ناصر بن فريوان الشراري
هناك صور تعيش في الذاكرة أطول من الواقع الذي صنعها، تتغير المدن، وتتبدل ملامح المجتمع، وتتسع الطموحات، ويفتح المستقبل أبوابًا لم تكن تخطر على البال، ومع ذلك تبقى في الأذهان صورة قديمة تقاوم التغيير، لا لأنها أكثر صدقًا من الواقع، ولكن لأن الذاكرة بطبيعتها أبطأ من الحياة، وربما لهذا السبب يستحق ما جرى ويجري في المملكة خلال السنوات الأخيرة أن نتأمله من زاوية مختلفة: لقد تغيرت المملكة فعلًا، ولكن هل تغيرت صورتها في أذهاننا بالقدر نفسه؟
السؤال لا يتعلق بما تحقق من مشروعات ومنجزات فحسب، فهذه أصبحت حاضرة أمامنا ويعرفها القريب والبعيد، وإنما يتعلق بشيء أعمق من ذلك: بالصورة التي نحملها عن وطننا، وبالمسافة الهائلة التي قطعتها المملكة في سنوات قليلة، حتى أصبح من الصعب أحيانًا أن نقارن حاضرها بما كانت عليه قبل عقد واحد فقط، من عاش التفاصيل يومًا بعد يوم ربما لا يشعر بحجم التحول كما يشعر به من غاب عنها سنوات ثم عاد، لأن التغيير حين يحدث أمام العين بالتدريج يصبح جزءًا من يومياتنا، بينما تبدو صورته كاملة ومذهلة لمن يراه من مسافة.
لقد قاد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، المملكة في مرحلة ستبقى علامة فارقة في تاريخها الحديث، وجاءت رؤية المملكة 2030 التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، لتضع أمام السعوديين سقفًا مختلفًا للطموح، ولم تكن قيمة الرؤية في حجم مشروعاتها فقط، على ضخامة ما نشاهده منها، بل في أنها غيّرت مفهوم الممكن نفسه، أشياء كثيرة كنا ننظر إليها يومًا باعتبارها أمنيات بعيدة أصبحت مشروعات قائمة، وأفكار كانت تبدو أكبر من قدرتنا على تحقيقها أصبحت جزءًا من واقع نراه ونعيشه.
وهنا، في تقديري، تكمن إحدى أهم سمات هذه المرحلة، فالقيادة لم تكتفِ بإدارة الحاضر، بل أعادت تشكيل علاقتنا بالمستقبل، أصبح السعودي أكثر ثقة بأن بلاده تستطيع أن تنافس في مجالات لم تكن مرتبطة بها في الصورة التقليدية، من السياحة والثقافة والترفيه والرياضة إلى التقنية والصناعات الجديدة والاستثمار والمشروعات الكبرى، والأجمل أن الإنسان السعودي نفسه لم يعد مجرد متلقٍ لهذا التحول، بل أصبح في قلبه، يعمل فيه ويقوده ويختبر من خلاله قدراته.
حين نتأمل حضور الشباب السعودي اليوم، وما وصلت إليه المرأة السعودية من مشاركة واسعة في ميادين العمل والتنمية، وحين ننظر إلى الرياض وهي تتحول إلى واحدة من أكثر مدن المنطقة حركة وطموحًا، وإلى العلا والدرعية والبحر الأحمر وغيرها من الوجهات والمشروعات التي تقدم للعالم وجهًا آخر للمملكة، ندرك أننا لسنا أمام تحسينات متناثرة، بل أمام مشروع وطني أعاد تقديم المملكة لنفسها أولًا، ثم للعالم.
وربما كان هذا هو الجانب الذي لا تمنحه الأرقام وحدها حقه، يمكن قياس النمو والاستثمارات وعدد السياح والمشروعات والفرص، ولكن من الصعب وضع رقم يقيس مقدار الثقة التي تولدت في مجتمع حين رأى أن الأحلام الكبيرة يمكن أن تتحول إلى خطط، وأن الخطط يمكن أن تتحول إلى واقع، هذه الثقة في رأيي واحدة من أثمن ثمار هذه المرحلة، لأنها لا تُبنى بقرار، وإنما تتشكل حين يرى الناس بأعينهم أن ما قيل لهم بالأمس أصبح أمامهم اليوم.
ومع ذلك تبقى الصورة الذهنية أبطأ من الواقع، بعض من ينظر إلى المملكة من الخارج ما زال يستدعي صورة تكونت قبل سنوات طويلة، ويحاول من خلالها تفسير بلد تغيّر كثيرًا عن تلك الصورة، وربما نفعل نحن الشيء نفسه أحيانًا من دون أن نشعر، فنعتاد الإنجاز سريعًا، ثم ننسى كم كان بعيدًا عنا قبل سنوات، فما يصبح جزءًا من الحياة اليومية يفقد شيئًا من قدرته على إدهاشنا، حتى لو كان في الأصل تحولًا استثنائيًا.
ولهذا فإن السؤال عن صورة المملكة ليس سؤالًا موجّهًا إلى الخارج وحده، نحن أيضًا بحاجة بين حين وآخر إلى أن ننظر إلى وطننا بعين من يراه للمرة الأولى، وأن نتأمل المسافة التي قطعها بدل أن ننشغل فقط بما بقي أمامه، ليس لأن الطريق اكتمل، فطموح هذه القيادة أكبر من أن يتوقف عند محطة، ولكن لأن معرفة ما قطعناه من الطريق تمنحنا فهمًا أدق لما يحدث، وتزيد ثقتنا بما نستطيع الوصول إليه.
لقد نجحت المملكة بقيادة الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- في أن تجعل العالم يعيد النظر في كثير من تصوراته عنها، ولكن الإنجاز الأعمق في نظري أنها جعلت السعودي نفسه يعيد النظر في حدود طموحه، لم يعد السؤال: هل نستطيع؟ بقدر ما أصبح: إلى أي مدى نستطيع أن نذهب؟ وبين السؤالين مسافة تختصر جانبًا كبيرًا من حكاية التحول السعودي.
ولعل السنوات المقبلة ستجعل الصورة أكثر اكتمالًا، فالرؤية التي بدأت بأهداف بدت للبعض شديدة الطموح أصبحت اليوم واقعًا يتشكل أمامنا، وما كان مشروعًا على الورق أصبح مدينة ووجهة وفرصة وعملًا وحضورًا عالميًا، والمملكة التي كانت تُقرأ يومًا من خلال النفط والصحراء وبعض الصور الموروثة، باتت تقدم نفسها للعالم باقتصاد يتنوع، وثقافة تستعيد كنوزها، ومجتمع واثق، وقيادة لا تخشى الأحلام الكبيرة.
بعد كل هذا، ربما لم يعد السؤال الحقيقي: هل تغيّرت المملكة؟ فهذا أمر تجيب عنه الوقائع كل يوم، السؤال الأجدر بنا هو: هل منحنا المملكة الجديدة صورة جديدة في أذهاننا تليق بما أصبحت عليه؟ فالأوطان حين تتغير بهذا الحجم لا تحتاج فقط إلى أن نتابع منجزاتها، بل إلى أن نحدّث نظرتنا إليها، وما يحدث في المملكة اليوم يقول لنا إن الواقع سبق الصورة بمسافة، وإن وطنًا تقوده هذه الرؤية وهذا الطموح يستحق أن نراه كما أصبح، لا كما اعتدنا أن نراه.