فائز بن سلمان الحمدي
ليست البيوت جدرانًا تُقام، بل علاقاتٍ تُصان. وقد يبقى البناء شامخًا، والأسرة من داخله تتصدع؛ لأن أول ما ينهار في البيوت ليس السقف، وإنما الأمان، وأول ما يتشقق ليس الجدار، وإنما الثقة. ولهذا جعل الله أصل العلاقة الزوجية قائمًا على معنى أعمق من مجرد الاجتماع، فقال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}. فتأمل دقة التعبير: لم يقل لتسكنوا معها، بل {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا}؛ فالبيت الحق ليس مكانًا يسكن فيه الإنسان فحسب، بل قلبًا يسكن إليه؛ يجد عنده أمانه وطمأنينته، ويضع بين يديه ضعفه دون أن يخشى أن يصبح ذلك الضعف يومًا سلاحًا عليه. ومن هنا ندرك أن أخطر ما يهدد الأسرة ليس دائمًا الفقر، ولا ضيق المسكن، ولا قلة الموارد؛ فكم من بيت عاش بالقليل واتسع بالرحمة، وكم من قصر اتسع بكل شيء وضاق بأهله! وإنما يبدأ الخراب حين يصبح الإنسان غريبًا في المكان الذي كان ينبغي أن يكون وطنه. وأول معاول هذا الخراب: الكلمة. قد يقولها المرء في ساعة غضب، ثم ينساها بعد دقائق، ولكنها لا تنتهي حين يسكت اللسان؛ فقد تبدأ حياتها الحقيقية بعد ذلك في قلب من سمعها. فالكلمات لا تؤلم لأنها أصوات عابرة، وإنما لأنها تمس الكرامة، وتهز مكانة الإنسان عند من يحب. وقد يحتمل المرء من قسوة الدنيا كثيرًا، ثم تكسره كلمة من أقرب الناس إليه. ولهذا قال الله تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ}. فتأمل قوله: {الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}؛ فالبيوت لا يكفيها حسن المقاصد، بل تحتاج حسن العبارة أيضًا. وكم من إنسان اعتذر بقوله: «لم أقصد»، وهو صادق، غير أن الجرح لا يسأل اليد التي أحدثته: أكانت متعمدة أم عابثة؟
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» متفق عليه. وما أحوج البيوت إلى هذا الأدب؛ فبعض الناس يتأنق في حديثه مع الغرباء، ثم يدخل بيته فيخلع عند بابه رداء الأدب! يبتسم لمن لا يعرفه، ويشكر من لا يعيش معه، ويعتذر ممن لا يشاركه عمره، ثم يبخل بذلك كله على أقرب الناس إليه. وهنا يختل الميزان؛ لأن الخُلُق الذي لا يبلغ أهل البيت يظل خُلُقًا ناقصًا. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله» .
فالإنسان لا تُعرف حقيقة أخلاقه حين تحيط به أعين الناس فحسب، بل حين يأمن أن لا يراه إلا أهله. ومن معاول الخراب كذلك: الاحتقار المتكرر. فالإنسان قد يصبر على ضيق العيش، ولكنه يذبل إذا طال مقامه، حيث يشعر أنه قليل القيمة. والنقد المستمر لا يصلح النفوس كما يتوهم بعض الناس؛ بل قد يهدم ثقتها بنفسها، أو يدفعها إلى الاحتماء بالدفاع والمكابرة حتى أمام النصيحة الصادقة. فالذي يسمع كل يوم أنه مقصِّر، وفاشل، ولا يفهم، ولا يحسن، لا يصبح بالضرورة أفضل؛ وإنما قد يصبح أكثر انغلاقًا، وأقل استعدادًا للإصلاح. وفي هذا ميزان نبوي بالغ الحكمة، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر» رواه مسلم. فالعدل أن ترى الإنسان كامل الصورة؛ لا أن تختصره في عيب، ولا أن تختصر عشرين سنة من الوفاء في زلة، ولا أن تجعل ساعة غضب تمحو ألف موقف إحسان.
ولهذا جاءت القاعدة القرآنية العظيمة: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}. لا تنسوا الفضل حين يحضر الغضب، ولا الجميل حين يظهر القبيح، ولا التاريخ كله من أجل صفحة مؤلمة منه. فالعدل ليس أن تحفظ ما جرحك وتنسى ما جبرك، بل أن تزن الإنسان بميزان لا تطغى فيه ساعة الإساءة على أعوام الإحسان.
ومن أفتك المعاول بالقلوب: المقارنة. حين تقول لابنك: أخوك أفضل منك، فقد لا توقظ فيه الطموح بقدر ما توقظ شعوره بالنقص. وحين يُقال للزوجة: فلانة أجمل أو أحسن منك، أو للرجل: فلان أنجح منك، فإن الرسالة التي تصل إلى القلب كثيرًا ليست: «تقدم»، وإنما: «أنت لا تكفي». والمقارنة ظالمة؛ لأنها تقيس شخصين مختلفين بمسطرة واحدة. وما أجهل من يقف بين وردة وياسمينة، فيلوم الوردة لأنها لا تفوح كالياسمين، ويلوم الياسمين لأنه لا يحمل لون الوردة!
لكل إنسان أبوابه التي يُحسن منها، ومواطن النقص التي يجاهدها؛ وحكمة التربية ليست أن نصنع من أبنائنا نسخًا من غيرهم، بل أن نعين كل واحد منهم ليبلغ أجمل ما يستطيع أن يكونه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» متفق عليه. فالعدل لا يبني سلوك الطفل وحده، بل يبني صورته عن نفسه. وقد ينسى لعبة لم تُشتر له، لكنه قلّ أن ينسى أنه كان الأقل حظًا من الحنان. ومن الخراب الصامت أن تجتمع الأجساد وتفترق الأرواح. لقد قرَّبت التقنية البعيد، لكنها صنعت في بيوت كثيرة بُعدًا من نوع آخر: أب إلى جوار ابنه ولا يراه، وزوجان في مجلس واحد، وكل قلب منهما وراء شاشة وفي عالم آخر. والطفل لا يقيس الأبوة بعدد الساعات التي كان فيها أبوه تحت السقف، بل باللحظات التي شعر فيها أنه حاضر معه حقًا. والزوجة لا يؤنسها جسد قريب إذا كان القلب بعيدًا، والرجل لا يغنيه ازدحام البيت إذا عاد مثقلًا فلم يجد أذنًا تسمع وقلبًا يحتوي. فمن أشد الوحشة أن تكون بين من تحب، ثم لا تجد طريقًا يصل منك إليهم.
ثم يأتي الجفاف العاطفي؛ ذلك الفقر الذي قد يسكن أغنى البيوت. كلمة «شكرًا» لا تُنقص قائلها، لكنها تقول للآخر: أرى ما تصنع. واحتضان طفل لا يحتاج مالًا، لكنه يكتب في قلبه: أنت آمن. والثناء الصادق لا يهدم الهيبة، بل يبني المودة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه». والرفق ليس ضعفًا؛ بل قوة مهذبة. أن تستطيع أن تربي بلا إهانة، وأن تعاتب بلا تجريح، وأن تغضب بلا ظلم؛ تلك قوة أعظم من صوت مرتفع لا يملك صاحبه عند الغضب إلا أن يكسر. وللبيوت حرمة لا تكتمل إلا بالستر.
فليس كل خلاف صالحًا للنشر، ولا كل زلة تحتاج لجمهور، ولا كل كلمة غضب يجوز أن تتحول إلى قصة يتداولها الأقارب والأصدقاء. قد تنتهي الخصومة، ويبقى جرح الفضيحة؛ وقد يتصالح الزوجان، ويبقى كل منهما أسير الصورة التي رسمها الآخر عنه أمام أهله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة» رواه مسلم. والستر ليس تسترًا على ظلم، ولا منعًا من طلب النصح أو دفع الضرر عند الحاجة؛ وإنما هو ألا تجعل ضعف من يحبك مادةً للإذلال، ولا سره ثمنًا تنتصر به في خصومة. فالذي ائتمنك على قلبه لم يأذن لك أن تعرضه على الناس. ومن أسرع ما يحول البيت من سكن إلى محكمة: سوء الظن.
إذا استقر في القلب، صار كل تأخر تهمة، وكل صمت دليلًا، وكل سهو إهمالًا، حتى يعيش الإنسان مع تفسيراته أكثر مما يعيش مع الحقيقة. وقد قال الله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا}.
وليس المطلوب سذاجةً تغفل عن الحقائق، وإنما عدلٌ يمنعنا أن نحاكم من نحب بأوهامنا، وأن نجعل مخاوفنا أدلةً عليهم.
والبيوت لا تحتاج بشرًا بلا أخطاء؛ فهذا ما لا يكون. وإنما تحتاج أناسًا يعرفون كيف يختلفون دون أن يهدموا، وكيف يغضبون دون أن يظلموا، وكيف يعالجون الخطأ دون أن يسحقوا صاحبه. تحتاج رجلًا إذا غضب تذكر أنه يحب، وامرأة إذا عاتبت تذكرت عشرة السنين، وأبًا يرى ابنه قبل أن يرى خطأه، وأمًا لا تجعل تقصيرًا عابرًا يمحو إحسانًا طويلًا.
فالمشكلة ليست أن يقع الخطأ، وإنما أن يتحول الخطأ إلى إهانة، والغضب إلى ظلم، والخلاف إلى حرب. ولهذا مدح الله تعالى {الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه. فقد ينتصر المرء في خصومة ويخسر قلبًا، وقد يمسك عن كلمة يظنها حقًا له فيحفظ بها بيتًا كاملًا. وليس كل انتصار مكسبًا؛ فبعض الانتصارات هزائم مؤجلة. وأما الأطفال، فهم أضعف سكان البيت، وأطولهم حملًا لآثاره. فالطفل لا يستطيع أن يغادر الجو الذي يؤذيه، ولا يملك دائمًا تفسير ما يراه ويسمعه؛ فيختزن في أعماقه ما تعجز طفولته عن فهمه. وقد يكبر وينسى الوقائع، لكنه قلّ أن ينسى الشعور الذي عاش فيه: أكان آمنًا أم خائفًا؟ محبوبًا أم محتقرًا؟ هل كان البيت حضنًا أم ميدانًا للصراخ؟
ولهذا فإن أعظم ما يورثه الأبوان أبناءهما ليس مالًا ولا عقارًا، وإنما الصورة الأولى لمعنى البيت. إما أن يكبر الطفل وهو يعلم أن الحب أمان ورحمة، وإما أن يكبر وهو يظن أن الحب خوف وصراخ ومراقبة. وشتان بين ميراثين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه. فالأبوة ليست نفقة فحسب، والأمومة ليست خدمة فحسب؛ كلاهما بناء إنسان قد يحمل أثر هذا البيت بقية عمره، ثم ينقله -من حيث يشعر أو لا يشعر- إلى بيت آخر. وتأملوا هذا التصوير القرآني البديع للعلاقة الزوجية: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}. وما شأن اللباس؟ يستر، ويدفئ، ويحمي، ويجمّل، ويلاصق الإنسان دون أن يفضحه. فإذا تحولت العلاقة إلى تعرية للعيوب، أو برد في المشاعر، أو خوف في القلوب؛ فقد ضاع من معنى «اللباس» بقدر ما ضاع. يا أيها الأبوان، لا تجعلوا أعظم ميراث أولادكم جدرانًا ومفاتيح. فالدار قد تُباع، والأرض قد تُقسم، والمال قد يذهب، ولكن هناك ميراثًا لا يستطيع أحد انتزاعه منهم: أن يتذكّروا بيتهم فيبتسموا. أن يتذكّر الابن أباه فيشعر بالأمان، وأمه فيشعر بالدفء، وإخوته فيشعر أن له ظهرًا في الدنيا. ذلك ميراث قد يصحب الإنسان خمسين عامًا بعد رحيل أهله.
فاصنعوا لأولادكم بيتًا يبقى في قلوبهم بعد أن يتغير البيت في الأرض. إن البيوت لا تنهدم لأن فيها خلافًا؛ فكل بيت يعرف الخلاف. ولا تنهدم لأن أهلها يخطئون؛ فالخطأ من طبيعة البشر. وإنما يبدأ الهدم حين يفقد أهل البيت أدب الخلاف؛ حين يتحول الغضب إلى إهانة، والعتاب إلى تحقير، والنقص إلى سلاح، والسر إلى فضيحة، والطفل إلى أداة انتقام، والمحبة إلى ذريعة للأذى. أما البيوت التي تعرف كيف تختلف دون أن تهدم، وتعاتب دون أن تجرح، وتغضب دون أن تظلم، فهي البيوت التي تبقى.
ولهذا، لو كُتبت على باب كل بيت وصية واحدة، لما وجدت أجمع من قول الله تعالى:
{وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}.
إذا غضبت فلا تنس الفضل، وإذا أخطأ صاحبك فلا تنس الفضل، وإذا ضاقت نفسك فلا تنس الفضل. وإذا جاءك الغضب يعدّد العيوب، فليكن للعدل في قلبك صوتٌ يعدّد الجميل أيضًا.
ليس لأن الخطأ لا يعالج، ولا لأن الحقوق تضيع باسم التسامح؛ وإنما لأن العدل يأبى أن يُمحى إنسان كامل من أجل خطأ، وأن تُدفن أعوام من الوفاء تحت ساعة من الغضب.
فإذا أردتم أن تعرفوا حقيقة بيوتكم، فلا تسألوا عن مساحتها، ولا أثاثها، ولا أثمانها.
اسألوا الطفل: هل تأمن؟
واسألوا المرأة: هل تُكرم؟
واسألوا الرجل: هل تسكن؟
ثم اسألوا كل قلب في البيت: هل تستطيع أن تكون ضعيفًا هنا دون أن تخشى أن يُستعمل ضعفك ضدك؟
فحيث يأمن الضعف يسكن الحب، وحيث تُستر الزلة يسكن الوفاء، وحيث يسبق العدل الغضب تسكن المروءة، وحيث يجد القلب قلبًا يأوي إليه إذا ضاقت به الدنيا، فهناك البيت؛ وإن لم يكن من البناء إلا غرفة. وهنيئًا لمن لم يترك لأولاده دارًا فحسب، بل ترك في أرواحهم دارًا.
دار الحجر قد يسكنها بعدك غريب، وقد يبيعها وارث، وقد يأتي عليها الزمن فلا يبقى منها شيء؛ أما الدار التي تبنيها في قلب ولدك بكلمة حانية، وعدل رحيم، وستر جميل، وحب لا يبتز، وأمان لا يخون، فتلك دار لا تبلغها معاول الخراب. يحملها الطفل رجلًا، ويحملها الرجل شيخًا، ثم يضع شيئًا من دفئها في قلوب أبنائه؛ وهكذا لا يعود البيت مكانًا عاشت فيه أسرة زمنًا، بل خُلُقًا يتوارثه جيل بعد جيل.
فابنوا بيوتكم من الداخل قبل الخارج، وابنوا في القلوب قبل الجدران؛ واجعلوا الرحمة سقفها، والعدل أساسها، والستر جدارها، والرفق نافذتها، والوفاء بابها، وذكر الله نورها.
فليس البيت الحق حيث نضع أمتعتنا حين نعود؛ البيت حيث نضع قلوبنا.. ولا نخاف عليها.