د. هبة توفيق أبو عيادة
لم يعد الوصول إلى المعرفة امتيازًا نادرًا كما كان في السابق. فبضغطة زر، يستطيع الإنسان أن يصل إلى آلاف الكتب، والمحاضرات، والدراسات، والتجارب، وأن يسأل عن أي موضوع يخطر في باله، فيأتيه الجواب خلال ثوانٍ. لقد اختصر عصرنا مسافات طويلة بين السؤال والإجابة، وأصبح العالم كله تقريبًا مكتبة مفتوحة. ومع ذلك، تبدو المفارقة واضحة: كلما ازدادت قدرتنا على الوصول إلى المعرفة، لم يصبح الإنسان بالضرورة أكثر حكمة. فالمشكلة اليوم لم تعد في ندرة المعلومات، وإنما في كيفية التعامل معها، وفي القدرة على تحويلها إلى وعي وسلوك ومسؤولية.
قارئنا الكريم، قد يعرف الإنسان كثيرًا عن النجاح، لكنه لا يعرف كيف يتعامل مع الفشل. وقد يقرأ عشرات الكتب عن العلاقات الإنسانية، ثم يعجز عن الإصغاء لمن أمامه. وقد يتحدث عن أهمية الاحترام، لكنه يفقده عند أول خلاف. وقد يمتلك معرفة واسعة بأدوات العصر، لكنه يستخدمها بطريقة تؤذي نفسه أو الآخرين. وهنا يظهر الفرق بين أن تعرف الشيء وأن تكون أهلًا لاستخدامه.
فالمعرفة تمنحنا القدرة، لكنها لا تضمن حسن استخدامها. والسؤال الأخلاقي يبدأ تحديدًا في اللحظة التي نمتلك فيها القدرة على الفعل. وأن تعرف كيف ترد لا يعني أن الرد هو الخيار الأفضل. وأن تستطيع الوصول إلى معلومة عن شخص آخر لا يعني أن من حقك استخدامها. وأن تملك منصة واسعة للتعبير لا يعني أن كل ما يخطر في بالك يستحق أن يتحول إلى كلمات منشورة.
في الماضي، كان الإنسان قد يعجز عن الفعل لأنه لا يملك الوسيلة. أما اليوم، فكثير من الأفعال أصبحت ممكنة، وهنا تكمن مسؤولية جديدة: أن نمتلك القدرة على الامتناع. وهذا أحد أعمق معاني النضج. أن تستطيع ولا تفعل، لأنك أدركت أن الفعل ليس صحيحًا. أو أن تستطيع الرد، وتختار الصمت لأنك عرفت أن بعض المعارك لا تستحق. أو أن تستطيع كشف خطأ الآخر، لكنك تختار أن تنصحه بدل أن تفضحه. أو أن تعرف نقطة ضعف إنسان، ثم تستخدم معرفتك لحمايته لا لإيذائه. إنها مرحلة تتجاوز المعرفة إلى الحكمة.
ولعل هذا ما نحتاج إلى أن نعيد التفكير فيه حين نتحدث عن التعليم. فهل يكفي أن نخرّج طالبًا يعرف الإجابة الصحيحة؟ أم نحتاج إلى إنسان يعرف أيضًا متى يستخدمها، وكيف يستخدمها، وما أثرها في الآخرين؟ فالشهادة مهمة، والمعرفة ضرورة، والتخصص أساس لبناء المجتمعات، لكن كل ذلك يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا لم يصاحبه وعي بالمسؤولية.
قارئنا الفاضل، ما قيمة طبيب بارع إذا فقد إنسانيته مع مريضه؟ وما قيمة المعلم إذا كان يزرع الخوف بدل الفضول؟ وما قيمة القائد إذا استخدم معرفته ليحكم الناس لا ليخدمهم؟ وما قيمة المعرفة الرقمية إذا جعلت الإنسان أكثر اندفاعًا وأقل قدرة على التفكير؟
ربما لهذا السبب لم يعد التحدي الحقيقي أمام الأجيال الجديدة هو الحصول على المعلومات، وإنما تمييز ما يستحق أن يُعرف، وما يستحق أن يُصدَّق، وما يستحق أن يُقال، وما ينبغي أن يبقى خارج دائرة الفعل. وفي زمن الذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا. فالآلة تستطيع أن تساعدنا في الوصول إلى المعلومات، وأن تلخص، وتقارن، وتحلل، وتقترح، بل وتنتج نصوصًا وصورًا وأفكارًا في وقت قياسي. وإذا أصبحت المعرفة والأدوات متاحة على نطاق غير مسبوق، فإن قيمة الإنسان لن تكون في قدرته على الوصول إلى المعلومة وحدها. ستكون في حكمه على المعلومة، وفي اختياره، وفي ضميره، وفي الطريقة التي يوظف بها ما يمتلكه. وهنا ربما نكتشف أن المستقبل لا يحتاج فقط إلى أشخاص أكثر ذكاءً، بل إلى أشخاص أكثر وعيًا بما يفعلون بذكائهم. فالذكاء يستطيع أن يجد الطريق، لكن الحكمة تسأل: هل هذا هو الطريق الذي ينبغي أن نسلكه؟ والمعرفة تستطيع أن تخبرنا بما يمكن أن نفعله، لكن القيم وحدها تستطيع أن تضع أمامنا السؤال الأصعب: هل ينبغي أن نفعل؟ لهذا، ربما آن الأوان أن نغيّر تعريفنا للنجاح.
ختامًا، ليس النجاح أن تعرف أكثر من غيرك، ولا أن تملك معلومات أكثر، ولا أن تصل إلى الإجابة أسرع. إن النجاح الحقيقي أن تجعل ما تعرفه سببًا في أن تصبح إنسانًا أفضل، وأن تجعل قدرتك مصدر نفع لا مصدر أذى، وأن تترك أثرًا يثبت أن المعرفة حين تلتقي بالحكمة يمكن أن تصنع فرقًا حقيقيًا. فالمعرفة تفتح الأبواب، نعم، لكنها لا تخبرنا دائمًا أي الأبواب ينبغي أن ندخل. وهنا تبدأ الحكمة.