«الجزيرة» - أحمد الأسمري:
أكدت الأمينة العامة للاتحاد الدولي للاتصالات دورين بوغدان-مارتن أن المملكة العربية السعودية تتمتع بمكانة متميزة تمكنها من ترجمة التزاماتها وقدراتها إلى فرص حقيقية على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، مشيرةً إلى أن المملكة حققت تقدماً كبيراً وملحوظاً في مجالات الاتصال والبنية التحتية الرقمية وتنمية المهارات والتكنولوجيات الناشئة.
وقالت بوغدان-مارتن في تصريحات خاصة لـ«الجزيرة» إن المملكة، من خلال مشاركة الخبرات والعمل عبر الشراكات الإقليمية والدولية، يمكنها الإسهام بفاعلية في دفع مستقبل رقمي أكثر شمولاً وترابطاً ومسؤولية.
وأوضحت أن التزام المملكة بالتحول الرقمي يتجلى في تصنيفها ضمن مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الصادر عن الاتحاد لعام 2025، إلى جانب حصولها على تصنيف الفئة الأولى (Tier 1) في المؤشر العالمي للأمن السيبراني لعام 2024، فيما يضيف قطاع الفضاء السعودي المتنامي، بما يشمله من تطوير للأقمار الصناعية وتشغيلها وأبحاث فضائية، بعداً حيوياً إضافياً لهذا التقدم.
وأضافت أن الاستراتيجية الوطنية للمملكة تضع الذكاء الاصطناعي في صميم عملية التحول الاقتصادي، باستثمارات تشمل مراكز البيانات والبنية التحتية والبحث العلمي والمهارات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وقالت إن تأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» وفر قدرات مؤسسية وطنية متخصصة ومكرسة للبيانات والذكاء الاصطناعي.
ولفتت أول امرأة تقود الاتحاد الدولي للاتصالات الذي تأسس عام 1865، إلى أن المملكة دعمت، عبر «سدايا»، المنظمة الدولية في تطوير «إطار الجاهزية للذكاء الاصطناعي»، المصمم لمساعدة الدول على تقييم مدى استعدادها لاعتماد هذه التقنيات ودمجها.
الاتصال والفضاء في الرياض
تأتي تصريحات بوغدان-مارتن قبيل «الحدث العالمي للاتصال والاستدامة الفضائية»، الذي تستضيفه الرياض ابتداءً منذ يوم أمس الاثنين ولمدة ثلاثة أيام، وتنظمه هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية بالشراكة مع الاتحاد الدولي للاتصالات، برعاية وزير الاتصالات وتقنية المعلومات رئيس مجلس إدارة الهيئة المهندس عبدالله بن عامر السواحه، تحت شعار «عالم متصل وفضاء مستدام».
يجمع الحدث المنتدى الدولي للشبكات غير الأرضية ومنتدى استدامة الفضاء، تحت مظلة واحدة للمرة الأولى، لمناقشة مستقبل الاتصالات الفضائية واستدامة الفضاء والاستخدام المسؤول لموارده، بمشاركة مسؤولين وخبراء وقادة في قطاعي الاتصالات والفضاء.
وستكون بوغدان-مارتن من أبرز المتحدثين، إلى جانب محافظ هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية المهندس هيثم العوهلي.
وفي حديثها عن فعالية الرياض، قالت الأمينة العامة: إن الحدث يجمع بين مسألتين أصبح من الضروري تناولهما بصورة متكاملة: توسيع نطاق التوصيلية القائمة على الفضاء، وضمان الاستدامة طويلة الأجل للأنظمة والموارد التي تجعل ذلك ممكناً.
وأوضحت أن التقنيات الساتلية (عبر الأقمار الصناعية) توفر إمكانية مد الخدمات إلى المجتمعات النائية والمعزولة، وتعزيز صمود الشبكات ومرونتها ودعم جهود التنمية، لكنها أشارت في المقابل إلى أن الكوكبات الساتلية (مجموعات الأقمار الصناعية) الأكبر حجماً تفرض طلباً متزايداً على موارد الطيف الترددي المحدودة بطبيعتها، ما يزيد من تعقيد متطلبات التنسيق الدولي.
وأضافت أن الهدف المنشود هو جمع الحكومات والجهات التنظيمية والمشغلين وممثلي الصناعة والباحثين والمنظمات الدولية لتحقيق هذا التوازن؛ بما يساعد المزيد من الدول على تسخير تكنولوجيات الفضاء، مع إدارة الموارد المدارية وموارد الطيف بمسؤولية تضمن بقاءها متاحة وقابلة للاستخدام على المدى الطويل.
التوترات ومتانة الشبكات
عن تأثير التوترات الجيوسياسية وتزايد القلق بشأن صمود البنية التحتية الحيوية للاتصالات، قالت بوغدان-مارتن إن اعتماد المجتمعات المتزايد على البنية التحتية الرقمية يجلب فوائد هائلة، لكنه قد يولد أيضاً نقاط ضعف وهشاشة.
وأوضحت أن الكابلات البحرية، إلى جانب الشبكات الأرضية والأقمار الصناعية ومراكز البيانات والأنظمة الحيوية الأخرى، تدعم الخدمات الأساسية عبر الاقتصادات والمجتمعات، وأن أي انقطاع أو تعطل قد يخلف عواقب تتجاوز الخلل الأولي، مع احتمال امتداد الأعطال بصورة متتالية وتراكمية عبر البنى التحتية والقطاعات والحدود.
وشددت على أن تعزيز الصمود يبدأ باستباق المخاطر والتنبؤ بها، بدلاً من الاكتفاء برد الفعل بعد وقوع الانقطاع، داعيةً الدول إلى فهم أوجه اعتمادها ونقاط ضعفها الحيوية، وتعزيز خطط الطوارئ والبدائل، ودمج المخاطر الرقمية ضمن خطط الاستعداد الشاملة وإدارة مخاطر الكوارث.
وأكدت أن الأمر يتطلب أيضاً تعاوناً وثيقاً بين الحكومات ومشغلي البنية التحتية وسائر الأطراف المعنية، نظراً إلى أن الشبكات والخدمات التي يعتمد عليها العالم تتجاوز في كثير من الأحيان القطاعات والحدود الوطنية.
ومع توسع شبكات الاتصال إلى الفضاء الخارجي، قالت بوغدان-مارتن إن الصمود والمرونة يتطلبان اهتماماً وثيقاً بأنظمة الأقمار الصناعية وموارد الطيف الترددي التي باتت الاتصالات تعتمد عليها بصورة متزايدة.
وأوضحت أن الأقمار الصناعية يمكنها المساعدة في الحفاظ على استمرارية الاتصالات عند تعطل البنية التحتية الأرضية، غير أن الاعتماد المتزايد على الفضاء يفرض مسؤوليات جديدة، لافتةً إلى أن استدامة الفضاء لها بعدان؛ أحدهما فيزيائي يتعلق بالبيئة المدارية، والآخر راديوي يتعلق ببيئة الترددات التي يعتمد عليها كل قمر صناعي.
وقالت إن هذه التطورات تمنح «الحدث العالمي للاتصال والاستدامة الفضائية» في الرياض أهمية خاصة وتوقيتاً مناسباً للغاية.
وأكدت الأمينة العامة أن القدرة على الصمود ينبغي التعامل معها «كمتطلب أساسي وجوهري لعالم متزايد الترابط»، مشيرةً إلى أن هذا التوجه ظهر في نتائج منتدى سياسات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات العالمي الأخير في جزر الباهاماس، وسيشكل محوراً للنقاشات في مؤتمر المندوبين المفوضين للاتحاد في نوفمبر المقبل، وكذلك في اجتماعات الرياض.
وأضافت: «إننا لا نستطيع منع كافة الأعطال أو الاضطرابات المحتملة، ولكننا بحاجة قطعية إلى شبكات مهيأة لتحمل الصدمات، والحفاظ على الخدمات الحيوية، والتعافي بكفاءة وسرعة عند حدوث أي انقطاع».
تطورات الذكاء الاصطناعي
عن التسارع الكبير في تطور الذكاء الاصطناعي، قالت بوغدان-مارتن إن وتيرة التطور «استثنائية للغاية»، مؤكدةً أنها لا ترى الابتكار التكنولوجي والحوكمة هدفين متنافسين، وأن التحدي يكمن في بناء الثقة مع الحفاظ على زخم الابتكار وضمان توظيفه لخدمة المجتمعات في كل مكان.
وأضافت أن المطلوب هو الانتقال من مرحلة المبادئ إلى التنفيذ العملي، عبر وضع المعايير وإجراء الاختبارات وإنشاء آليات للمساءلة قادرة على جعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً وشفافية وموثوقية، ونوهت بأن معايير الاتحاد تساعد على ترجمة الأهداف والسياسات إلى حلول قابلة للتطبيق الفعلي.
وأكدت أن الذكاء الاصطناعي بطبيعته عابر للحدود، ولا تستطيع دولة أو شركة أو منظمة التعامل بمفردها مع فرصه ومخاطره، مشددةً على أن التعاون الدولي ينبغي أن يشمل البلدان النامية منذ البداية، لا بعد تحديد المسارات والتوجهات مسبقاً.
وأشارت إلى أن الاتحاد أطلق في عام 2017 مبادرة «الذكاء الاصطناعي من أجل المصلحة العامة» للتركيز على تسخير الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسانية بصورة مسؤولة.
وأضافت أن القمة العالمية للذكاء الاصطناعي من أجل المصلحة العامة عقدت هذا العام بالتزامن مع أول حوار عالمي مفوض من الأمم المتحدة بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، وبمساندة جهود الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي ومنتدى القمة العالمية لمجتمع المعلومات، موضحةً أن هذه المحافل جمعت نقاشات حول السياسات والابتكار والتنمية الرقمية، وعززت أهمية توجيه الذكاء الاصطناعي نحو الشمول الرقمي والتنمية الشاملة.
كما تحدثت عن إطلاق «اللجنة العالمية للذكاء الاصطناعي من أجل المصلحة العامة»، التي تجمع قادة من الصناعة والحكومات والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني، بهدف تسريع الحلول العملية وتعزيز التعاون الدولي وضمان وصول ثمار الذكاء الاصطناعي إلى الجميع.
وقالت بوغدان-مارتن إن عناصر هذا المسار «تكتمل وتتلاقى الآن»، وإن الأولوية تتمثل في جعلها عملية وشاملة للجميع وقادرة على مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة.