«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
برعاية صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة رئيس مجلس إدارة هيئة الأفلام، تستعد الرياض لاستضافة النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي 2026 يومي 28 و29 أكتوبر الجاري، في استوديوهات جاكس للأفلام، تحت شعار «لقاء صُنّاع المشهد»، بإشراف هيئة الأفلام وتنظيم شركة بنش مارك، بمشاركة قيادات القطاع وصنّاع القرار والمنتجين والمخرجين وكتّاب السيناريو والمختصين في المجالات الفنية والتقنية والاستثمارية.
ولا تأتي الدورة الجديدة للمنتدى في فراغ ثقافي أو اقتصادي؛ فالسينما السعودية خلال السنوات الأخيرة انتقلت من سؤال استعادة حضورها إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف تتحول الحركة السينمائية إلى صناعة لها اقتصادها ومؤسساتها ومواهبها وبنيتها التحتية وسوقها وجمهورها؟ ومن هذه الزاوية، تبدو أرقام المنتدى نفسه كاشفة عن التحول؛ إذ شهدت دوراته الثلاث السابقة توقيع 94 اتفاقية تجاوزت قيمتها الإجمالية مليار ريال، بما يعكس انتقال اللقاء من مساحة للتعارف وتبادل الأفكار إلى منصة ترتبط مباشرة بحركة الاستثمار والشراكات والمشروعات.
ويجمع المنتدى في نسخته الرابعة أطراف المنظومة السينمائية في مكان واحد؛ من شركات الإنتاج والتوزيع ومزودي الخدمات الفنية والتقنية، إلى المستثمرين وصناديق التمويل والمؤسسات التعليمية والجهات الحكومية، إلى جانب المنتجين والمخرجين وكتّاب السيناريو وسائر العاملين في دورة صناعة الفيلم. ويتضمن البرنامج مؤتمرًا بجلسات حوارية، ومعرضًا للشركات العاملة في القطاع، وورش عمل متخصصة، بما يجعل المنتدى مساحة تجمع بين المعرفة وصناعة القرار والأعمال والإبداع.
وتكتسب استضافة المنتدى في أستوديوهات جاكس للأفلام دلالة تتجاوز المكان؛ فالاستوديو نفسه يجسد أحد التحولات الأكثر وضوحًا في البنية التحتية للسينما السعودية. ويضم مركز الإنتاج في الرياض مسرحين صوتيين تبلغ مساحة كل منهما 1,500 متر مربع، إضافة إلى مرافق الإنتاج والتحضير وقاعة عرض سينمائي ومكاتب متخصصة، بما يوفر بيئة إنتاج متكاملة للمشروعات المحلية والدولية.
وفي نوفمبر 2025، أضيف إلى «جاكس» أحد أكثر عناصر البنية التقنية تطورًا، مع افتتاح منصة للإنتاج الافتراضي بالتعاون مع «بيكسوموندو» و«سوني»، تعتمد على 2,720 لوحة LED من تقنية Sony VERONA Crystal LED، بدقة بكسل تبلغ 2.3 ملم، ضمن مسرح يبلغ عرضه 23 مترًا وعمقه 27.5 مترًا وارتفاعه 10 أمتار، مع أنظمة لتتبع الكاميرات والمعالجة الفورية والمؤثرات البصرية داخل الكاميرا. وتتيح هذه التقنية بناء بيئات تصوير افتراضية عالية الدقة بدل الانتقال الفعلي إلى مواقع متعددة، وهو تحول لا يختصر وقت الإنتاج فحسب، بل يوسع كذلك اللغة البصرية الممكنة أمام صانع الفيلم.
وتكشف بيانات هيئة الأفلام عن اتساع القاعدة التي يقف عليها هذا التحول؛ ففي عام 2024 تجاوز عدد تذاكر السينما المباعة في المملكة 17.5 مليون تذكرة، عبر 64 موقعًا سينمائيًا و630 شاشة، فيما ارتفع عدد شركات الإنتاج إلى 65 شركة، وبلغت البنية التحتية 17 استوديو للإنتاج و37 مسرحًا صوتيًا. كما شهد العام نفسه فوز أفلام سعودية بـ50 جائزة في مهرجانات دولية، في مؤشر على أن الإنتاج المحلي بدأ يتعامل مع السينما باعتبارها خطابًا ثقافيًا قابلًا للوصول إلى الجمهور العالمي، لا مجرد منتج ترفيهي محلي.
وفي الجانب الاقتصادي، دعمت برامج الحوافز السينمائية 64 مشروعًا، وأسهمت في توليد أكثر من 1.08 مليار ريال من الإنفاق المحلي. وتشير بيانات الأثر الاقتصادي لبرامج الحوافز والمنح إلى توليد متوسط بلغ نحو 1,230 وظيفة سنويًا بين 2020 و2024، بينها قرابة 950 وظيفة من برنامج الحوافز و280 وظيفة من برنامج «ضوء»، فيما شارك أكثر من 2,500 من أفراد طواقم العمل في مشروعات إعلامية خلال 2024، بدعم من أكثر من 500 شركة محلية و450 شركة دولية.
ولا يتوقف الأثر عند صناعة الفيلم نفسها؛ إذ تشير دراسة الأثر الاقتصادي إلى أن كل خمس وظائف في إنتاج الأفلام يمكن أن تولد وظيفتين إضافيتين في قطاعات مرتبطة، وهو ما يضع السينما داخل شبكة أوسع من الأنشطة الاقتصادية تشمل الضيافة والسفر والخدمات اللوجستية والتقنية والمطاعم والتسويق وغيرها. وسجلت الإنتاجات المستفيدة من برامج الحوافز والمنح إنفاقًا تجاوز مليار ريال خلال الفترة 2020–2024، إلى جانب أكثر من 2,000 ليلة فندقية و1,000 رحلة داخلية ارتبطت بالنشاط السينمائي خلال 2023 و2024.
أما الجمهور، فيمثل بدوره طرفًا أساسيًا في معادلة الصناعة؛ فعودة دور السينما لم تكن مجرد إضافة إلى المشهد الترفيهي، بل أوجدت سوقًا جماهيرية للفيلم، بينما أخذت المهرجانات والبرامج التدريبية والمنح والاستوديوهات تؤسس تدريجيًا لبيئة يستطيع فيها المبدع أن يجد مساحة للتعلم والتجريب والإنتاج والعرض.
وفي هذا السياق، تبدو قيمة المنتدى في قدرته على وصل الحلقات التي لا يكتمل الفيلم من دونها؛ فالفكرة تحتاج إلى كاتب، والكاتب إلى منتج، والمشروع إلى تمويل، والإنتاج إلى استوديو وتقنيات ومواهب، والفيلم بعد ذلك إلى موزع وجمهور وسوق. ومن هنا فإن اجتماع هذه الأطراف في منصة مهنية واحدة يختبر قدرة الصناعة على الانتقال من المشاريع الفردية إلى منظومة أكثر ترابطًا واستدامة.
ويكتسب البعد الثقافي أهمية خاصة في هذه المرحلة؛ فالفيلم لا ينقل قصة فحسب، وإنما يعيد تشكيل علاقة المجتمع بذاكرته وأمكنته وشخصياته وتحولاته. ومع نمو صناعة الأفلام السعودية، تتسع معها إمكانية أن تصبح البيئة المحلية مادة سردية وبصرية؛ من المدن القديمة والعمارة والبحر والصحراء إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية وأسئلة الإنسان السعودي المعاصر، وفي المقابل، تمنح الصناعة السينمائية المملكة قدرة أكبر على استضافة قصص وتجارب من خارجها، لتتحول البلاد إلى موقع للإنتاج والتبادل الثقافي، وليس مجرد سوق عرض.
وتشير تجربة المنتدى نفسها إلى هذا التحول؛ فالـ94 اتفاقية التي تجاوزت قيمتها مليار ريال خلال دوراته السابقة تمثل جانبًا من حركة الشراكات، بينما تمثل الاستثمارات في الاستوديوهات والتقنيات والمواهب جانبًا آخر من بناء البيئة التي تسمح باستمرار هذه الصناعة. كما أن منتدى الأفلام السعودي 2024 استقطب نحو 70 ألف زائر وشهد توقيع 24 اتفاقية بقيمة 226 مليون ريال، وفق التقرير السنوي لهيئة الأفلام عن قطاع 2024.
وهكذا تأتي نسخة 2026 في لحظة مختلفة عن البدايات؛ فالصناعة أصبحت تمتلك جمهورًا، وشركات إنتاج، واستوديوهات، ومسرحًا صوتيًا، وتقنيات إنتاج افتراضي، وبرامج حوافز، ومهرجانات، ومواهب تتجه إلى التخصص، وأفلامًا بدأت تحصد الاعتراف خارج المملكة. ويبقى التحدي التالي في تحويل هذا النمو إلى استدامة؛ بحيث لا يكون النجاح مرتبطًا بعدد الفعاليات أو الاتفاقيات وحدها، بل بقدرة السوق على إنتاج أفلام ذات قيمة فنية، وجاذبية جماهيرية، وجدوى اقتصادية، وحضور دولي.
ومن هذه الزاوية، يضع «منتدى الأفلام السعودي 2026» أمام المشاركين سؤالًا أوسع من صناعة فيلم جديد: كيف يمكن بناء صناعة تنتج أفلامًا سعودية قادرة على المنافسة، وفي الوقت نفسه تحافظ على خصوصية المكان والذاكرة والإنسان؟ وكيف تتحول التقنية ورأس المال والبنية التحتية إلى أدوات تخدم الحكاية، لا بدائل عنها؟
ذلك أن صناعة السينما، في جوهرها، ليست صناعة للصور وحدها؛ إنها صناعة للذاكرة والخيال والمعنى، وكلما امتلكت المجتمعات أدوات سرد قصصها، امتلكت جزءًا أكبر من قدرتها على تقديم صورتها إلى العالم.