د. أماني بنت خلف الغامدي
حين بدأت في عام 2015 الإشراف على دراسة نوعية عُنيت بدراسة واقع «التعليم المستند إلى الدماغ لدى معلمات العلوم في رأس تنورة- وهو المشروع الذي تُوّج لاحقًا بجائزة أفضل رسالة ماجستير في كلية التربية جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل لعام 2020- كان الميدان هو الهاجس الأكبر الذي يؤرقني، وكان السؤال: كيف نردم الهوة السحيقة بين ما تثبته أبحاث فسيولوجيا الدماغ في المختبرات، وبين ما يُمارس يوميًا داخل الفصول الدراسية؟ وبالتالي كيف نحمي مدارسنا من موجة «الخرافات العصبية» (Neuromyths) التي تسللت تحت مسميات تربوية برّاقة تفتقر للسند البيولوجي؟
واليوم ومع ما يشهده التعليم العالي في المملكة من تحولات إستراتيجية كبرى في ظل رؤية 2030 وبرنامج تنمية القدرات البشرية، يتأكد لي أن تلك التساؤلات التي بدأناها مبكرًا لم تكن مجرد ترف أكاديمي، بل كانت استشرافًا لحاجة وطنية ملحّة تتجاوز حدود التخصصات الأحادية المنعزلة. ولعل استقراء التجارب العالمية الرائدة في هذا المضمار يمنحنا بوصلة تطبيقية واضحة؛ وفي مقدمتها التجربة الاستثنائية لـ جامعة ويسترن (Western University) في مقاطعة أونتاريو الكندية.
ويأتي نموذج جامعة «ويسترن» الكندية الذي كسر الأسوار بين الطب والتربية و تجربة الجامعة، والذي يمتد لأكثر من 15 عامًا، ويعدّ اليوم مرجعًا عالميًا في سد الفجوة بين علوم الأعصاب والتطبيقات التربوية من خلال شراكة متكافئة جمعت بين كليتي التربية، وكلية «شولك» للطب وطب الأسنان، وبين معهد «برينسيك» للأبحاث الدماغية (Brain and Mind Institute) حيث قدمت الجامعة من خلال هذه الشراكة خريطة طريق للتكامل بين العلوم العصبية والتربوية في جامعاتنا، فلا يكون الهدف تدريب التربويين على مفاهيم طبية صماء فحسب، ولا استعراض نتائج الرنين المغناطيسي أمام المعلمين، بل تأسيس مظلة حقيقية لحقل «علوم الأعصاب التربوية» (Educational Neuroscience) تقوم على أسس أولها التعيين المشترك لأعضاء هيئة التدريس (Joint Appointments)، وربط أساتذة وباحثين بكليتي الطب والتربية في آن واحد؛ لضمان حضور البعد العصبي في مناهج إعداد المعلمين، وحضور الواقع الصفي في أبحاث الدماغ. ثم المختبرات التشاركية وتأسيس مختبرات نوعية رائدة (كمختبر علوم الأعصاب الإدراكية التربوية الموجود في الجامعة هناك)؛ لدراسة كيفية تطور مهارات القراءة والحساب والآليات العصبية لصعوبات التعلم كالديسلكسيا. ومن ثم يأتي دور الإشراف الأكاديمي التكاملي من حيث تصميم رسائل ماجستير ودكتوراه يُشرف عليها باحثون من كلية الطب ومن كلية التربية؛ لضمان معالجة الإشكالية التربوية بأدوات القياس العصبي الدقيقة.
ويبقى السؤال كيف نستفيد من التجربة الكندية في الجامعات السعودية؟ وهل نظام الجامعات الجديد ومرونة الهياكل الأكاديمية المستهدفة سيفتح الباب واسعًا أمام جامعاتنا لتقود هذا التحول على المستوى الإقليمي. أو أن التكامل بين الطب والتربية سيبقى مجرد رغبات معنوية، وبالتالي كيف يمكن مأسسته وتنفيذه؟
لا شك لدي أن الربط بين مبضع جراح الأعصاب، وقلم خبير المناهج ليس خيالًا علميًا، بل هو استثمار في أثمن ما تملكه الأمم وهو رأس المال البشري؛ الإنسان ودماغه المفكر. وإن ما بدأناه من دراسة علمية في مدارسنا بصفة تجربة استكشافية عام 2015 يجد اليوم بوابته الكبرى ليتحول إلى إستراتيجية مؤسسية تجمع كلياتنا الطبية والتربوية في صرح معرفي واحد يعيد صياغة المستقبل، أو من خلال دراسات عليا بينية. فهل من مستجيب؟
** **
أستاذ المناهج وطرق التدريس - جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل