صبحي شبانة
كان على الحوثيين أن يتوقفوا طويلًا أمام موقعهم في حسابات التاريخ والجغرافيا، وفي الخريطة الجيوسياسية والتوازنات الاستراتيجية الإقليمية والدولية، قبل أن يخوضوا مغامراتهم الصبيانية بالتمدد خارج مناطق سيطرتهم، وقبل أن يتوهموا أن في وسعهم كسر إرادة المملكة العربية السعودية، الدولة المحورية في الإقليم والعالم، فها هي عملية «فجر اليمن» التي تخوضها الدولة اليمنية بدعم من التحالف بقيادة المملكة، وفي ظل مظلة الدفاع المشترك التي أتاحتها اتفاقية مكة، تكشف لمن أراد أن يرى أن الميليشيا التي ظنت أن الزمن في صالحها بدأت تدرك أنه لم يكن يومًا حليفًا لمن يبني مشروعه على السلاح وحده، وأن الجغرافيا التي احتمت بها طويلًا في الجبال والوديان لا تصنع انتصارًا، وإنما تؤجل لحظة الحساب، وأن التاريخ الذي يتجاهله أصحاب المشاريع العدمية يحتفظ بسجل دقيق لمن غامر ضد هذه الأرض ولمن انتهى به الأمر، وليس في ذلك السجل صفحة واحدة تقول إن من تحدى المملكة خرج منتصرًا.
والحقيقة الجغرافية الأولى التي ينبغي أن تُقرأ بهدوء أن المملكة ليست دولة صغيرة محاصرة بين حدود ضيقة، وإنما قارة مصغرة تمتد على أكثر من مليوني كيلومتر مربع، تطل على الخليج العربي شرقًا وعلى البحر الأحمر غربًا، وتستند إلى عمق صحراوي شاسع يمنحها ما يسميه علماء الاستراتيجيا العمق الاستراتيجي، فلا يمكن لأي قوة أن تضربها ضربة واحدة تشل قرارها أو تعطل شرايينها، فهي تملك مراكز ثقل متعددة، وموانئ على بحرين، وطرق إمداد متنوعة، وخطوط أنابيب تربط حقول الشرق بميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يجعل أي محاولة لخنقها من جهة واحدة محاولة فاشلة سلفًا، أما الحوثيون فيتحركون في رقعة جبلية معزولة، تحيط بها جغرافيا لا تخدمهم، وتتوزع جبهاتها على تضاريس وعرة تمنحهم القدرة على الاستنزاف ولا تمنحهم القدرة على الحسم، وهذا الفارق بين من يملك العمق ومن يملك المتراس هو أول دروس الجغرافيا التي لم يحسن الحوثيون قراءتها.
وإلى جانب القوة الجغرافية تقف حقيقة حضارية لا يملك خصوم المملكة مثلها، فهذه الدولة ليست كسائر الدول، وإنما هي قلب العروبة الحضارية، وحاضنة الحرمين الشريفين، ووجهة قلوب نحو ملياري مسلم يتجهون إلى قبلتها في كل صلاة، ولذلك فإن المساس بأمنها ليس مساسًا بحدود دولة فحسب، وإنما مساس بخط أحمر في وجدان أمة بأكملها، وقد قدمت الميليشيا الدليل على ذلك حين وصلت مغامراتها إلى محاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيّرة، وهي محاولة أدانها مجلس الوزراء السعودي ومجلس وزراء الداخلية العرب، والدول العربية والإسلامية، لأنها كشفت لكل ذي بصيرة طبيعة جماعة لا تتورع عن الاقتراب من أقدس بقعة على وجه الأرض بالسلاح، وهي الجماعة نفسها التي تتحدث ليل نهار عن الدين والمظلومية، فمن يوجه سلاحه نحو حرم آمن يضع نفسه خارج إجماع الأمة، ويستدعي عليه غضبًا لا تحسبه الميليشيات في معادلاتها الضيقة.
ولا تقف قوة المملكة عند حدود الجغرافيا والمكانة الروحية، فهي اليوم اقتصاد كبير ضمن مجموعة العشرين، يملك ثقلًا في أسواق الطاقة العالمية لا يتوفر لسواه، ويمتلك صندوقًا سياديًا يُعد من الأكبر في العالم، ويمضي بثقة في مشروع رؤية 2030 الذي حوّل الصحراء إلى مدن ومشروعات كبرى، من نيوم إلى البحر الأحمر إلى القدية، وهي قوة ناعمة تتجاوز الاقتصاد إلى الثقافة والرياضة والدبلوماسية والتأثير في صناعة القرار الدولي، فحين تجتمع القوة الصلبة بالقوة الناعمة في دولة واحدة، يصبح من العبث الرهان على إنهاكها بطائرة مسيّرة أو صاروخ يُعترض في الجو، لأن المملكة تفكر بمنطق من يملك ما يخشى عليه، ومن يملك ما يخشى عليه يحسب خطواته بعناية، لكنه حين يُدفع إلى المواجهة يخوضها بعزم من يدافع عن بيته ومستقبل أبنائه، أما الميليشيا التي لا تملك سوى السلاح فهي تقاتل لتبقى، ومن يقاتل ليبقى يخسر في النهاية أمام من يقاتل ليحمي ما بناه.
والمعادلة الدولية لا تقل وضوحًا عن المعادلة الجغرافية، فالمملكة لا تقف وحدها في الميدان، وإنما تحيط بها شبكة تحالفات وتفاهمات دفاعية تتسع يومًا بعد يوم إلى جانب جيش يتمتع أفراده بالقدرة القتالية، ويتسلح بأحدث أنواع الأسلحة القتالية ولعل اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان، وما تبعها من اجتماعات عسكرية وسياسية في الرياض لبحث الهجمات الحوثية وتفعيل مظلة الدفاع، خير دليل على أن الاعتداء على المملكة لم يعد شأنًا ثنائيًا يمكن عزله، وإنما صار قضية تتقاطع عندها مصالح دول لها وزنها العسكري والسياسي، وإلى جانب ذلك تقف الدول العربية والإسلامية المؤثرة التي لا تدخر جهدًا في دعم المملكة وإدانة كل اعتداء عليها، وتقف القوى الكبرى التي ترتبط مصالحها الحيوية بأمن الطاقة والممرات البحرية مع الرياض ارتباطًا لا يمكن فكه، لأن أي قوة كبرى تدرك أن استقرار المملكة جزء من استقرار الاقتصاد العالمي، وأنها لن تتخلى عن شراكتها مع دولة بهذا الثقل من أجل جماعة تسيطر على مراكز القرار في صنعاء بقوة السلاح والنفوذ الطائفي والدعم الإيراني المباشر.
ولو أن الحوثيين فتحوا سجلات التاريخ لوجدوا فيها ما يغنيهم عن كثير من التجارب المريرة، ففي عام 1934 اندلعت الحرب بين المملكة العربية السعودية بقيادة مؤسسها الملك عبدالعزيز آل سعود والمملكة المتوكلية اليمنية بزعامة الإمام يحيى حميد الدين، وكان سببها نزاعات الحدود في عسير ونجران وجازان وإيواء اليمن للمتمردين من الأدارسة، فتحركت القوات السعودية على جبهتين، جبهة الجبال وجبهة تهامة الساحلية، وتقدمت بسرعة لافتة حتى سيطرت على الحديدة في مايو من العام نفسه، ثم امتدت إلى مناطق متقدمة في العمق اليمني واقتربت من صنعاء، وانتهت الحرب بانتصار سعودي حاسم أعقبته معاهدة الطائف التي وُقعت في مايو 1934 وأنهت حالة الحرب وثبتت الحدود وأرست علاقات حسن الجوار.
وأبلغ ما في تلك الحرب ليس انتصارها العسكري وحده، وإنما ما فعله الملك المؤسس بعد النصر، فقد كانت القوات السعودية تسيطر على الحديدة ومناطق واسعة وتقترب من العاصمة، ومع ذلك قبل بوساطة المؤتمر الإسلامي وأوقف القتال، وانسحبت قواته من الحديدة وحجة والمناطق التي دخلتها، فبدا بذلك أن الغاية لم تكن احتلال أرض شقيقة وإنما تأمين الحدود وإحلال السلام، وتلك هي العقيدة السعودية التي لم تتغير منذ ذلك اليوم، قوة تحسم حين تُضطر، وكرم يعفو حين تنتصر، لكن من يخلط بين العفو والضعف يدفع في النهاية ثمن خطئه، فالدولة التي بسطت يدها بالسلام بعد النصر قادرة على أن تعيد الحسم حين يستبد بها من لا يفهم لغة السلام.
وليست حرب 1934 وحدها هي التي تحمل الدرس، فسجل المواجهات التي خاضتها المملكة يكشف نمطًا متكررًا، ففي عام 1929 سُحقت فتنة الإخوان المتمردين في معركة السبلة، وفي عام 1979 انتهت أزمة اقتحام الحرم المكي باستعادة الحرم بعد نحو أسبوعين من الحصار، وفي عام 1990 تحدى صدام حسين المنطقة بغزو الكويت فاجتمع العالم حول المملكة وتحررت الكويت، وحين أطلق النظام العراقي صواريخ سكود على المدن السعودية عام 1991 لم تهتز الجبهة الداخلية ولم تتراجع الدولة، وحتى في المواجهة الحدودية الأولى مع الحوثيين عام 2009 انتهى تسللهم إلى جبل الدخان بإخراجهم منه، وكل هذه الصفحات تقول الحقيقة ذاتها، أن من يراهن على كسر هذه الدولة يخسر رهانه.
أما الحوثيون فقد أخطأوا الحساب على أكثر من مستوى، أخطأوا حين ظنوا أن السيطرة على صنعاء بقوة السلاح تمنحهم شرعية، وأخطأوا حين تصوروا أن الصواريخ والمسيّرات تصنع هزيمة دولة بحجم المملكة، فمنظومات الاعتراض تتصدى لها في الجو، والرأي العام العربي والإسلامي يزداد التفافًا حول المملكة كلما ازدادت اعتداءاتهم، وأخطأوا كذلك حين راهنوا على أن الزمن سيمنحهم قدرة التفاوض من موقع قوة، فيما يتآكل اقتصاد المناطق الخاضعة لهم، وتتراكم الأزمة الإنسانية في مدنهم، ويكتشف اليمنيون يومًا بعد يوم أن من وعدهم بالمجد لم يقدم لهم سوى الحصار والخراب، ومن يقرأ الواقع بدقة يدرك أن الميليشيا لم تعد قادرة حتى على إقناع بيئتها الحاضنة بأن المعركة معركتها، لأنها معركة بالوكالة عن مشروع إقليمي لا يرى في اليمن إلا ورقة ضغط في لعبة أكبر منه.
وفي البعد الجيوسياسي الأوسع يدرك العالم أن ما يجري في اليمن ليس نزاعًا محليًا، وإنما فصل من معركة تتعلق بأمن الممرات التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، فباب المندب وهرمز وقناة السويس حلقات في سلسلة واحدة، ومن يحاول التحكم في إحداها بقوة السلاح إنما يستهدف الأخرى بالضرورة، والعالم الذي لا يقبل أن تضع إيران يدها على مضيق هرمز لا يمكن أن يقبل أن تتحكم ميليشيا تدور في فلكها في باب المندب، ولهذا فإن المملكة حين تدافع عن أمنها وعن أمن البحر الأحمر إنما تدافع عن مصلحة دولية مشتركة، وتجد خلفها مصالح الدول المستوردة والمصدرة وحرية الملاحة والتجارة العالمية، وهي مصالح أقوى من أي ميليشيا وأقدر على الحسم من أي مغامرة.
وفوق ذلك كله تقف الحقيقة الأعمق التي لا تدركها الميليشيات ولا تحسبها غرف العمليات، وهي أن أرض الحرمين الشريفين ليست مجرد بقعة على الخريطة، وإنما هي قلب العالم الإسلامي ومهوى أفئدة ملياري مسلم، في كل قارة وبلد، يتجهون إلى الكعبة كل يوم خمس مرات، ويرون أن أمن مكة والمدينة مسؤولية لا تقبل التهاون، ومن ثم فإن أي عدوان على هذه البلاد يستدعي، في الوجدان الإسلامي قبل أي حسابات سياسية، تضامنًا واسعًا مع شعبها وقيادتها، وهو تضامن لم يتخلف في لحظة تاريخية صعبة، وسيبقى حاضرًا اليوم كما كان بالأمس، لأن الأمة تعرف أين تضع قلبها حين يكون الحرم في موضع التهديد، ولأن شعب المملكة، بتماسكه والتفافه حول قيادته ووعيه بحجم المسؤولية، يشكل جدارًا صلبًا لا تنفذ منه الدعاية ولا يخترقه التضليل.
ومن هنا فإن الخيار العاقل الوحيد أمام الحوثيين أن يدركوا أن زمن المغامرة قد انتهى، وأن عليهم أن يستجيبوا لنداء العقل قبل أن يفرض الميدان كلمته، فيضعوا السلاح، ويسلموا المؤسسات والموانئ والمدن التي سيطروا عليها بالقوة إلى الدولة اليمنية الشرعية، ويعودوا إلى مسار سياسي يجمع اليمنيين ولا يفرقهم، ويقطعوا الصلة بمشروع إقليمي جعلهم وقودًا في معاركه، فالمملكة التي مدت يدها إلى السلام مرات ومرات لا تزال تفتح الباب لمن يريد العودة، لكنها لا تفعل ذلك من موقع ضعف، وإنما من موقع من يعرف أنه المنتصر في النهاية، وأن الاستسلام ليس عارًا حين يكون بداية لإنقاذ شعب، بل العار أن يستمر من يقود شعبه إلى الهاوية وهو يعلم أن النهاية محسومة.
لن يكون الحوثيون استثناءً من كتاب الهزائم الذي كتبته الأيام لكل من ظن أن في وسعه أن يتحدى هذه الأرض، وإن لم يراجعوا حساباتهم ويقرأوا التاريخ كما ينبغي سيجدون أنفسهم أمام حقيقة لا مفر منها، أن المملكة عصية على الانكسار لأن قوتها ليست في سلاحها وحده، وإنما في جغرافيتها وعمقها وتاريخها وتحالفاتها وشعبها وقلوب ملايين المسلمين حول العالم الذين يرون فيها حارسة أقدس بقاع الأرض، وأن هذه الحرب ليست كسابقاتها، لأن الدولة اليمنية تستعيد زمام المبادرة، ولأن المنطقة كلها صارت أكثر وعيًا بخطر الميليشيات العابرة للحدود، ولأن صبر المملكة الذي حسبه البعض ضعفًا كان في الحقيقة مهلة أخيرة لمن أراد أن يتعلم، وبعد أن انتهت المهلة لم يبق سوى طريقين، طريق الاستسلام الذي يحفظ ما تبقى، وطريق الهزيمة التي يسطرها التاريخ كما سطرها دائمًا، والمملكة، بإذن الله، ماضية في طريقها شامخة كما كانت.
إن فجر اليمن الحقيقي يبدأ حين يدرك الحوثيون أن استعادة الدولة ليست هزيمة لليمن، وأن التخلي عن مشروع الهيمنة ليس تنازلًا عن السيادة، وأن السلام مع المملكة ليس انكسارًا، بل ضرورة جغرافية ومصلحة استراتيجية وفرصة لإنقاذ شعب أنهكته الحرب، أما الإصرار على مغامرات تتجاوز حدود القدرة، ومواجهة دولة تملك من عناصر القوة والعمق الاستراتيجي ما يجعل ابتزازها رهانًا خاسرًا، فلن يقود إلا إلى مزيد من العزلة والاستنزاف، فالتاريخ لا يرحم من يسيء قراءة دروسه، والجغرافيا لا تجامل من يتجاهل حقائقها، والاستراتيجية لا تمنح النصر لمن يخلط بين القدرة على إشعال الحرب والقدرة على حسمها، وفي نهاية المطاف لن يكون المنتصر الحقيقي هو من يطلق أكبر عدد من الصواريخ، وإنما من يستطيع أن يحمي شعبه، ويصون دولته، ويصنع سلامًا قابلًا للحياة، ويعيد لليمن مكانته الطبيعية في محيطه العربي، شريكًا في الاستقرار لا منصة للصراع، وجارًا للمملكة تجمعه بها حقائق الجغرافيا ومصالح المستقبل.