الصادق جاد المولى
في السابع من أكتوبر الجاري، كان مقيم سوداني بين ضحايا الهجوم الحوثي على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وفي هذه الواقعة ما يستحق التأمل، فالسودان الذي أنهكته مليشيا الدعم السريع منذ أبريل 2023، يجد أحد أبنائه يفقد حياته في اعتداء ترتكبه مليشيا أخرى على أرض المملكة، وكأن الموت الذي زرعته الجماعات المسلحة في بلاد العرب قد اكتسب حق التنقل بين حدودها، يحمل الحوثي مشروعه من جبال صعدة إلى شواطئ البحر الأحمر، ويحمل الدعم السريع مشروعه من سهول دارفور إلى مدن السودان وقراه، وبين المشروعين مسافة في التاريخ والعقيدة، وتقارب شديد في الوسائل والنتائج، فكلاهما اكتشف أن البندقية قد تمنح صاحبها سلطةً لا تمنحه إياها صناديق الاقتراع، وأن إخضاع الدولة أيسر من إقناع شعبها.
من صعدة إلى دارفور.. اختلاف النشأة واتفاق الغاية
نشأت الجماعة الحوثية في شمال اليمن خلال تسعينيات القرن الماضي في بيئة دينية وسياسية ارتبطت بإحياء الهوية الزيدية، ثم اتخذت السلاح طريقاً إلى السلطة حتى استولت على صنعاء عام 2014، أما قوات الدعم السريع فقد خرجت من رحم مليشيات الجنجويد التي استعان بها نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير في حرب دارفور، قبل أن تتحول عام 2013 إلى تشكيل شبه عسكري بقيادة محمد حمدان دقلو، ثم تصبح قوة تنازع المؤسسة العسكرية السودانية سلطانها.
وللتاريخ مفارقاته التي تفوق خيال الروائيين، فقد قاتلت قوات من الدعم السريع الحوثيين في اليمن ضمن المشاركة السودانية في التحالف العربي، وكان الطرفان يقفان على جانبين متقابلين من ميدان واحد، ثم جاءت حرب السودان لتكشف عن أوجه شبه لافتة بينهما، فالخصومة العسكرية السابقة لم تمنع التقارب في النظر إلى السلطة وإلى حق الدولة في احتكار السلاح، وقد يختلف المقاتلون في الرايات التي يحملونها، ويجتمعون في الاعتقاد بأن ما تعجز السياسة عن منحه تستطيع القوة انتزاعه.
الدولة غنيمة لمن يسبق إليها
في صنعاء، استولت الجماعة الحوثية على مؤسسات الدولة وحوّلت العاصمة إلى مركز لسلطة أمر واقع، وأفضى ذلك إلى تقويض العملية السياسية التي كان اليمنيون يعوّلون عليها للخروج من اضطرابات أعقبت عام 2011، وفي الخرطوم، انقلبت قوات الدعم السريع على شراكتها مع الجيش السوداني، وأشعل تنازع السلطتين حرباً امتدت إلى أنحاء واسعة من البلاد، ثم اتجهت الجماعة إلى تأسيس سلطة موازية في المناطق الخاضعة لنفوذها، في خطوة تحمل من أخطار التقسيم ما يتجاوز حدود المواجهة العسكرية.
تبدو المقارنة هنا أكثر وضوحاً، فقد انتقل الحوثي من حركة مسلحة إلى سلطة تستولي على مؤسسات الدولة، وانتقل الدعم السريع من قوة أنشأتها الدولة إلى قوة تنازعها وجودها، والنتيجة واحدة في جوهرها، مؤسسة وطنية تفقد قدرتها على أداء وظائفها، وسلاح يتجاوز الحدود المقررة له، ومواطن يجد نفسه أمام سلطة لا يعرف كيف يحاسبها ولا إلى أي قانون يحتكم في مواجهتها.
وإذا كانت الدولة تقوم على مؤسسات تستطيع البقاء بعد رحيل الرجال، فإن المليشيا تقوم على رجال يريدون للمؤسسات أن تبقى رهينة بقائهم، وتلك بداية الخراب في كل تجربة عرفت فيها البلاد حكماً نشأ من غلبة السلاح.
من تعز إلى الفاشر.. الجوع في خدمة البندقية
ثمة شبه آخر أشد إيلاماً يظهر في معاملة المدنيين، فقد عرفت مدينة تعز اليمنية سنوات من إغلاق الطرق وتقييد حركة السكان والإمدادات بفعل الحصار الحوثي، وعرفت الفاشر السودانية حصاراً فرضته قوات الدعم السريع وحلفاؤها لأكثر من ثمانية عشر شهراً، حتى صار الحصول على الغذاء والدواء مغامرة قد يدفع الإنسان حياته ثمناً لها.
ولم تنته مأساة الفاشر بانتهاء حصارها، فقد وثّق تقرير أصدرته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في فبراير 2026 أكثر من ستة آلاف قتيل خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم الأخير لقوات الدعم السريع على المدينة، وأورد وقائع قتل جماعي وإعدامات وانتهاكات جنسية ونهب واختطاف، وهي جرائم قد يرقى بعضها إلى جرائم ضد الإنسانية.
وفي اليمن، وثّقت منظمات حقوقية الاعتقالات التعسفية التي نفذتها الجماعة الحوثية بحق عاملين في المجال الإنساني وموظفين أمميين، فضلاً عن القيود التي أعاقت إيصال المساعدات إلى المحتاجين، وبلغ الأمر أن أصبح العامل الذي جاء يحمل الغذاء أو الدواء عرضة للاعتقال.
وتختلف طبيعة الجرائم وحجمها وتفاصيلها بين التجربتين، غير أن القاسم المشترك هو الاستهانة بحقوق السكان وتحويل احتياجاتهم الأساسية إلى أدوات ضغط، وفي التاريخ شواهد كثيرة على جيوش حاصرت المدن لتفتح أبوابها، أما المليشيات فقد أتقنت محاصرة الإنسان حتى يفقد القدرة على الاعتراض.
شعارات كبيرة وأوطان صغيرة
يرفع الحوثي شعارات المقاومة ومواجهة القوى الخارجية، ويقدم الدعم السريع نفسه في خطاباته السياسية قوةً تسعى إلى بناء دولة جديدة وحماية التحول المدني، ولكل جماعة قاموس تختار منه الألفاظ التي تمنح مشروعها مظهراً مقبولاً، غير أن امتحان الشعارات يبدأ من حياة الناس الذين يُحكمون باسمها.
فما قيمة الحديث عن الحرية في مدينة يخشى أهلها الاعتقال بسبب آرائهم، وما جدوى الوعد بالعدالة في أرض تعيش فيها جماعات سكانية تحت تهديد القتل والتهجير، وأي مستقبل تستطيع جماعة مسلحة أن تعد به شعباً فقد بيته ومدرسته ومستشفاه؟
وقد استثمر الحوثيون القضية الفلسطينية في تبرير جانب من هجماتهم البحرية، فيما سعت قوات الدعم السريع إلى تقديم حربها باعتبارها مواجهة مع خصوم سياسيين وأيديولوجيين، وهنا تختلف الذرائع وتلتقي محاولات إلباس الصراع المسلح ثوب القضية الكبرى، على الرغم من أن أول امتحان لأي قضية عادلة هو موقف أصحابها من الإنسان الذي يعيش تحت سلطتهم.
ولعل أخطر ما تفعله المليشيات أنها تستهلك المعاني النبيلة في حروبها، حتى يصبح الحديث عن الحرية والعدالة والسيادة عند ضحاياها باعثاً على الخوف بعد أن كان باعثاً على الأمل.
بندقية الداخل ويد الخارج
ومن أوجه الشبه التي تستحق التوقف قدرة الطرفين على الاستفادة من شبكات الدعم الخارجي، فالعلاقة العسكرية والسياسية بين الجماعة الحوثية وإيران وثّقتها تقارير دولية عديدة، كما كشفت تقارير أممية وتحقيقات حقوقية عن مسارات عابرة للحدود لتدفق السلاح والمعدات إلى قوات الدعم السريع، وعن شبكات تمويل وإمداد أسهمت في إطالة أمد الحرب السودانية.
وللعلاقتين ظروف مختلفة وأطراف وأهداف متباينة، لكن أثر السلاح القادم من الخارج يتشابه في النتيجة، إذ يتيح للجماعة المسلحة الاستمرار في القتال فوق ما تسمح به مواردها المحلية، ويمنحها أسباباً إضافية لرفض التسوية، فيما تتحمل المجتمعات كلفة حرب يتجاوز المستفيدون منها حدودها الوطنية.
والتاريخ العربي الحديث حافل بتجارب الجماعات التي استعانت بالخارج لتقوية موقعها في الداخل، ثم اكتشفت بلادها أن للسلاح الممنوح أثماناً تتجاوز قيمته، وأن صاحب المال والسلاح يستطيع أن يغادر ميدان الحرب، فيما يبقى السكان لإحصاء قتلاهم وإعادة بناء ما تهدم.
البحر الأحمر.. ضفتان وقلق واحد
تزداد أهمية المقارنة بالنظر إلى الجغرافيا، فاليمن والسودان يشتركان في الإطلالة على البحر الأحمر الذي يمثل أحد أهم الشرايين الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة والمنطقة والعالم.
وقد نقل الحوثيون تهديدهم إلى الملاحة الدولية عبر الهجمات على السفن، وأظهرت التطورات العسكرية الأخيرة حول باب المندب مقدار الخطر الذي ينشأ من سيطرة جماعة مسلحة على الممرات الحيوية، أما قوات الدعم السريع فقد جعلت الحرب السودانية عاملاً إضافياً في اضطراب الأمن الإقليمي، بما تحمله من مخاطر على استقرار دولة تشغل موقعاً مهماً على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وإن لم تكن الجماعة تمارس نمط التهديد البحري المباشر نفسه الذي يمارسه الحوثيون. وهذه نقطة تستحق عناية خاصة، فالأمن البحري يبدأ من استقرار الدول المطلة على البحر، وكلما اتسعت مناطق النزاع وتعددت مراكز القوة المسلحة ازدادت احتمالات انتقال الاضطراب عبر الحدود، وأصبح أمن التجارة والطاقة والموانئ جزءاً من حسابات الحرب المحلية. ومن هنا يمكن فهم الأهمية الاستراتيجية التي توليها المملكة لاستقرار اليمن والسودان، فاضطراب الضفة المقابلة يظل شأناً يمس أمن البحر كله، وسلامة الممرات المائية تحتاج إلى دول قادرة على حفظ سيادتها ومؤسساتها وحدودها.
الرياض.. إدراك مبكر لخطر تفكك الدول
تحتل المملكة العربية السعودية موقعاً مهماً في المشهدين اليمني والسوداني، بحكم الجوار والمصالح الإستراتيجية والمسؤولية الإقليمية، وقد ظهر اهتمامها باستقرار اليمن ودعم مؤسساته الشرعية في مواقف سياسية وعسكرية متعاقبة، كما ظهر حرصها على وحدة السودان وسيادته في جهود الوساطة والعمل الإنساني والمواقف الدبلوماسية.
وفي مايو 2023، استضافت جدة المحادثات التي أفضت إلى توقيع إعلان الالتزام بحماية المدنيين في السودان، ثم أكدت المملكة رفضها تشكيل حكومة موازية خارج مؤسسات الدولة السودانية، وجددت دعمها لوحدة البلاد وسلامة أراضيها.
وتشير هذه المواقف إلى إدراك سعودي لأهمية بقاء الدولة الوطنية قادرة على أداء وظائفها، إذ لا تستطيع اتفاقات السلام أن تؤدي غايتها إذا ظلت المؤسسات رهينة مراكز مسلحة متنافسة، ولا يمكن استعادة الاستقرار الإقليمي مع استمرار الحروب التي تتحول فيها المدن إلى ساحات اقتسام للنفوذ.
وتزداد هذه الاعتبارات إلحاحاً مع تجدد المواجهات في اليمن وتصاعد الأخطار التي تهدد الملاحة والمرافق المدنية، وهي تطورات تؤكد أن آثار المليشيات قد تتجاوز حدود البلدان التي نشأت فيها، وأن حماية سيادة الدول ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحماية أمن المنطقة بأسرها.
ما تعلّمنا إياه المليشيات
تختلف الجماعة الحوثية عن قوات الدعم السريع في المنشأ والعقيدة والبنية العسكرية والتحالفات الإقليمية، وتختلف ظروف اليمن عن ظروف السودان في كثير من تفاصيل التاريخ والمجتمع والسياسة، غير أن التجربتين تكشفان عن خطر واحد يتمثل في صعود السلاح خارج سلطة الدولة، ثم تحوله إلى وسيلة للاستيلاء على السلطة وإعادة تشكيل المجتمع وفق إرادة أصحابه.
لقد احتاج اليمنيون إلى عقود لبناء مؤسسات دولتهم الحديثة، واحتاج السودانيون إلى تضحيات متعاقبة للحفاظ على دولتهم ووحدتهم، ثم جاءت المليشيات لتضع ما بناه الناس عبر الأجيال تحت رحمة معارك لا يعرف أحد متى تنتهي ولا مقدار ما ستتركه من خراب.
وربما كانت أقسى مفارقات المشهد أن الحوثي الذي يرفع شعار الدفاع عن الأمة قد أرهق اليمنيين بحروبه، وأن الدعم السريع الذي يتحدث عن إنقاذ السودان قد ترك وراءه مدناً منكوبة ومجتمعات ممزقة، وكأن بعض حملة السلاح قد وجدوا في خراب أوطانهم الطريق الأقصر إلى المجد الذي يتخيلونه.
ويبقى الدرس الذي تكتبه صنعاء والفاشر بدماء أهلهما أن المليشيا تستطيع أن تستولي على مدينة، وأن تفرض سلطتها على الملايين، وأن تجمع المال والرجال والسلاح، لكنها تعجز عن انتزاع المحبة من شعبها وعن توريث الخوف صفة الشرعية، فالدولة تستطيع أن تنهض من ركام الحرب، أما الذين جعلوا من خرابها مشروعاً للسلطة فسوف يجدون أسماءهم في صفحات المأساة التي كتبوها بأيديهم.