د. عبدالله علي بانخر
في عصرٍ يتسم بالسيولة الفكرية وتسارع التحولات، وتتداخل فيه المفاهيم الثقافية بشكلٍ يربك العقل المعاصر، يغدو الفكر التأصيلي الرصين ضرورةً حضارية لا ترفًا معرفيًا. فالكتاب الثقافي الملتزم لا يقف عند حدود التدوين، بل يتحول إلى وثيقة مرجعية تعيد ترسيم معالم الذات وتمنح البوصلة اتجاهها الصحيح. وفي هذا السياق الممتد من العطاء، يغمرني الشرف والامتنان للمرة الثانية بلفتةٍ كريمة وكرمٍ فكري متجدد من معالي الأستاذ إياد أمين مدني -حفظه الله-؛ بإهدائي نسخةً مميزة من أحدث إشراقاته الفكرية: كتاب «حكاية سعودية.. قراءات ووقفات بحثًا عن الوعي».
معالي إياد مدني: قامةٌ فكرية ودبلوماسية تعيش الأصالة والمدنية
إن الحديث عن مؤلف هذا السفر الفكري الرصين هو حديثٌ عن قامةٍ استثنائية في المشهد الثقافي والدبلوماسي؛ تجمع بين تجربة رجل الدولة الذي تقلّد مناصب قيادية رفيعة -منها وزيراً للثقافة والإعلام، وأميناً عاماً لمنظمة التعاون الإسلامي- وبين بصيرة المفكر والباحث الملتزم بقضايا أمته وهويته.
لقد كان - ولا يزال وسيظل - «إيادًا» يُستند إليه في رعاية الفكر الراقي ورفع رايته بحكمة وشغف، و«أمينًا» على سبر أغواره وتحليل ظواهره بثقة واقتدار، و«مدنيًا» متجذرًا في أبعد حدود المدنية العالمية ذات الأبعاد المدينية والسعودية والعربية والإسلامية. وسيبقى ويزال إيادًا للفكر المستنير، وأمينًا للتراث المنير، ومدنيًا بروحٍ سعودية عالمية.
لم يكتفِ الأستاذ إياد مدني عبر تاريخه الحافل بالوقوف عند حد الإدارة أو التدوين التقليدي، بل انهمك دوماً في معالجة الأسئلة الكبرى ومساءلة التحولات الثقافية بوعي نافذ. وهو في كتاباته يصوغ رؤيةً حضارية متكاملة تجمع بين أصالة الجذور وثباتها، وبين الانفتاح الواعي على العالم ومستجداته، ليكون بحق قادح زناد هذا الفكر ومنبعه الأصلي.
النسخة الإنجليزية الأولى: مخاطبة العالم بلسانه وفكره
بدأت رحلة هذه الوثيقة التاريخية بصدور طبعتها الأولى باللغة الإنجليزية تحت عنوان (A Saudi Tale: Readings And Encounters In Search For Consciousness)، في خطوةٍ استراتيجية حكيمة استهدفت مخاطبة القارئ العالمي بأكثر لغاته انتشارًا وتأثيرًا. لقد جاءت هذه النسخة لتملأ فراغًا معرفيًا وثقافيًا طالما عانت منه المكتبة الدولية، حيث قدّمت السردية السعودية الحقيقية برؤية عقلٍ سعودي خبر أدبيات الخطاب العالمي ومحافله الدولية.
ولم تكن تلك الطبعة الإنجليزية مجرد كتابٍ يُضاف إلى رفوف المكتبات، بل كانت بمثابة الجسر الحضاري الناقل للصورة الحقيقية العميقة عن الإنسان السعودي وتاريخه وقيمه المتجذرة. لقد استطاع المفكر إياد مدني في هذه النسخة تفكيك النمطية وتجاوز القراءات السطحية التي كُتبت عن المملكة لسنواتٍ طويلة، مقدماً طروحاً فلسفية وثقافية أثارت اهتمام القراء والنقاد الغربيين المهتمين بدراسات الهوية والثقافة الشرق أوسطية، ومبرهنةً على أن الثقافة السعودية تتكئ على إرث إنساني شامل قادر على مخاطبة العالم بكفاءة واقتدار.
قراءاتٌ في فصول الكتاب: تفكيك الجغرافيا وسبر أغوار التاريخ
حين نبحر في فصول الكتاب، نجد أن معالي الأستاذ إياد مدني يقسم طروحاته إلى محاور مفصلية تشكل في مجموعها البناء الهيكلي للوعي الوطني. يبدأ الكتاب بـ«المحور الجغرافي والبيئي»، حيث لا يرى المؤلف الجغرافيا مجرد تضاريس صامتة أو رمال ممتدة، بل يراها فضاءً حيوياً صاغ الشخصية السعودية ومنحها صفات الجلد، والصبر، والقدرة على التكيف الحضاري. إنها الجغرافيا التي احتضنت الحرمين الشريفين، لتتحول من مجرد فضاء مكاني إلى مركز ثقل روحي كوني يربط الداخل السعودي بالعالم الخارجي في وشيجة يومية مستمرة.
ثم ينتقل بنا معاليه إلى «المحور الاجتماعي والتاريخي»، مفككاً النظرة التقليدية التي اختزلت المجتمع في قوالب نمطية معينة. يسلط الكتاب الضوء على التعددية الثقافية داخل الإطار الوطني الواحد، معتبراً إياهاً مصدر ثراء وقوة لا عامل تفرقة. يستعرض المؤلف حكايات المدن والقرى والبوادي، وكيف تلاحمت هذه المكونات لتصنع نسيجاً اجتماعياً فريداً تمكن من بناء دولة حديثة قوية دون أن يفقد هويته وخصوصيته الثقافية.
وفي «المحور الفكري والسياسي»، يناقش معاليه دور المملكة في المنظومة الدولية، مستنداً إلى تجربته الدبلوماسية الطويلة. يطرح الكتاب قراءات نقدية للخطاب الغربي تجاه الشرق، ويكشف كيف استطاعت السياسة السعودية، المدعومة برؤية فكرية ناضجة، أن تحافظ على استقلال قرارها وتبني شراكات استراتيجية متكافئة، متجاوزة الضغوط والتحولات الفكرية والسياسية التي عصفت بالمنطقة.
وقفاتٌ بحثاً عن الوعي: مواجهة التحولات والأسئلة الكبرى
إن الجزء المخصص لـ«الوقفات» في الكتاب يمثل ذروة التجلي الفكري عند الأستاذ إياد مدني. فهو لا يقدم إجابات جاهزة، بل يطرح الأسئلة الكبرى التي تسكن أعماق المثقف المعاصر ومواجهته الحتمية لتيارات العصر ونقاشاته الحادة حول الهيمنة الحضارية، حيث يتساءل معاليه بوعي المفكر في الفصل التاسع متدبراً مأزق الاستتباع الثقافي:
«هل بوسع المنتمين إلى العالم خارج الغرب، أن ينسجوا صيغة تجمع بين هويتهم وثقافتهم ومجموعه قيمهم، وفهمهم الخاص للتاريخ – وبين السردية الغربية المهيمنة، التي يقوم اقتصادها على الرأسمالية، وتستند سياستها إلى الليبرالية، وتؤسس مجتمعها على فردانية لها قرار الأخلاق وبها يتحقق التقدم؟»
هذا السؤال الجوهري يتبعه الكاتب بإقرار منهجي صارم في الفصل الحادي عشر، مؤكداً أن الاستفاقة المعرفية الحقة لا تركن للمسلمات، بل تتطلب مكاشفة حقيقية وشجاعة معرفية مبيناً أنه:
«كان لا بد له من مواجهة تساؤلات وافتراضات أساسية تتخطى القناعات الساكنة القابعة في داخله.»
ومن رحم هذه الوقفات وتلك التساؤلات، يضعنا الأستاذ إياد مدني أمام تفكيك واعٍ للدوائر المتداخلة التي تؤثث الذات وتصنع فرادتها الخصوصية. ففي الفصل العاشر، يصف المؤلف بدقة فلسفية بالغة وعورة الطريق نحو كشف جوهر الانتماء الوطني والعروبي والديني، قائلاً:
«غير أنه كلما أمعن في التنقيب وسبر الأعماق بحثاً عن جوهر إيماني يتشبث به، ويعلنه بديلاً يتبناه، ازداد الطريق وعورة، ولا سيما حين امتد به العمر ليبلغ أخي دوائره: أن يكون عربياً – فأي عربي؟ وكونه مسلماً – أهو مسلم تقدمي، أم مسلم تقليدي؟ أم هو مسلم فحسب؟ وما الذي يميز هويته كسعودي عن كونه عربياً ومسلماً؟»
الوعي عند معاليه بناءً على هذه الرؤية هو «موقف نقدي مستنير» يفرز الغث من السمين، ويجعل من الهوية الوطنية قاعدة انطلاق نحو العالمية لا سياجاً يمنع التواصل معها. كما تشكل «أنسنة التنمية» وقفة هامة في الكتاب، حيث يركز على أن بناء الإنسان وتطوير وعيه المعرفي والأخلاقي هو الهدف الأسمى لأي نهضة حضارية مستدامة.
النسخة العربية الحديثة: عودة إلى الذات وتأصيل الوعي الوطني
وبعد أن أدت الطبعة الإنجليزية رسالتها في التوجه للآخر وبناء الخطاب الثقافي العابر للحدود، جاء المولد الثاني لهذه الوثيقة التاريخية بصدور طبعتها العربية الحديثة؛ لتشكل عودةً حميدة لقراءة الذات بلغتنا العربية الأليفة وفي محيطنا الثقافي الأصيل. لم تأتِ هذه النسخة كمجرد نقلٍ لساني للكلمات، بل جاءت بمثابة إعادة اكتشاف للسردية الوطنية وتعميق لمعانيها.
يتناول الكتاب بأسلوبٍ تحليلي وتأملي طبقات الهوية الوطنية ومنابع الوعي المتعددة، متعمقًا في استكشاف الأسئلة الكبرى التي تسكن الأعماق حول التاريخ، والجغرافيا، والاجتماع البشري. إن «حكاية سعودية» في نسختها العربية تعيد ربط الحاضر بالماضي، وتبرز كيف تشكلت المبادئ والقيم السعودية كطوق نجاة وركيزة استقرار للإنسان في عالمٍ يموج بالاضطرابات وتتداخل فيه الرؤى والاتجاهات.
أ. د. وليد العمري: صائغ الجواهر اللفظية ومبدع الترجمة
ولم يكن لهذه الوثيقة أن تتبدى في أبهى صورها البلاغية باللغة العربية لولا الفكر النير والقدرة الفذة لمترجمها، الأستاذ الدكتور وليد بن بليش العمري. يُعد الدكتور العمري قامةً أكاديمية وسامقاً لغوياً يمتلك أدوات اللسانيات المزدوجة بمهارةٍ فائقة، حيث وُفق في أن يكون صائغاً حقيقياً للجواهر اللفظية ومترجماً يبث الروح في النص.
لقد نقل الدكتور العمري الأبعاد الفلسفية والدلالات الفكرية العميقة التي أودعها المؤلف في النص الأصلي بدقةٍ متناهية، مكرساً قدرته على اختيار المفردات العربية الأصيلة والصياغات اللغوية الرصينة. ولم يقف جهده عند حدود الترجمة الحرفية، بل أعاد صياغة المعنى ببيانٍ عربي مشرق تجلى فيه جمر المعنى ووهج المضمون، حتى ليخيل للقارئ أن النص قد كُتب بالعربية في أصله ونشأته.
القراءات النقدية والأثر الثقافي الممتد
لقد حظي كلا الإصدارين -البيان الأصلي بترجمته العربية وجوهره الإنجليزي- باهتمامٍ بالغ وقراءاتٍ نقادية متعمقة في الأوساط الثقافية والإعلامية. وقد أجمع النُقّاد والمهتمون على أن هذا العمل يمثل وثيقةً تاريخية وفكرية بالغة التأثير والأثر، لما يحتويه من جرأةٍ في الطرح وعمقٍ في التأمل وموضوعيةٍ في التحليل.
وكما وصفها قادح زناد هذا الفكر ومنبعه الأصلي، معالي الأستاذ إياد مدني، فإن الكتاب يمثل:
«جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي ومجاريه، ورحلة استكشاف لطبقات الهوية والأسئلة الكبرى التي تسكن الأعماق»
ختاماً، لا يسعني إلا تقديم وافر الشكر والتقدير والامتنان لمعالي الأستاذ إياد أمين مدني على إهدائه المقدر وفعله الحضاري المستمر، وللأستاذ الدكتور وليد العمري على جهده المتميز في إثراء المكتبة العربية. وللمشهد الثقافي والمكتبة الوطنية كل الاعتزاز بهذا المنجز الاستثنائي الذي يضيء دروب الوعي ويحفظ تفاصيل حكايتنا السعودية المجيدة.