة، وخلال ستين يومًا من المشاركة، تستطيع هذه الجهود أن تفتح حديثًا في البيت والمدرسة والعمل عن معنى الانتباه، وقيمة التصرُّف المسؤول، وأهمية التواصل مع الجهات المختصة عند الحاجة. وهذا ما يمنح «بلاغ» مكانتها: أنها تستدعي فينا القدرة على الإسهام، وتصل الاعتزاز بالوطن بخدمته، يعود الرجل في أول الحكاية إلى بيته، وتبقى وراءه دلالة تستحقُّ التأمُّل؛ وطن يتطوَّر بقيادة تبني وتُمكّن، ومؤسسات تعمل، ومجتمع يدرك قيمة حضوره، وفي هذا التلاقي تكبر الطمأنينة، ويُصبح حب المملكة فعلًا نؤدّيه بإخلاصٍ، كلٌّ من موقعه، ليظلَّ أمنها حاضرًا في حياتنا، وازدهارها ممتدًّا إلى مستقبل أبنائنا.
ضوء
«المملكة العربية السعودية أمانٌ يُغطّي أرجاءها، واعتزازٌ يسكن نفوس أبنائها، وسعادةٌ تملأ قلوب زُوَّارها».
- وزارة الداخلية السعودية.