د. سطام بن عبدالله آل سعد
جاء الموقف السعودي أمام مجلس الأمن الدولي واضحًا وحاسمًا، مؤكدًا الحق الأصيل للمملكة في الدفاع عن أراضيها ومقدراتها وردع الاعتداءات الحوثية الإرهابية. وهو حق سيادي تكفله المواثيق الدولية، وتفرضه مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها وأمنها واستقرارها. وقد قدمت المملكة مبادرات السلام، ودعمت الشعب اليمني سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا، وسعت إلى إنهاء الأزمة بالحلول السياسية، في وقت استمرت فيه الميليشيات الحوثية باستخدام السلاح لفرض إرادتها وتهديد جيرانها.
إن مواجهة التهديد الحوثي يجب أن تكون هدفًا استراتيجيًا عسكرياً لدول المنطقة والمجتمع الدولي. فهذه الميليشيات، المدعومة من إيران، هي الخطر المباشر على أمن المملكة ودول الخليج والمنطقة، وتهدد اعتداءاتها سلامة المدنيين والمنشآت الحيوية والملاحة الدولية. وقد كشفت الهجمات على المنشآت المدنية واستهداف مكة المكرمة خطورة هذا المشروع الإرهابي، مما يستوجب قطع مصادر تمويل الميليشيات وتسليحها، ومحاسبة الجهات التي يثبت تورطها في تسهيل تهريب الأسلحة والصواريخ والمعدات العسكرية إليها عبر المنافذ البرية والموانئ البحرية، والعمل على تمكين الحكومة اليمنية الشرعية من بسط سلطتها على كامل أراضي البلاد.
إن أمن الجزيرة العربية مسؤولية مشتركة، تفرضها الجغرافيا والمصالح والمصير. ومن غرائب المشهد السياسي أن تحظى المملكة، حاضنة الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، بمساندة بعض الدول الغربية، في حين تهاجمها أصوات إعلامية عربية، يصل بعضها إلى حد تبرير الاعتداءات الحوثية أو التقليل من خطورتها، رغم ما تمثله هذه الاعتداءات من تهديد لأمن المنطقة العربية واستقرارها.
وقد أعلنت جامعة الدول العربية تضامنها مع المملكة. غير أن قيمة هذا التضامن تقاس بمدى اتساق السياسات العربية مع المواقف المعلنة، خصوصًا تجاه الجهات التي تموّل الميليشيات الإرهابية وتسلّحها. وهنا تكمن المفارقة السياسية؛ فقد تتفق الدول على بيان الإدانة، وتختلف مواقفها تجاه أسباب الاعتداء ومصادر قوته.
وتتجلى هذه المفارقة في مواقف بعض دول الجوار التي ترفع شعارات الصداقة والأخوّة وحسن الجوار، بينما تثير علاقاتها المشبوهة وتحالفاتها التآمرية تساؤلات جدية حول التزامها بأمن المملكة واستقرار الخليج. فأي دولة تسمح باستخدام أراضيها أو موانئها لتمرير الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الحوثيين، تسهم في تهديد أمن المنطقة، مهما كانت المبررات السياسية التي تسوقها. ومن يعتقد أن تحالفاته مع الدول الإرهابية ستمنحه الحماية وتُبقيه بمنأى عن تداعيات الصراع، سيجد بلاده مطيةً لمصالح تلك الدول، ويعرّض أمنها ومستقبل شعبها لأخطار يصعب احتواؤها.
والرياض تدرك تعقيدات المشهد الإقليمي، وتقرأ مواقف الدول وتحالفاتها بوعي سياسي، لكنها تغلّب حسن النية وتبقي أبواب التفاهم مفتوحة، حرصًا على استقرار المنطقة وإتاحة الفرصة لتصحيح المواقف. وهذه السياسة تضع الأطراف الأخرى أمام مسؤولية واضحة، تقتضي احترام سيادة الجوار ومراجعة العلاقات التي قد تسهم في تهديد أمنه. فالمملكة تتعامل مع الخلافات الإقليمية بمنطق الدولة التي تدرك مصالحها، وتعرف متى تمنح الفرص، وكيف تحمي حقوقها.
لقد انتهى زمن المجاملات، وسقطت الأقنعة. فلا مكان للمواقف الرمادية حين يتعلق الأمر بأمن المملكة وسيادتها، ولا قيمة لشعارات الأخوّة حين تناقضها تحالفات تهدد استقرار المنطقة. والسعودية تعرف من يقف معها، ومن يتخفّى خلف عبارات الصداقة وحسن الجوار. أما من يراهن على تهديد أمنها، فعليه أن يتحمل عواقب خياراته؛ فالتاريخ يسجل المواقف، ويكشف المتآمرين، ويضع كل دولة في موضعها الحقيقي ساعة الاختبار.