عايض بن خالد المطيري
ليس كل من أساء إلى وطننا يستحق ردّنا، وليس كل منشور يستفزنا يستحق أن نمنحه من وقتنا وانتباهنا. أحيانًا نعتقد أننا نحارب الإساءة، بينما نمنحها - بحسن نية - أهم ما تبحث عنه في عالم المنصات: التفاعل والانتشار.
تمر أمامنا منشورات وحسابات تهاجم المملكة العربية السعودية، أو تنشر معلومات مضللة عنها، أو تمس حكومتها وقيادتها، وقد صيغ بعضها أصلًا بلغة استفزازية تستدرج السعودي إلى الغضب والرد. وهنا نندفع بدافع الغيرة على وطننا: نقرأ، ونعلّق، ونعيد النشر، ونرسل الرابط إلى الآخرين ونقول: «شاهدوا ماذا يقول!».
وهنا قد تتحول الرغبة في الدفاع إلى خدمة مجانية للمسيء، من حيث لا نقصد.
فالمنصة لا تعرف أن تعليقنا كُتب غضبًا، ولا أن إعادة نشرنا كانت استنكارًا؛ هي تتعامل مع إشارات سلوكية تساعد أنظمة التوصية على ترتيب المحتوى. وقد أظهرت أبحاث أن الخلاصات القائمة على التفاعل يمكن أن تضخّم المحتوى السياسي والمشحون بالغضب والمحتوى السام، كما رصدت دراسات لأنظمة التوصية تضخيمًا للمحتوى العاطفي والسام.
وهكذا قد نصنع بأيدينا «ترندًا» ضد وطننا ونحن نظن أننا نواجهه. حسابا هامشيا أو منشورا تافها كان يمكن أن يبقى في زاوية ضيقة، فإذا بمئات الغاضبين ينقلونه من شاشة إلى أخرى، حتى يصبح حديث الناس. لم ينتصر صاحبه بقوة حجته؛ نحن فقط منحناه جمهورًا لم يكن يملكه.
والأمر أخطر من «الترند» نفسه. حين نتوقف باستمرار عند هذا النوع من المنشورات، ونفتحها ونبحث عنها ونتفاعل معها، قد تلتقط أنظمة التوصية اهتمامنا بهذا النمط وتعيد إلينا محتوى قريبًا منه. وبعد فترة قد نجد حساباتنا ممتلئة بالإساءة والتشكيك والخصومات، فنظن أن هذا هو المشهد العام، بينما قد يكون جزء مما نراه انعكاسًا لمسار رقمي ساهمنا نحن في تشكيله.
وهنا مكمن الخطر الحقيقي: كثرة الضخ لا تجعل الباطل حقيقة، لكنها قد تجعل وجوده مألوفًا في بيئتنا الرقمية. ومع التكرار قد تضيق أمام الإنسان دائرة المعلومات التي يتعرض لها، أو تتشوّش لديه صورة حجم الظاهرة واتجاهات الآخرين. لذلك ينبغي ألا نخلط بين معرفة ما يقال وبين إغراق أنفسنا فيه، ولا بين الدفاع عن الوطن وبين منح المسيء إقامة يومية في هواتفنا وعقولنا.
بل قد يقع الإنسان في منطقة رمادية لا ينتبه إليها؛ يراقب الحسابات المسيئة يوميًا، وينقل ما تكتب، ويلاحق أصحابها ويرد عليهم، حتى يصبح - من حيث الأثر الرقمي لا النية - واحدًا ممن يساعدون على تداول محتواهم. وهنا تأتي المفارقة: قد نكون أشد الناس رفضًا لما يقولون، ومع ذلك نشارك في رفع حضوره وانتشاره.
ولا يعني هذا تجاهل المعلومة الكاذبة حين تستحق التصحيح، ولا ترك المخالفة دون إجراء. الوعي هنا هو أن نختار الوسيلة الأنفع: نتحقق أولًا، ونأخذ المعلومة من مصدرها الرسمي، وننشر الحقيقة بدل أن نعيد تدوير الإساءة، ونستخدم أدوات الإبلاغ عندما يكون المحتوى مخالفًا. وتوفر الجهات الرسمية في السعودية قنوات للإبلاغ عن الجرائم المعلوماتية والمعلومات الكاذبة والمحتوى الذي يمس الأمن أو الاستقرار.
الدفاع عن الوطن ليس مسابقة في عدد الردود، ولا كل مستفز يستحق أن نصنع منه خصمًا مشهورًا. أحيانًا يكون الرد ضروريًا، وأحيانًا يكفي التصحيح، وأحيانًا يكون الإبلاغ أجدى، وأحيانًا يكون أقسى رد على التافه أن نتركه بلا جمهور.
فانتبهوا لما تتوقفون عنده، وما تتداولونه، وما تمنحونه تفاعلكم؛ فقد تبدأ الحكاية بمنشور نريد الرد عليه، وتنتهي بترند صنعناه ضد وطننا… دون أن ندري.