سعدون مطلق السوارج
ليست كل قوة عسكرية دليلًا على قوة الدولة؛ فالقوة الحقيقية تبدأ من القدرة على معرفة متى تُستخدم، ولماذا تُستخدم، وما الذي تريد الدولة حمايته بعدها. ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة التحرك السعودي الأخير في اليمن، لا بوصفه مجرد عملية عسكرية جديدة، وإنما باعتباره حلقة في مفهوم أوسع للأمن السعودي، أصبح يتعامل مع التهديد باعتباره مسألة تتصل بالسيادة، وحماية الإنسان، وأمن الممرات البحرية، واستقرار الاقتصاد، ومستقبل المنطقة.
مع انطلاق عملية «فجر اليمن» في الخامس من أكتوبر، أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن مشاركة 100 طائرة مقاتلة في الساعات الأولى وتدمير 324 هدفًا عالي القيمة، بالتزامن مع استمرار الإسناد الجوي للقوات المسلحة اليمنية. وفي المسار البحري، أعلنت قيادة التحالف تنفيذ عملية في محافظة الحديدة استهدفت مخازن أسلحة ومستودعات زوارق مفخخة وألغامًا بحرية، وإحباط مخطط لهجمات وشيكة على الممرات المائية جنوب البحر الأحمر.
لكن الأرقام، على أهميتها العسكرية، ليست وحدها جوهر المشهد. فالرسالة الأعمق أن المملكة لا تنظر إلى أمنها باعتباره خطًا على خريطة ينتهي عند حدودها البرية؛ بل تنظر إليه باعتباره منظومة متصلة تبدأ من حماية مدنها ومواطنيها، وتمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب، ثم إلى حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، وصولًا إلى الاستقرار الإقليمي والدولي.
وهنا تتضح خصوصية التجربة السعودية. فالدولة التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، لم تعد تتعامل مع الأمن باعتباره قطاعًا منفصلًا عن مشروع التنمية؛ بل أصبح الأمن جزءًا من القدرة الوطنية الشاملة. وكلما اتسعت طموحات المملكة الاقتصادية والسياحية والصناعية واللوجستية، اتسعت معها جغرافيا الأمن الذي يجب أن تحميه.
وهذا هو أحد المفاتيح المهمة لفهم رؤية المملكة 2030.
فالرؤية لم تتعامل مع الدفاع باعتباره إنفاقًا عسكريًا فحسب، وإنما ربطت توطين الصناعات العسكرية ببناء القدرات الوطنية، ونقل التقنية، وتطوير سلاسل الإمداد، وخلق الوظائف، وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية. وقد بلغت نسبة توطين الإنفاق العسكري 24.89 % بنهاية عام 2024، مع استهداف تجاوز 50 % بحلول 2030. كما بلغت مساهمة القطاع في الناتج المحلي 6.665 مليار ريال وفق أحدث بيانات الهيئة العامة للصناعات العسكرية.
وهنا يتحول مفهوم القوة من شراء القدرة إلى صناعة القدرة. وهذه نقلة استراتيجية لا تختصر في مصانع أو معدات؛ لأنها تعني أن جزءًا متزايدًا من منظومة الدفاع السعودية يُبنى داخل الاقتصاد الوطني، بما يربط الأمن بالصناعة والبحث والتطوير والتقنية والكوادر البشرية والاستثمار. ولذلك لم يعد السؤال فقط: ماذا تملك المملكة من منظومات دفاعية؟ بل أصبح: ماذا تستطيع المملكة أن تنتج، وتطور، وتُدير، وتُصان قدراتها الوطنية؟
ومن اللافت أن هذا التحول لم يعد مشروعًا داخليًا مغلقًا. فمعرض الدفاع العالمي في الرياض عام 2026 جمع 1486 جهة عارضة من 89 دولة، و513 وفدًا رسميًا من 121 دولة، واستقطب 137 ألف زائر، وشهد الإعلان عن صفقات عسكرية ودفاعية بقيمة نحو 33 مليار ريال. وهذه الأرقام تقول إن الرياض لم تعد مجرد سوق للتقنيات الدفاعية، وإنما أصبحت منصة دولية للشراكات والاستثمار ونقل التقنية وبناء العلاقات الدفاعية.
ومن هنا يمكن فهم جانب آخر من القوة السعودية الحديثة: القوة التي تبني شبكة من الشراكات بدل أن تعمل منفردة.
ففي الخامس من أكتوبر، عقدت السعودية وتركيا وباكستان اجتماعًا طارئًا للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية لحلف مكة الدفاعي في الرياض، ضمن مسار بناء مؤسسي للحلف، وشهد الاجتماع تعيين أول أمين عام له.
وفي المجال البحري، قادت المملكة خلال العام الحالي تحركًا لتأسيس تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، بمشاركة 43 دولة في الاجتماع الذي ناقش حماية الممرات البحرية الدولية والتصدي للتهديدات التي تستهدف الملاحة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
وهذه ليست تفاصيل بروتوكولية. إنها تعكس تحولًا في طريقة بناء الأمن: من أمن يعتمد على القدرة الوطنية وحدها، إلى أمن وطني قوي يعرف كيف يبني حوله توافقًا دوليًا، ويحوّل المصالح المشتركة إلى شراكات، ويجعل حماية الممرات الدولية مسؤولية جماعية.
ولهذا يكتسب باب المندب أهمية تتجاوز الجغرافيا اليمنية. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري يمر بالقرب من منطقة نزاع؛ إنه نقطة اتصال بين طرق التجارة العالمية، وأي تهديد للملاحة فيه يمكن أن يتحول سريعًا إلى أثر على السفن، والتأمين، وسلاسل الإمداد، وتدفقات الطاقة، وتكلفة النقل، والأسواق. وقد أكدت قيادة التحالف أن حماية السفن التجارية في باب المندب تتم وفق القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فيما أكدت المملكة أن تهديد الملاحة في جنوب البحر الأحمر وباب المندب يمس الأمن الإقليمي والدولي وحرية التجارة.
وهنا تظهر إحدى أكثر الزوايا أهمية في المشهد السعودي: حماية الاقتصاد لا تبدأ من داخل المنشأة الاقتصادية فقط؛ بل تبدأ أحيانًا من البحر الذي تصل عبره السلع، والطريق الذي تسلكه الطاقة، والممر الذي تعبره التجارة.
فحين تستثمر المملكة في السياحة، والموانئ، والخدمات اللوجستية، والمدن الجديدة، والصناعة، وسلاسل الإمداد، فإنها في الوقت نفسه تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة تستطيع هذه المشاريع أن تعمل داخلها بثقة واستمرارية. الأمن، بهذا المعنى، ليس مقدمة للتنمية فقط؛ بل أحد شروط استمرارها.
ومن الخطأ كذلك قراءة الموقف السعودي في اليمن باعتباره عسكريًا فقط. ففي الرابع من أكتوبر، قدمت المملكة دفعة جديدة بأكثر من 224 مليون ريال لدعم الموازنة اليمنية وتغطية النفقات التشغيلية والرواتب، في إطار دعم الاستقرار والنماء وانتظام التدفقات المالية وتحريك النشاط الاقتصادي. وفي اليوم التالي أكدت وزارة الخارجية السعودية مجددًا أن المملكة دعمت منذ عام 2014 جهود الوصول إلى حل سياسي شامل ومستدام، وجددت دعمها السياسي والعسكري لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية والشعب اليمني.
وهنا تتضح فلسفة أكثر اتزانًا: القوة ليست بديلًا عن السياسة، كما أن السياسة لا تكون ذات أثر حقيقي إذا لم تستند إلى قدرة تحميها.
فالردع والسلام ليسا نقيضين. الدولة القادرة على حماية حدودها، ومدنها، ومقدراتها، وممراتها البحرية، وشركائها، هي الأقدر على توفير البيئة التي تسمح للدبلوماسية بأن تعمل، وللاقتصاد بأن ينمو، وللمجتمعات بأن تستعيد استقرارها. وهذا ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة عن القراءة التقليدية للحروب.
لم تعد المسألة في الشرق الأوسط مجرد معركة بين طرفين على أرض محددة؛ فالصراع الحديث يتداخل فيه الصاروخ مع الميناء، والطائرة المسيّرة مع السفينة التجارية، والأمن البحري مع الاقتصاد العالمي، والسياسة مع الطاقة، والدفاع مع التقنية. ومن ثم فإن الدولة التي تريد حماية مستقبلها لا تستطيع أن تفصل بين هذه الملفات.
السعودية اليوم تتحرك داخل هذه المعادلة بوعي واضح: تحمي أمنها عندما يفرض التهديد نفسه، تدعم الدولة اليمنية ومؤسساتها، تعمل على حماية الملاحة الدولية، تبني شراكات دفاعية متعددة الأطراف، وتوطّن جزءًا متزايدًا من قدرتها العسكرية، وفي الوقت ذاته تواصل بناء اقتصاد يتطلع إلى أن يكون أحد أكثر الاقتصادات تنوعًا وحضورًا في العالم.
من هنا فإن «فجر اليمن» لا ينبغي أن يُقرأ فقط من خلال عدد الطائرات التي شاركت، أو عدد الأهداف التي أُعلنت إصابتها؛ فالأرقام تصف جانبًا من العملية، لكنها لا تشرح وحدها فلسفة الدولة.
الفلسفة الأعمق أن المملكة تعرف أن التنمية الكبرى تحتاج إلى أمن كبير، وأن الأمن المستدام يحتاج إلى دولة قوية، وأن الدولة القوية لا تقيس قوتها فقط بما تستطيع فعله عندما يقع الخطر، بل بما تستطيع منعه قبل وقوعه، وبما تستطيع بناءه بعد انحساره.
لقد تغيرت خريطة القوة السعودية خلال السنوات الأخيرة: من قدرة عسكرية إلى منظومة دفاعية، ومن منظومة دفاعية إلى صناعة، ومن صناعة إلى تقنية، ومن التقنية إلى شراكات، ومن الشراكات إلى شبكة أوسع لحماية المصالح المشتركة.
وهنا تكمن قيمة التجربة. فالقوة السعودية في مفهومها الجديد ليست قوة تبحث عن الحرب؛ بل قوة تجعل الحرب آخر الخيارات، وتستخدم الردع لحماية طريق السلام، وتحمي الطريق البحري لتبقى التجارة حرة، وتحمي الدولة اليمنية حتى تستعيد مؤسساتها، وتبني الصناعات العسكرية حتى تصبح القدرة الوطنية أكثر رسوخًا، وتدعم الاقتصاد حتى لا يصبح الاستقرار مجرد هدنة مؤقتة.
في النهاية، فإن السعودية لا تبني قوة عسكرية منفصلة عن الدولة؛ بل تبني دولة تجعل القوة العسكرية إحدى أدوات قدرتها الشاملة.
لهذا فإن القوة السعودية اليوم لا تُقاس فقط بما تستطيع المملكة أن تفعله عندما تُختبر، بل بما تستطيع أن تمنعه قبل أن يبدأ، وما تستطيع أن تحميه أثناء الخطر، وما تستطيع أن تبنيه بعد انحساره.
تلك هي القوة حين تتجاوز الردع إلى صناعة الاستقرار؛ وحين يصبح الأمن ليس غايةً منفصلة، بل الطريق الذي تعبر عليه التنمية، والاقتصاد، والممرات الدولية، ومستقبل المنطقة نحو السلام.
** **
- باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي