حذامي محجوب
ليس من صناعة لغوية، للتعبير عن ذواتنا، عن إنسانيتنا، عن أحلامنا التائهة.. أفضل من الشعر.
هناك شعراء لا يُمحَون من ذاكرة الشعوب، بل إن وجودهم هو حياتهم، وهم الصورة العميقة لروح مجتمعاتهم، تختبئ في كلماتهم ملامح أوطانهم، وتنبض في قصائدهم أحلام الناس وأوجاعهم، وتتكئ على حروفهم ذاكرة أجيال كاملة.
هؤلاء لا يرحلون كما يرحل الآخرون، لأن الموت، حين يطرق أبوابهم، لا يجد سوى أجسادهم، أما أرواحهم فتكون قد اتخذت لها مكانا في اللغة، واستقرت في وجدان الناس، وصارت جزءًا من حكاية لا تنتهي.
إنهم أولئك الذين يعبرون الحياة على عجل، لكنهم يتركون فيها ما يكفي من الضوء لكي تهتدي به أجيال لم تر وجوههم، ولم تسمع أصواتهم، ولم تعرف شيئًا عن تفاصيل أيامهم، لكنها تشعر، كلما قرأتهم، بأنها تعرفهم منذ زمن بعيد.
ومن هؤلاء أبو القاسم الشابي، شاعر تونس الخضراء، الذي غادر الحياة في ربيع عمره، لكنه ترك للزمن قصيدة لا تشيخ، وللوطن صوتا لا يخفت، وللإنسانية نافذة تطل منها على أكثر أسئلتها إلحاحا: الحياة والحرية والحب والموت، وحاجة الإنسان إلى أن يكون أكثر من مجرد عابر في عالم لا يتوقف عن العبور.
في التاسع من أكتوبر، ذكرى رحيله، لا نستعيد الشابي لنحصي السنوات التي تفصلنا عنه، ولا لنضع اسمه في سجل الشعراء الذين أنجبتهم تونس ثم ودّعتهم، بل لنقترب من ذلك السر الذي يجعل شاعرا عاش خمسة وعشرين عاماً فقط قادراً على أن يظل حاضرا بعد عقود طويلة، وأن تتردد أبياته على شفاه أناس لم يولدوا إلا بعد رحيله بزمن بعيد. كيف استطاع هذا الشاب الذي كان يعدّ أيامه في مواجهة المرض أن يكتب للحياة كل ذلك الحب؟، وكيف استطاع، وهو الذي كان يعرف هشاشة الجسد وقسوة المصير، أن يمنح الإرادة الإنسانية كل هذه القوة، وأن يترك في اللغة العربية صوتا يبدو كأنه وُلد ليقول للإنسان: لا تستسلم، فما زال في الحياة متّسع للحلم، ومازال في روحك ما يستحق أن تقاتل من أجله؟
لعل الإجابة لا تكمن في عدد القصائد التي كتبها، ولا في الشهرة التي نالها بعد رحيله، وإنما في تلك المسافة العجيبة بين عمره القصير وأفقه الواسع.
فقد عاش الشابي عمرا قصيرا، لكنه أحسّ كثيرًا، وتألم مبكرا، لكنه لم يسمح للألم أن يختصر نظرته إلى العالم، وواجه فكرة الموت وهو لا يزال في مقتبل الشباب، لكنه ظل يكتب كأن الحياة حديقة واسعة تستحق أن يفتح الإنسان أبوابها، وأن يتأمل أزهارها، وأن يدافع عن حقه في أن يراها مزهرة.
وُلد أبو القاسم الشابي في الرابع والعشرين من فبراير سنة 1909، في مدينة توزر، تلك المدينة الجنوبية التي تختزن في نخيلها وواحاتها وامتداد صحرائها سحرا خاصا، حيث تبدو الطبيعة أحيانا كأنها قصيدة كتبتها الشمس على صفحة الأرض.
هناك، في الجنوب التونسي، بدأت حكايته مع المكان، ومع الضوء، ومع اللغة التي ستصبح فيما بعد وطنه الأوسع.
ولم يكن انتماؤه إلى تونس مجرد واقعة في سيرة شاعر، بل كان جزءًا من تكوين رؤيته للعالم، فقد حمل في حساسيته شيئًا من صفاء الواحات، وفي خياله شيئًا من اتساع الأفق، وفي روحه ذلك التوتر الجميل بين سكون الطبيعة وعنفوان الحياة.
نشأ في أسرة متعلمة، وكان والده، الشيخ محمد الشابي، قاضيا، فتفتحت أمامه أبواب المعرفة والتراث، وتدرج في تعليمه حتى درس الحقوق في تونس.
غير أن الشهادة التي حصل عليها لم تكن لتحدد طبيعة روحه، ولم يكن الطريق الذي رسمته الدراسة كافيًا لاستيعاب الأسئلة التي كانت تتكاثر في داخله.
فقد كان الشابي، قبل أن يكون صاحب ديوان، إنسانا يفتش عن معنى الوجود، ويتأمل مصير الفرد في مجتمع تحاصره القيود، ويتطلع إلى عالم يستطيع فيه القلب أن يقول ما يشعر به، والعقل أن يسأل عمّا يراه، والإنسان أن يختار حياته بدل أن يقضيها مستسلما لما فُرض عليه.
وكانت تونس في تلك السنوات تعيش تحت الاستعمار الفرنسي، مثقلة بتناقضات زمنها، تبحث عن طريق إلى الحرية، وتخوض نخبها الفكرية والثقافية معركة الوعي قبل أن تبلغ معركة التحرر مداها.
ولم يكن الشابي بعيدًا عن ذلك المناخ، لكنه لم يرد أن يجعل القصيدة منشورا سياسيا عابرا، ولا أن يحصر الشعر في حدود المناسبة والحدث.
لقد أراد للكلمة أن تنفذ إلى ما وراء الوقائع، إلى ذلك المكان العميق الذي تتشكل فيه إرادة الشعوب، وإلى تلك المنطقة الخفية التي يبدأ فيها تحرر الإنسان من داخله قبل أن يترجم موقفه إلى فعل في العالم.
ولذلك، فإن قراءة الشابي لا تكتمل إذا رأيناه شاعرا وطنيا فحسب، على أهمية هذا الجانب في تجربته، أو إذا اختصرناه في البيت الذي صار شعارا للثورات والتحولات.
لقد كان شاعرا للإنسان في ضعفه وقوته، في شوقه وخيبته، في وحدته ورغبته في الانتماء، وكان يرى في الحرية أكثر من مطلب سياسي، كان يراها شرطًا من شروط اكتمال الروح، وضرورة لكي يستطيع الإنسان أن يعيش من دون أن يخون طبيعته، أو يطفئ صوته، أو يتصالح مع العجز حتى يصبح العجز جزءًا من هويته.
لكن الحياة لم تمنح هذا الشاعر الشاب جسدا مطمئنا، ولا زمنا واسعا يتيح له أن يمضي في تجربته كما يشاء.
فقد رافقه مرض القلب، وظل الموت يلوح في أفقه منذ سنوات مبكرة، كضيف ثقيل يعرف طريقه إلى البيت، حتى حين يحاول أهله وأحباؤه إقناعه بأنه ما زال بعيدا.
ولعل هذه المواجهة المبكرة مع هشاشة الوجود هي التي منحت شعره ذلك التوهج الخاص، فقد كان يرى الحياة من عينين تعرفان قيمتها لأنهما تعرفان احتمال فقدانها، وكان يكتب عن الجمال بقلب يعرف أن الجمال عابر، وعن الحب بروح تدرك أن اللقاء قد لا يطول، وعن المستقبل فيما كان الحاضر نفسه يطالبه بأن يختصر أحلامه.
كم يبدو مؤلما أن يكون شاعر الحياة رجلا يعرف أن حياته قد لا تطول!
وكم يبدو مدهشا أن يستطيع إنسان يواجه المرض أن يكتب بهذه الثقة عن الانبعاث، وأن يمدّ يده إلى المستقبل، لا كمن يملك ضماناته، بل كمن يرفض أن يمنح الخوف حق التصرف في أحلامه.
لقد كان الشابي يعرف، على نحو شخصي وقاس، أن الإرادة لا تلغي الألم، وأن الرغبة في الحياة لا تمنع الموت، لكنه كان يعرف أيضا أن الإنسان يستطيع أن ينتصر في مكان آخر، في المعنى الذي يتركه، وفي الأثر الذي يصنعه، وفي قدرته على أن يحوّل ما عاشه إلى نور يستفيد منه الآخرون.
ومن هنا، لم يكن شعره إنكارًا للمأساة، بل مقاومة لأن تتحول المأساة إلى تعريف نهائي للحياة.
لم يكن يكتب لأنه لا يعرف الحزن، بل لأنه عرفه. ولم يكن يغني للحرية لأنه عاش في عالم خال من القيود، بل لأنه شعر بثقلها. ولم يكن يفتش عن الجمال لأنه لم ير القبح، بل لأنه أدرك أن الجمال قد يكون إحدى الوسائل التي يحمي بها الإنسان روحه من قسوة العالم.
ولعل الطبيعة كانت الملاذ الأجمل الذي احتمى به الشابي من قسوة الواقع، لا لأنه أراد الهرب من الحياة، بل لأنه أراد أن يراها في صورتها الأكثر صفاء.
كانت الأشجار في وجدانه أكثر من مجرد أشجار، كانت حياة وظلالا وذاكرة تنبض بالجمال.
والزهور أكثر من ألوان، والليل أكثر من عتمة، والفجر أكثر من لحظة ينسحب فيها الظلام.
كان يرى في الطبيعة روحا أخرى للحياة، ويسمع في صمتها ما لا تقوله الضوضاء، ويجد في تغير فصولها ما يشبه حكاية الإنسان، يولد ويحلم ويزهر، ثم يواجه الذبول، من دون أن يفقد العالم قدرته على التجدد.
لقد كانت الطبيعة في شعره كائنا حيا يشاركه الحزن والفرح، وتستجيب لانفعالاته، وتمنحه لغة يعبّر بها عن تلك المشاعر التي تضيق بها العبارة المباشرة. فإذا اشتد عليه الألم، اتسع في خياله الأفق، وإذا اثقلته القيود، فتحت له الريح أبواب الحرية، وإذا ضاقت به الحياة، وجد في الربيع وعدا بأن وراء الشتاء إمكانا آخر للانبعاث.
وهكذا امتزجت الذات بالكون، وأصبح العالم الخارجي مرآة لعالمه الداخلي، وصارت القصيدة رحلة بين ما تراه العين وما تحسّه الروح.
وليس من المصادفة أن يظل شعر الشابي قريبا من النفوس، فهو لا يخاطب العقل وحده، ولا يكتفي بإثارة الحماسة، وإنما يلمس ذلك الجزء الحميم من الإنسان الذي يحتاج إلى أن يشعر بأن وجوده ليس عبثا، وأن ألمه ليس نهاية الحكاية، وأن ما يراه مستحيلا اليوم قد يصبح ممكنا غدا إذا امتلك الشجاعة كي يبدأ.
كان الشابي رومانسيا في نظرته إلى الطبيعة والحب والذات، لكنه لم يكن شاعر أحلام معلقة في الهواء.
ففي قلب رومانسيته كانت تسكن ثورة، وفي رقة لغته كان يتقد عناد، وفي انحيازه إلى الجمال كان يختبئ رفض عميق لكل ما يشوّه الحياة أو يحاصر الإنسان.
لقد كان يريد عالما أكثر رحمة، وأكثر صدقا، وأكثر اتساعا لحرية الروح، عالما لا يضطر فيه الإنسان إلى أن يتخلى عن أحلامه كي يجد لنفسه مكانا بين الآخرين.
ومن أجمل ما في تجربة الشابي أن هذه الرغبة لم تنفصل عن أسئلته الفكرية.
فهو لم يكن شاعراً يكتفي بأن يسكب عاطفته على الورق، بل كان مثقفا يتأمل الشعر، ويناقش قضاياه، ويبحث عن أسباب جمود بعض أشكاله، وعن إمكانات تجديده.
وفي محاضرته «الخيال الشعري عند العرب»، التي ألقاها سنة 1929، ظهرت ملامح عقل لا يخشى مساءلة المألوف، ولا يرى في التراث بابا مغلقا، بل عالما يستحق القراءة والنقد وإعادة الاكتشاف.
لقد كان يريد للشعر أن يستعيد صلته بالحياة، وأن يكون تعبيرا عن تجربة حقيقية، لا مجرد براعة في ترتيب الألفاظ.
فالقصيدة، في نظره، لا تصبح عظيمة لأن كلماتها فصيحة فحسب، بل لأنها تحمل رؤية، وتكشف شيئًا من أسرار النفس، وتمنح القارئ إحساسا بأنه رأى العالم من نافذة جديدة.
وحين يكتب الشاعر عن الحب، لا تكفيه استعارة جميلة إذا لم يكن وراءها إحساس صادق، وحين يكتب عن الحرية، لا تنقذه قوة العبارة إن كانت روحه قد استسلمت للقيود، وحين يتغنى بالحياة، لا تصبح قصيدته حيّة إلا إذا استطاعت أن تجعل القارئ يشعر بقيمة الحياة من جديد.
لهذا ظل الشابي، رغم قصر تجربته، حاضرا في تاريخ التجديد الشعري العربي.
فقد جاء في مرحلة كانت القصيدة العربية فيها تبحث عن توازن جديد بين الموروث والذات، بين عمود الشعر وإيقاع العصر، بين اللغة التي ورثها الشاعر والتجربة التي يريد أن يعبر عنها.
لم يكن الشابي وحده في هذا المسار، لكنه امتلك نبرة خاصة، تجمع بين الانفعال العميق والخيال الواسع، وبين الموسيقى الشعرية والاحتجاج على واقع لا ينسجم مع تطلعات الروح.
ثم جاءت «إرادة الحياة»، القصيدة التي تجاوزت حدود الديوان لتصبح جزءًا من ذاكرة العرب، وتحوّل مطلعها إلى صوت تتردد أصداؤه كلما ضاقت الطرق أمام شعب، أو نهض إنسان من خيبته، أو بحثت أمة عن كلمات تعبّر بها عن توقها إلى التغيير.
«إذا الشعب يومًا أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر»
كم من مرة قيل هذا البيت في لحظة أمل، وكم من مرة ارتفع في الشوارع والساحات، وكم من إنسان وجد فيه ما يشبه يده الممدودة إلى مستقبل لم تتضح ملامحه بعد!
لقد تجاوز البيت سياقه الأول، وصار جزءًا من الوجدان العربي، كما استقر في النشيد الوطني التونسي، ليصبح الشعر هنا أكثر من نص أدبي، يصبح صوتا وطنيا، وذاكرة مشتركة، وعلامة من علامات الهوية.
لكن ما يمنح هذه الكلمات خلودها ليس إيقاعها وحده، ولا سهولة حفظها وترديدها، وإنما قدرتها على أن توقظ في الإنسان إحساسا بأنه ليس محكوما بالعجز إلى الأبد. فالشابي لم يمنح الشعوب وصفةً جاهزة لتغيير التاريخ، ولم يقل إن الطريق إلى الحرية يخلو من الخسائر، لكنه وضع الإرادة في مواجهة الاستسلام، وجعل من الأمل موقفا في الحياة، لا مجرد أمنية جميلة.