أنور بن أحمد البدي
تشتت الانتباه، وفرط الحركة، وتحسس العين، وفقدان الشهية، وسوء التغذية، وقلة النوم، واضطراب الصحة النفسية، وتراجع الترابط الاجتماعي… كل هذه المشكلات وأكثر، لها متهم واحد في مجالس الناس، تشير إليه أصابع الاتهام دون تردد. إنه التقنية، والجوال تحديدًا!
لكن، هل وُجدت التقنية لتُحدث كل هذه الأضرار؟ وهل الحقيقة أن التقنية هي السبب، أم أن هناك سببًا آخر نغفل عنه؟
لقد أحدثت التقنية ثورة في عالم الإنجاز، واختصرت الوقت والجهد، وذلّلت كثيرًا من المعوقات، وسهّلت العديد من المصاعب التي كانت تعترض طريق الإنسان. وإذا كانت هذه هي حقيقة التقنية، فلماذا نتهمها بأنها أفسدت حياتنا؟ وهل نضع اللوم على الأداة، أم على الطريقة التي نستخدمها بها؟
لم تكن التقنية هي السبب، بل طريقة الاستخدام هي التي صنعت المشكلة.
حين نتخلى عن مسؤولياتنا تجاه أطفالنا، ونهمل متابعتهم، ونتنازل عن دورنا في تنظيم استخدامهم للأجهزة، نكون نحن السبب الحقيقي. وحين نغض الطرف عن الأضرار التي قد يسببها الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات، ولا نبالي بذلك، ما دام الهدوء يسود المكان، ولا يصدر عن أطفالنا صراخ أو بكاء، فإننا نساهم في صناعة المشكلة بأيدينا.
نترك الأجهزة في أيديهم، لا لأننا نجهل أهمية اللعب والحركة، بل لأننا نبحث أحيانًا عن راحتنا، ولو كان ثمنها حرمان الطفل من أبسط حقوقه في طفولته الطبيعية.
فالطفل يحتاج إلى الحركة واللعب والتفاعل مع محيطه، ويحتاج إلى أن يفرغ طاقته، ويكتشف العالم من حوله، ويبني علاقاته الاجتماعية. وحين نقيّده بالشاشات، ونختزل عالمه في جهاز صغير، فإننا نحرم نموه من جوانب مهمة، ثم نعلّق أخطاءنا على شماعة التقنية.
وهكذا، نصنع من التقنية متهمًا، ونضعها على المشنقة، لتكون المجرم الذي نحمّله تبعات إهمالنا وتخلينا عن مسؤولياتنا تجاه أبنائنا.
إن المشكلة ليست في وجود التقنية، بل في غياب الوعي الذي يضبط استخدامها، وفي التنازل عن دور الأسرة في التوجيه والمتابعة، وفي الخلط بين توفير وسائل الترفيه للأطفال وبين أداء واجبنا في تربيتهم ورعايتهم.
للتقنية وجهان؛ وجه يبني ويطوّر، وآخر قد يهدم ويدمّر. وبين الوجهين يقف الإنسان، بوعيه ومسؤوليته، ليحدد أي الطريقين يسلك.
فالتقنية لا تختار نيابة عنا، بل نحن من يختار كيف يستخدمها، وأي أثر يتركه بها في حياتنا وحياة أبنائنا.