علي بن عبدالله علي الوهابي
لم تعد التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن مجرد جولة جديدة تضاف إلى سنوات طويلة من الصراع. فطبيعة العمليات المعلنة خلال الفترة الأخيرة واتساع نطاق الأهداف المستهدفة تشير إلى تحول في أسلوب إدارة المعركة من التعامل مع أهداف متفرقة إلى محاولة ضرب منظومة عسكرية متكاملة تقوم على القيادة والسيطرة والإمداد والتسليح والقدرة على تنفيذ الهجمات.
ما وراء الأرقام: 2103 عمليات و82 هدفًا
في هذا السياق يأتي الإعلان عن تنفيذ 2103 عمليات استهداف ضد مواقع وتحركات وتحصينات وخطوط إمداد تابعة للحوثيين ضمن عملية «فجر اليمن».. وبعيدًا عن قراءة هذا الرقم باعتباره مجرد حصيلة عسكرية فإن دلالته الحقيقية تكمن في حجم العمليات واتساع نطاقها وتنوع أهدافها وما يمكن أن تتركه من أثر على قدرة الجماعة على مواصلة القتال وإعادة بناء قدراتها.
العمليات العسكرية لا تقاس فقط بعدد المواقع التي يتم استهدافها وإنما بمدى تأثيرها في البنية التي تقف خلف تلك المواقع.. تدمير مخزن للصواريخ يختلف في أثره عن تدمير هدف عسكري محدود الأهمية لأن المخزن يمثل جزءًا من سلسلة تبدأ بالتخزين والنقل وتنتهي باستخدام السلاح في الميدان.. وكذلك الحال بالنسبة إلى مراكز القيادة والسيطرة ومنظومات الاتصالات التي تمثل العمود الفقري لأي تشكيل عسكري يريد الاحتفاظ بقدرته على التنسيق والتحرك. من هنا تبرز أهمية ما أعلنه تحالف دعم الشرعية من تدمير 82 هدفًا عسكريًا في عدد من المحافظات اليمنية شملت مخازن للصواريخ الباليستية ومراكز قيادة وسيطرة ومنظومات اتصالات ومواقع لتخزين الأسلحة فاستهداف هذه المكونات في وقت متقارب يعني أن المعركة لا تستهدف السلاح وحده وإنما تستهدف القدرة على استخدامه وإدارته وإعادة إنتاج الهجوم.
استنزاف القدرة على إعادة الإنتاج
هذه نقطة جوهرية في فهم التطورات الحالية فكلما تعرضت خطوط الإمداد لضغط مستمر وأصبحت مراكز القيادة والاتصالات ومخازن الأسلحة عرضة للاستهداف؛ تزداد تكلفة المحافظة على الجاهزية العسكرية ويصبح تعويض الخسائر أكثر صعوبة.
وفي الحروب الطويلة يمثل هذا النوع من الضغط أهمية كبيرة لأنه يستنزف قدرة الطرف الآخر على الاستمرار بنفس الكفاءة حتى لو بقيت لديه القدرة على القتال.
عدن وتحصين العمق الداخلي
في الوقت نفسه لا تبدو عدن بعيدة عن الحسابات العسكرية والأمنية للمشهد، فالحملة الأمنية الموسعة التي شملت المرتفعات والمواقع المحيطة بالعاصمة المؤقتة والتواهي والقلوعة والمعلا وكريتر تعكس توجهًا إلى تحصين العمق الداخلي بالتزامن مع تصاعد العمليات في الجبهات، فالمرتفعات المحيطة بالمدن ليست مجرد مواقع جغرافية وإنما يمكن أن تتحول في ظروف الحرب إلى نقاط مراقبة وتحرك وتهديد إذا بقيت خارج السيطرة الأمنية.
لهذا فإن تأمين المدن والمواقع الحيوية يمثل امتدادًا طبيعيًا للعمليات العسكرية وليس مسارًا منفصلًا عنها.. فالتقدم في الجبهات يحتاج إلى بيئة داخلية مستقرة قادرة على حماية المناطق التي يتم تأمينها ومنع تحول الفراغات الأمنية إلى نقاط تستغلها الجماعات المسلحة لإعادة تنظيم صفوفها أو نقل السلاح والمقاتلين.
من التفوق العسكري إلى الاستقرار
لكن الأرقام العسكرية مهما كانت كبيرة لا تكفي وحدها للحكم على اتجاه الحرب فالتجربة اليمنية خلال السنوات الماضية أثبتت أن تحقيق تقدم ميداني شيء والمحافظة على نتائجه شيء آخر.. ولذلك فإن أهمية العمليات الحالية ستظهر بصورة أكبر في قدرتها على إحداث تغيير مستمر في ميزان القوة وليس فقط تحقيق خسائر مؤقتة في المعدات والمواقع. وهنا تصبح مرحلة ما بعد العمليات العسكرية بالغة الأهمية فالمكاسب الميدانية تحتاج إلى تثبيت أمني وسياسي وإلى حماية خطوط الإمداد وتأمين المدن والمناطق التي تتغير فيها السيطرة.. كما تحتاج إلى إدارة قادرة على تحويل التفوق العسكري إلى واقع مستقر يمنع عودة الفوضى ويحد من قدرة الجماعات المسلحة على إعادة بناء نفوذها.
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى التطورات الحالية باعتبارها اختبارًا يتجاوز حدود الجبهة العسكرية.. فالمعادلة الجديدة لن تتحدد فقط بما يتم تدميره من أسلحة ومواقع وإنما بمدى قدرة القوى الوطنية على الحفاظ على وحدة القرار وتحويل النتائج الميدانية إلى استقرار فعلي على الأرض.
السيطرة العسكرية إذا لم ترافقها قدرة على إدارة المناطق وتأمينها تظل قابلة للتراجع. أما عندما تتحول السيطرة إلى مؤسسات أمنية وإدارية مستقرة فإنها تصبح أكثر قدرة على الصمود والاستمرار.
الخلاصة: اختبار الاستدامة
اليمن اليوم يقف أمام مرحلة حساسة فالعمليات المكثفة واستهداف البنية العسكرية الحوثية من أكثر من اتجاه يمكن أن تفتح الباب أمام تغيير حقيقي في موازين القوة إذا استمرت بالفاعلية نفسها وترافقت مع تثبيت ميداني وأمني منظم. أما إذا بقيت العمليات في إطار الضربات المتبادلة دون معالجة البيئة التي تسمح بإعادة إنتاج الصراع فإنها ستظل جزءًا مندورة طويلة عرفها اليمن خلال سنوات الحرب.
ولذلك فإن الرقم 2103 والـ82 هدفًا عسكريًا لا يمثلان القصة كاملة الأهم هو ما ستتركه هذه العمليات على قدرة الحوثيين على إعادة تنظيم قواتهم وتأمين أسلحتهم والحفاظ على خطوط إمدادهم واستمرار قدرتهم على شن الهجمات.
في النهاية فإن الحروب لا تحسمها كثافة النيران وحدها قد تكون الضربات هي التي تفتح الطريق أمام تغيير موازين القوة لكنها لا تضمن وحدها استدامته.. الاستدامة تأتي عندما يتحول التفوق العسكري إلى أمن مستقر وإدارة قادرة ومؤسسات دولة تفرض حضورها على الأرض.
هنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة في اليمن. فالمعركة قد تكون دخلت مرحلة جديدة فعلًا لكن القيمة الحقيقية لهذه المرحلة ستحددها القدرة على تثبيت نتائجها وتحويلها من إنجاز عسكري مؤقت إلى واقع سياسي وأمني أكثر استقرارًا.