«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
أكدت الأميرة سارة بنت بندر بن عبدالعزيز آل سعود أن التمر ليس ثمرة فحسب، بل قيمة غذائية وثقافية واقتصادية متجذرة في هوية المملكة، وأن مستقبل القطاع يتطلب الانتقال من زيادة الإنتاج إلى تعظيم القيمة، عبر البحث العلمي والصناعات التحويلية وبناء العلامات التجارية الوطنية وفتح أسواق جديدة وفق أعلى معايير الجودة.
وقالت إن «الجيل الجديد يبحث عن القصة والمعنى»، وإن تقديم التمر بما يواكب الحياة العصرية يعزز حضوره كخيار يومي يجمع الأصالة بالابتكار، ويمنح المنتج السعودي حضورًا أوسع في الأسواق العالمية.
وأضافت أن تنوع التمور بين المناطق والدول يمثل ثراءً جغرافيًا وثقافيًا؛ فلكل بيئة بصمتها في الطعم والقوام واللون، وهو تنوع يمكن تحويله إلى ميزة تنافسية وهوية عالمية للتمور.
وتأتي هذه الرؤية في وقت لم تعد فيه المنافسة العالمية تُقاس بكمية الإنتاج وحدها، بل بقدرة القطاع على تحويل المحصول إلى قيمة اقتصادية متكاملة، تبدأ بالفرز والتصنيف والتعبئة والتغليف والتبريد والتخزين والتصنيع والجودة والاعتماد، وتمتد إلى التسويق وبناء العلامة التجارية والوصول إلى المستهلك والأسواق العالمية.
وتكشف أحدث البيانات عن احتفاظ المملكة بموقعها كأكبر مصدر للتمور عالميًا من حيث القيمة للسنة الرابعة على التوالي؛ إذ بلغت قيمة صادراتها خلال 2025 نحو 1.938 مليار ريال، بارتفاع 14.3% مقارنة بعام 2024، ونمو 59.5% منذ عام 2021، فيما تصل التمور السعودية إلى أكثر من 125 دولة حول العالم. وتجاوز إنتاج المملكة 1.9 مليون طن من التمور في 2025، مع أكثر من 37 مليون نخلة.
وتضع هذه الأرقام القطاع أمام سؤال اقتصادي يتجاوز حجم الإنتاج والصادرات: كيف يمكن تحويل الوفرة الزراعية إلى قيمة أكبر، وما الذي يمكن أن تحمله كل تمرة وكل طن من قيمة مضافة قبل وصوله إلى المستهلك؟
مستويان متكاملان
في هذا المشهد، يبرز المجلس الدولي للتمور بوصفه إطارًا حكوميًا دوليًا لتنسيق التعاون بين الدول، وتبادل البيانات والخبرات، وتطوير السياسات والمعايير، وتعزيز شفافية السوق والتجارة الدولية، فيما يتحرك الاتحاد العربي لمنتجي ومصنعي التمور في مساحة أقرب إلى المنتج والمصنع والمصدر، من خلال تطوير الصناعة والقيمة المضافة، وتنمية الصادرات، وفتح الأسواق، وبناء الشراكات التجارية.
ولا يعني اختلاف المسارين تعارض الأدوار؛ فالمجلس يتعامل مع القطاع من زاوية الدول والسياسات والمعايير والبيانات والأسواق الدولية، بينما يقترب الاتحاد من احتياجات المصنع والمصدر وسلسلة التبريد والتخزين والتصنيع والتصدير والمنتج النهائي، بما يجعل المسارين متكاملين في منظومة تحتاج إلى قواعد دولية واضحة ومنشآت قادرة على تطبيقها والمنافسة في الأسواق.
وفي 29 أبريل 2026، عقد المجلس في الرياض ورشة استراتيجية تناولت مستقبل قطاع النخيل والتمور وفرص الشراكة والاستثمار مع القطاع الخاص، وناقشت نماذج الشراكة المستقبلية ودور القطاع الخاص في تنمية القطاع وتعزيز حضوره عالميًا.
وأكدت الأميرة سارة خلال الورشة أن نظام الغذاء العالمي يشهد تحديات متسارعة، وأن النظرة إلى التمور تتجه بصورة متزايدة باعتبارها «غذاءً فائقًا ومحركًا اقتصاديًا واعدًا»، ما يستدعي الانتقال من التركيز على الإنتاج إلى تحقيق تنافسية عالمية مستدامة.
كما أوضحت الدكتورة إيمان الفريدي، المديرة العامة للاستراتيجيات وتطوير الأعمال بالمجلس، أن التجربة السعودية انتقلت من التركيز على الإنتاج إلى تطوير سلسلة قيمة متكاملة تشمل الزراعة والإنتاج والفرز والتصنيف والتصنيع والابتكار والتعبئة والتغليف والتجارة والتوزيع، وصولًا إلى بناء العلامة التجارية والوصول إلى المستهلك العالمي.
من الإنتاج إلى القيمة المضافة
وتكتسب هذه النقلة أهمية اقتصادية خاصة للمملكة؛ فارتفاع قيمة الصادرات لا يعني استنفاد إمكانات القطاع، إذ تظل الصناعات التحويلية والمنتجات المشتقة من التمور مجالًا واسعًا لتعظيم القيمة المضافة، سواء عبر تطوير منتجات غذائية جديدة، أو تقنيات تصنيع متقدمة، أو تحسين التعبئة والتغليف والتصنيف، أو بناء علامات تجارية قادرة على المنافسة عالميًا.
وفي توصيات ورشة الرياض، برزت الدعوة إلى دعم الصناعات التحويلية المبتكرة القائمة على التمور، وتبني برامج موحدة للمعايير والجودة، وإطلاق مبادرات للتسويق المشترك عالميًا، إلى جانب دعم مبادرة المرصد الدولي للتمور، بما يعكس انتقال الاهتمام من زيادة الإنتاج إلى تعظيم العائد الاقتصادي من المنتج.
ويكتسب هذا التحول بعدًا معلوماتيًا متزايدًا مع المرصد الدولي للتمور في مملكة البحرين، الذي يستهدف جمع وتحليل ونشر البيانات والمؤشرات المتعلقة بقطاع التمور عالميًا، ليكون مرجعًا إحصائيًا ومعرفيًا يدعم صناعة القرار لدى الحكومات والمستثمرين.
وفي يونيو 2026، بحثت الأميرة سارة مع وزيرة الزراعة الروسية أوكسانا لوت دور المرصد بوصفه منصة رقمية لرصد وتحليل البيانات التجارية والاقتصادية للتمور، ودعم التبادل التجاري واستكشاف الفرص الاستثمارية.
وتشمل بيانات المرصد مؤشرات الإنتاج والمساحات الزراعية وأعداد النخيل وقيم الصادرات، بما يعزز قدرة القطاع على قراءة الأسواق وتحديد فرص النمو والاستثمار.
وفي مسار موازٍ، يتحرك المجلس نحو تطوير القواعد الفنية المنظمة للتجارة الدولية للتمور؛ ففي يوليو 2026 ناقشت الدول الأعضاء مراجعات مقترحة على معيار التمور الدولي DDP-08، شملت تعريف المنتج وحدود الرطوبة والعرض والتوسيم وتسمية المنتج، تمهيدًا لرفع المرئيات النهائية إلى لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا (UNECE).
وتكشف هذه الخطوة أن المنافسة لم تعد مرتبطة بالسعر والكمية فقط، بل بالقدرة على الالتزام بالمواصفات، وإثبات الجودة، وبناء ثقة المستهلك، وتوحيد المعايير التي تحكم حركة المنتج بين الأسواق.
كما يدعم المجلس تطوير المنتجات ذات القيمة المضافة؛ ففي موسم تمور المدينة المنورة 2026 نوقشت إمكانات تطوير منتجات قائمة على تمور العجوة، إلى جانب أساليب التسويق الذكي لتعزيز حضورها ورفع قيمتها الاقتصادية.
وفي أكتوبر 2026، استعرض المجلس في تونس التجربة السعودية في التسويق والترويج العالمي للتمور والانتقال من التركيز على الإنتاج إلى تطوير سلسلة قيمة متكاملة، مع التأكيد على أهمية الهوية التجارية وقنوات التوزيع والتجارة الإلكترونية والشراكات الدولية والصناعات التحويلية والابتكار.
السعودية.. من المنتج إلى الشريك العالمي
وتتحرك السعودية في هذا المشهد من موقع المنتج والمصدر إلى موقع أوسع داخل المنظومة الدولية؛ ففي الفترة من 28 إلى 30 يونيو 2026، شارك المجلس الدولي للتمور في معرض «فانسي فود» بنيويورك تحت شعار «مستقبل للتمور: شراكة عالمية»، بالتزامن مع مشاركة المملكة بصفتها ضيف شرف، بهدف فتح آفاق استراتيجية جديدة للقطاع، وبناء شراكات نوعية ومبتكرة ترفع القيمة الاقتصادية للدول الأعضاء.
وفي الجانب المهني والصناعي، يركز الاتحاد العربي لمنتجي ومصنعي التمور على المنتجين والمصنعين والمسوقين، ويستهدف تطوير إنتاج التمور العربية وتصنيعها، وتعظيم القيمة المضافة، وتنمية الصادرات، وفتح أسواق جديدة، وتشجيع الاستثمار، وإقامة الشراكات التجارية، وربط المنتجين والمصنعين بالمستوردين، وتعزيز حضور المنتجات العربية في الأسواق الخارجية.
وتوضح وثائق الاتحاد أنه تأسس عام 2018، ويتولى الدكتور أشرف الفار أمانته العامة، فيما يتركز نشاطه على احتياجات الصناعة والسوق والقطاع الخاص، بما يجعله أقرب إلى التفاصيل التشغيلية والتجارية التي تواجه المنتج والمصنع والمصدر.
ويظهر هذا الدور عمليًا في الخدمة التي أعلن الاتحاد توفيرها لأعضائه في أكتوبر 2026 عبر شركة متخصصة مقرها السعودية، لتقديم خدمات فنية واستشارية للمنشآت العاملة في قطاع التمور بدول الخليج والشرق الأوسط، تشمل تأهيل واعتماد سلاسل التبريد والتوزيع المبرد لوسائل النقل، وإجراء الدراسات الحرارية للمصانع والمخازن والمستودعات، وتأهيل المنشآت للتصدير، والمساعدة في الحصول على شهادات الجودة والاعتماد الدولية، إلى جانب الاستشارات الفنية لرفع كفاءة المنشآت وتجهيزها للأسواق الخارجية.
وتتجاوز أهمية هذه الخدمات الجانب الفني المباشر؛ فكفاءة سلسلة التبريد والتخزين والدراسات الحرارية ترتبط بجودة المنتج وسلامته خلال مراحل النقل والتداول، كما أن جاهزية المنشآت واستيفاء متطلبات التصدير أصبحت جزءًا من القدرة التنافسية في الأسواق الخارجية.
وهنا يتضح التكامل بين المسارين؛ فالمجلس يعمل على مستوى المعايير والسياسات والبيانات والتنسيق بين الدول والأسواق، بينما يتحرك الاتحاد في المساحة الأقرب إلى المصنع والمصدر وسلسلة القيمة والتسويق والجاهزية الفنية. فالمعايير الدولية لا تحقق أثرها إذا لم تكن المنشآت قادرة على تطبيقها، كما أن كفاءة المصنع وسلسلة التبريد وشهادات الجودة لا تكفي إذا لم يكن المنتج قادرًا على فهم الأسواق ومتطلبات التجارة الدولية واتجاهات المستهلكين.
التحدي المقبل.. تعظيم العائد
وبالنسبة للسعودية، فإن التحدي المقبل لا يكمن في زيادة الإنتاج بقدر ما يكمن في تعظيم عائده؛ من تصدير الثمرة إلى تطوير منتجات غذائية وصناعية ذات قيمة مضافة، ومن دخول الأسواق إلى ترسيخ حضور مستدام فيها.
فكل طن من التمور يمكن أن يكون بداية لسلسلة جديدة من المنتجات والعلامات التجارية والتقنيات وسلاسل الإمداد والأسواق، بما يحول الوفرة الزراعية إلى قيمة اقتصادية متنامية.
ومن هنا تتجاوز قصة التمور السعودية حدود المحصول الزراعي إلى بناء اقتصاد متكامل تتقاطع فيه النخلة مع الصناعة، والبيانات مع السوق، والتقنية مع التصنيع، والمعايير مع التصدير.
وإذا كان وصول التمور السعودية إلى أكثر من 125 دولة يعكس اتساع حضورها في الأسواق العالمية، فإن معيار النجاح في المرحلة المقبلة لن يتوقف عند عدد الأسواق أو حجم الأطنان المصدرة، بل سيمتد إلى مقدار القيمة الاقتصادية الجديدة التي يمكن بناؤها حول كل تمرة قبل وصولها إلى المستهلك النهائي.
وبهذا المعنى، لم تعد قصة التمور السعودية قصة محصول زراعي ناجح فحسب، بل قصة انتقال نحو اقتصاد متكامل للتمور؛ تتكامل فيه النخلة مع المصنع، والبيانات مع السوق، والمعايير مع التصدير، والتقنية مع القيمة المضافة، لتتحول التمرة السعودية من منتج زراعي ذي حضور عالمي إلى أصل اقتصادي تُبنى حوله صناعات وأسواق وقيم جديدة.