«الجزيرة» - محمد بن عبدالله آل شملان:
في تلك اللحظات الساحرة التي تغيب فيها شمس الرياض خلف الأفق، تاركة خيوطاً ذهبية تداعب ملامح العاصمة، يقف برج طويق كحارس أمين على بوابة التاريخ والحداثة. وحين تميل بنظرك نحو واجهته الغربية الشامخة في حي الملقا، لا تجد نفسك أمام مجرد بناء هندسي، بل تقف في حضرة حكاية عشق وطني نُسجت خيوطها بالصبر، واللون، والوفاء.
هناك، عند تقاطع طريقي الملك فهد وأنس بن مالك، ترتفع جدارية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بارتفاع خمسة وثمانين متراً، لتختزل في نظرتها حلم أمة بأكملها، ولتتحول من مجرد عمل فني إلى نبضٍ حي يسكن وجدان كل من يمر بهذا الطريق النابض بالحياة.
إنها خمسة وثمانون متراً من الكبرياء، امتدت على مساحة تتجاوز الألف وثلاثمائة متر مربع، لتكون شاهداً على أن الهمم في هذا الوطن لا تُقاس بالمسافات بل بالعمق والروعة. واحد وثلاثون يوماً، كانت الرافعات الأربع ترتفع في كبد السماء كأيدي ترفع الدعاء والولاء، وكان الفنان السعودي بدر البلوي يخوض تحديه الأكبر، حاملاً ريشته التي لم تكن تصب صبغة مجردة، بل كانت تترجم مشاعر ملايين المحبين. في كل صباح ومساء، ومع كل ضربة فرشاة وسط الرياح العاتية وهجير الأيام، كانت تتضح ملامح القائد الذي ألهم شعبه بأن الطموح لا سقف له، وأن عنان السماء هو الحدود الوحيدة لأحلامنا.
يرتبط برج طويق، بكونه أطول برج تراثي في العالم يصل لقرابة مائة وعشرة أمتار، برباط وثيق مع هذه الجدارية الاستثنائية. فالطين والحجر اللذان يعكسان أصالة الماضي وعراقة الأجداد، قد احتضنا اليوم ملامح المستقبل المشرق. هذا التناغم البصري يعيد إلى الأذهان تلك المقولة التاريخية الراسخة التي جعلت من جبل طويق رمزاً للصلابة السعودية؛ والآن، تتجسد تلك الروح واقعاً مرئياً يراه الصغير والكبير، فيشعر كل عابر فخر يسري في عروقه، ويستشعر قيمة الانتماء لأرض تصنع من مبانيها منارات للمجد والجمال.
إن الطموح المشروع لتسجيل هذه الجدارية في موسوعة غينيس للأرقام القياسية ليس مجرد رغبة في تحقيق رقمٍ عالمي، بل هو رسالة حب واعتزاز من أبناء الوطن إلى قائدهم الملهم، نعلن فيها للعالم أجمع كيف يُمكن للفن أن يكون لسان حال الشعوب، وكيف يمكن للملامح القريبة من القلوب أن تُخلد على جدران الذاكرة قبل جدران الإسمنت.
ستبقى هذه اللوحة، بظلالها المتقنة وتفاصيلها المهيبة، أيقونة تروي للأجيال القادمة قصة الزمن الذي التقت فيه همة القائد بشغف الشعب، ليصنعا معاً فصلاً غير مسبوق في كتاب المجد السعودي، شامخاً، باقياً، ومتجذراً في الأرض كشموخ طويق ذاته.