ثويني النجباني
في غمرة الركض اليومي خلف تسارع الحياة، نادراً ما نتوقف لنقيس المسافة التي قطعناها، حتى تصدمنا تفصيلة عابرة تعيد ترتيب وعينا بالزمن، وتجعلنا نتساءل بذهول ممتزج بالوجل: «كم لبثنا؟!»
حدث ذلك حين سألتُ أحد فتية هذا الجيل، وببراءة عفوية، عن «شريط الكاسيت» أو «شريط المسجل». نظرتُ في عينيه لأرى علامات الاستفهام، وبحثت في ملامحه عن أي شرارة تذكر، فلم أجد سوى فراغ معرفي تام! الصغير لا يعرف ما هو الكاسيت. لم يره، لم يلمسه، ولم يسمع به قط.
هنا تحديداً، ضربتني الصدمة.
كيف لشيء كان «محور» وجودنا، وصندوق أسرارنا، ورفيق سفرنا، ومخزن عواطفنا، أن يتحول في غضون سنوات قليلة إلى «عدم» في ذاكرة الجيل الجديد؟ كيف انمحت ثقافة كاملة عشناها بحذافيرها، من لف الشريط بالقلم، وتصليحه باللاصق، وكتابة الإهداءات بخط اليد على الورقة البيضاء في الغلاف البلاستيكي؟
إنها السرعة المُرعبة للأيام.. تلك التي تسير بنا الهوينى دون أن نلحظ، حتى نلتفت فجأة فنجد أن عالمنا القديم قد أُحيل إلى التقاعد، وبات يُعرض في متاحف «الزمن الجميل».
العجيب في الأمر، أننا لم نشعر بهذه النقلة وهي تحدث. كنا نظن أننا نتطور مع التكنولوجيا خطوة بخطوة، ولم ننتبه إلى أن قطار الزمن كان يحذف وراءه قارات كاملة من تفاصيل حياتنا المادية.
جيل اليوم يعيش في وفرة رقمية لا نهائية، لا يستوعب معها أن هناك زمناً كان الصوت فيه يُخزن على شريط مغناطيسي أسود يدور بين بكرتين، وأن سعة هذا الشريط كانت محكومة بـ «وجه أول ووجه ثانٍ» لا تتعدى مدتهما ساعة من الزمن!
هذا المقال ليس بكاءً على الأطلال، بل هو وقفة تأمّلية في فلسفة الوقت. نحن الجيل الذي وقف على البرزخ الفاصل بين عالمين: عالم البطء الحميمي حيث للأشياء وزن ورائحة وملمس، وعالم السرعة الخاطفة حيث كل شيء رقمي عابر.
أن يجهل جيل اليوم شريط المسجل، هو جرس إنذار لطيف يذكرنا بأن أيامنا تمضي أسرع مما نظن، وأن ما نعتبره اليوم «قمة الحداثة» سيكون غداً بالنسبة لأبنائنا مجرد حكاية من حكايا التاريخ. فسبحان من يقلّب الليل والنهار، وسبحان من جعلنا نعيش حتى نرى تفاصيل عمرنا تصبح عتيقة في أعين الآخرين، ونحن ما زلنا نشعر بأننا عشناها.. بالأمس فقط.