د. خالد بن محمد الصغير
حين يُطرح موضوع اللغة الإنجليزية في التعليم، يتجه النقاش غالبًا إلى قضايا مألوفة على رأسها: مدى ملاءمة المناهج، وكفاية ساعات التدريس، وتأهيل المعلمين، وجودة أدوات القياس. وهي مسائل مهمة بلا شك، لكنها تبدأ من منتصف الطريق، فالسؤال الذي يسبقها هو: كيف تُدار المنظومة التي تحدد أصلًا ما نريد للطالب أن يتعلمه منها، ولماذا، وما المعايير التي نقيس بها نجاحه، وكيف نضمن أن يظل ما تعلمه مناسبًا حين ينتقل إلى الجامعة أو إلى سوق العمل؟
من هنا تبرز فكرة الحوكمة اللغوية، وهي النظر إلى السياسة اللغوية بوصفها منظومة متكاملة: قراراتٌ تُتخذ، وأدوارٌ تُوزَّع، وآلياتٌ للتنسيق بين الفاعلين، وبياناتٌ تُسند القرار، ومراجعةٌ دورية تصحّح المسار، ولا تعني الحوكمة إنشاء مؤسسة جديدة ولا إضافة طبقة إدارية إلى المؤسسات القائمة، بل الانتقال من سؤال «ماذا ينبغي أن نفعل؟» إلى أسئلة أعمق: من يحدد ذلك؟ وكيف تنتقل الأهداف من مستوى السياسة إلى التنفيذ؟ وكيف تعود نتائج التنفيذ إلى صانع القرار؟ وهذه الحركة المزدوجة، من القرار إلى الميدان ومن الميدان إلى القرار، هي ما يميّز الحوكمة عن مجرد سياسة مكتوبة على الورق.
ويتضح المقصود أكثر بالتمييز بين الحوكمة ومفهومين ومفهومي السياسة والتخطيط اللغوي، فالسياسة اللغوية هي التوجهات والاختيارات العامة المتعلقة باللغة، بينما التخطيط اللغوي ترجمةٌ لهذه التوجهات إلى إجراءات وبرامج وممارسات. وقد ذهب روبرت كوبر (Cooper) في كتابه Language Planning and Social Change (1989) إلى أن التخطيط اللغوي لا ينفصل عن أهداف الفاعلين ولا عن الوسائل التي يعتمدونها. ويرى برنارد سبولسكي ( Spolsky) في Language Policy (2004) أن السياسة اللغوية لا تُفهم من القرارات الرسمية وحدها، وإنما من التفاعل بين الممارسات والمعتقدات والإدارة اللغوية. أما الحوكمة فتركز على بُعد آخر: كيف تتفاعل الجهات المختلفة داخل هذه العملية؟ وهذا السؤال حاسم حين لا تكون مسؤولية اللغة محصورة في مؤسسة واحدة. فالطالب يبدأ رحلته في مرحلة تعليمية، وينتقل إلى مرحلة أخرى، ثم يستخدم اللغة في الجامعة أو التدريب أو سوق العمل، وفي كل محطة تتغير الأهداف والمناهج وأدوات التقويم والجهات المسؤولة.
وفي المملكة العربية السعودية تتقاطع اللغة الإنجليزية مع منظومة واسعة تشمل التعليم العام والجامعي والتدريب والقطاعات المهنية، وتتأثر كذلك باحتياجات سوق العمل والتحولات الاقتصادية والتقنية. ومع تركيز رؤية المملكة 2030 وبرنامج تنمية القدرات البشرية على تنمية رأس المال البشري ومواءمة المهارات مع متطلبات المستقبل، تصبح اللغة الإنجليزية مهارة ينبغي التخطيط لتنميتها حيثما كانت مطلوبة، وفي السياق الذي ستُستخدم فيه، لا مادة دراسية منفصلة عن المسار التعليمي والمهني، ومن ثم لا ينبغي أن يكون السؤال: أي جهة مسؤولة عن اللغة الإنجليزية؟ فالمسؤولية تتوزع وفق المرحلة والاختصاص؟ وإنما السؤال الأجدى: كيف تعمل هذه الجهات معًا بحيث تظل رحلة المتعلم متصلةً، وأهدافها متسقةً، ومخرجاتها قابلةً للبناء عليها، حتى وإن اختلفت المؤسسات المقدمة للتعليم؟
لنتتبع رحلة طالب يبدأ تعلم اللغة الإنجليزية في التعليم العام، ثم ينتقل إلى الجامعة، ثم يدخل سوق العمل، قد تتوافر لدى كل مرحلة بيانات عن أدائه، لكنها قد لا تُربط ببعضها، فلا نستطيع تتبع تطور كفاءته عبر الرحلة كلها، وربما لا نعرف إلى أي مدى تشكل المهارات المستهدفة في التعليم العام أساسًا لما تتوقعه الجامعة، أو ما إذا كانت مهارات الخريج تلبّي ما يحتاجه صاحب العمل. وهذه أسئلة عن جودة الاتصال بين أجزاء المنظومة، لا عن جودة مؤسسة بعينها.
وهنا تظهر قيمة الحوكمة، فحين تقيس المؤسسات نجاحها بمؤشرات داخلية فقط، قد تحقق كل منها أهدافها الخاصة، ويبقى من الصعب معرفة ما إذا كانت المنظومة ككل تحقق الأهداف الوطنية المنوطة بها. أما حين تتوافر أهداف مترابطة ومؤشرات قابلة للمقارنة وقنوات واضحة لتبادل البيانات، فيمكن الانتقال من قياس أداء كل مؤسسة على حدة إلى قياس أداء المنظومة اللغوية بأكملها، ومن هذا المنظور يبدأ التخطيط الجيد القائم على الحوكمة لتعليم اللغة الإنجليزية من الاحتياجات الوطنية لا من المناهج وحدها، ثم ينتقل إلى أهداف قابلة للقياس، وعلى أساسها تُصمَّم المناهج والبرامج، ويُعدّ المعلمون، وتُطوَّر أدوات التقويم، وتُقاس مخرجات التعلم، وتُقارَن بما يحتاجه التعليم العالي وسوق العمل، لكن الحلقة الأهم هي حلقة العودة إلى القرار: ماذا نفعل بالنتائج؟ فالحوكمة ليست دورة خطية تبدأ بالسياسة وتنتهي بالتنفيذ، بل دورة تعلّم مستمرة؛ تنطلق من الاحتياجات الوطنية التي تُشتق منها الأهداف والسياسات، ثم تُنفَّذ هذه السياسات وتُقاس نتائجها، وتُحلَّل البيانات الناتجة عن التنفيذ، وتُراجَع السياسات على أساسها، فتُطوَّر، وتبدأ الدورة من جديد بمعطيات أدق.
وهذا يقود إلى مفهوم التخطيط القائم على الأدلة، وليس المقصود به جمع المزيد من الأرقام، ولكن استخدام البيانات للإجابة عن الأسئلة الفعلية التي تواجه صانع السياسة: أين الفجوة؟ ولماذا ظهرت؟ وما التدخل الذي يعالجها؟ وهل أحدث أثرًا يمكن قياسه؟ فلو أظهرت بيانات الجامعات، على سبيل المثال، أن نسبة كبيرة من الطلاب الملتحقين من التعليم العام تحتاج إلى سنة تأسيسية في اللغة الإنجليزية، فالقيمة الحقيقية لهذه البيانات تكمن في تحليل أسباب هذه الفجوة: هل تعود إلى الأهداف المحددة للمرحلة الثانوية، أم إلى أداة التقويم، أم إلى غياب الاتساق بين متطلبات المرحلتين؟ ويبقى سؤال أخير: هل توجد آلية تنقل هذا التشخيص إلى الجهة التي تملك صلاحية التعديل؟
وعلى هذا الأساس يمكن قياس الحوكمة نفسها بدلًا من أن تبقى مفهومًا عامًا، فمن أبرز مؤشراتها: اتساق الأهداف بين المراحل التعليمية، واستمرارية قياس الكفاءة اللغوية وقابليته للمقارنة بينها، ووضوح المسؤوليات بين الجهات، وتشمل كذلك مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وجودة البيانات المتاحة لدعم القرار، وقدرة المنظومة على مراجعة سياساته عند ظهور أدلة جديدة أو تبدّل الظروف، كما تشمل قدرتها على الاستجابة للتحولات التي تعيد تشكيل طرق استخدام اللغة وتعلمها، ومنها التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي. وهذه المؤشرات لا تفترض قصورًا في أي مؤسسة، وإنما تقدم أسئلة لتشخيص المنظومة: هل الأهداف مترابطة؟ وهل البيانات قابلة للاستخدام؟ وهل توجد آلية فعلية للتعلم من النتائج والتكيف معها؟
وبذلك تصبح الحوكمة اللغوية إضافة حقيقية إلى النقاش. فبدل الانتقال من مبادرة إلى أخرى من منهج جديد، أو اختبار جديد، أو برنامج تدريب جديد، يمكن أن نسأل عن العلاقة بينها جميعًا: ما المشكلة التي تعالجها كل مبادرة؟ وبأي هدف ترتبط؟ وكيف يُقاس أثرها؟ وكيف تنتقل نتائجها إلى القرارات اللاحقة؟ وهذا التحول في طريقة التفكير أهم من إضافة مبادرة جديدة، ولا يعني ذلك أن تُوحَّد طريقة التعامل مع اللغة الإنجليزية في كل المراحل والقطاعات، فما يحتاجه طالب المدرسة قد يختلف عمّا يحتاجه طالب الجامعة، وما يحتاجه الخريج يختلف بحسب المهنة، لكن هذا الاختلاف ينبغي أن يكون مقصودًا ومبررًا، وأن يستند إلى إطار يوضح العلاقة بين المراحل، ومسار انتقال المتعلم بينها، وما المهارات التي ينبغي أن يحملها معه من مرحلة إلى أخرى.
فالسياسة اللغوية الفاعلة لا تُقاس بجودة الوثيقة التي تُصاغ فيها أهدافها، ولا يُقاس نجاح التخطيط بعدد البرامج التي نُفِّذت. المعيار الأدق هو قدرة المنظومة على تحويل الأهداف إلى نتائج، ثم استخدام هذه النتائج لتصحيح مسار المنظومة. لذلك ينبغي إعادة صياغة السؤال، فبدل أن نسأل: كيف نحسّن تعليم الإنجليزية؟ فلنسأل: كيف ندير المنظومة بحوكمة فاعلة تقوم عليها عملية تعلّم الإنجليزية، بحيث تكون أهدافها واضحة، وأدوار مؤسساتها متسقة ومتكاملة، وقراراتها قائمة على البيانات، ومخرجاتها قابلة للقياس، وقادرة على الاستجابة للتغيرات؟
وهذا السؤال لا يلغي أهمية المناهج والمعلمين والاختبارات، غير أنه يضعها في موضعها الصحيح: المناهج تترجم توجهات السياسة اللغوية إلى أهداف ومحتوى، والمعلمون يحوّلون هذه الأهداف إلى ممارسة، والاختبارات تقيس جانبًا من التعلم، والبيانات تساعد على قياس مدى تحقق الأهداف المرجوة، والمؤسسات تستخدم هذه النتائج في تطوير المنظومة. وإذا انقطعت الصلة بين هذه الحلقات، صار لكل جزء نجاحه الخاص دون صورة واضحة لنجاح الكل. وهذا هو السؤال الذي يستحق أن يرافق المرحلة المقبلة من التخطيط لتعليم اللغة الإنجليزية في المملكة: لا ماذا نريد أن نُعلّم فحسب، بل كيف نضمن أن المنظومة التي تُعلِّم وتقيس وتراجع وتطوّر تعمل بوصفها منظومة مترابطة.