حذامي محجوب
إن إرادة الحياة عنده ليست رغبة عابرة في التخلص من الألم، بل رفض لأن يصبح الألم قدرا نهائيا.
وليست غضبا من الواقع فحسب، بل إيمان بأن الواقع قابل للمراجعة، وأن ما صنعه الإنسان من قيود يمكن للإنسان أن يسعى إلى كسرها، وأن التاريخ ليس بابا أغلقه الماضي، بل طريق تظل فيه أمام الأجيال فرصة لإعادة الاختيار.
ومع ذلك، فإن عمق الشابي يقتضي ألا نختزل قصيدته في وعد بأن كل إرادة تنتصر بالضرورة، أو أن كل شعب يريد التغيير يجد الطريق إليه ممهّدًا.
فالحياة أكثر تعقيدا من أن تستجيب للأمنيات وحدها، والحرية تحتاج إلى وعي وعمل وصبر، وإلى مؤسسات تحميها، وثقافة تصونها، ومسؤولية تجعلها حقا مشتركًا لا امتيازًا لفئة دون أخرى.
إن قيمة الشاعر ليست في أنه يختصر الواقع في بيت من الشعر، وإنما في أنه يفتح أمامنا نافذةً نرى منها إمكانات الواقع.
وما يفعله الشابي هو أنه يعيد إلى الإرادة كرامتها، ويذكّر الإنسان بأن عجزه لا ينبغي أن يصبح فلسفته، وأن الظروف مهما اشتدت لا تعفيه من التفكير في طريق آخر.
ولذلك لم تبقَ «إرادة الحياة» ملكًا لتونس وحدها، على الرغم من أن تونس منحتها مكانتها الوطنية الخاصة، بل عبرت الحدود لأن الشعوب، مهما اختلفت لغاتها وتجاربها، تتشابه في حاجتها إلى الكرامة، وفي خوفها من القهر، وفي توقها إلى مستقبل تستطيع أن تسهم في صنعه.
لقد جعل الشابي من تجربة محلية قصيدةً ذات أفق إنساني، ومن إحساس فردي لغة مشتركة، ومن صوت شاعر شاب صدىً يتجدد كلما شعر الناس بأن حياتهم تستحق أكثر مما يمنحهم الواقع.
وهنا تكمن إحدى أعظم وظائف الشعر: أن يحوّل التجربة الخاصة إلى شعور مشترك، وأن يجعل الكلمات التي خرجت من قلب فرد قادرة على السكن في قلوب الملايين. فالشاعر لا يستطيع أن يعيش حياة كل إنسان، لكنه يستطيع أن يكتب ما يجعل الآخرين يتعرفون إلى حياتهم في قصيدته، لا يستطيع أن يحمل عنهم آلامهم، لكنه يستطيع أن يمنحها لغةً تخرج بها من العزلة، ولا يستطيع أن يصنع لهم مستقبلهم، لكنه يستطيع أن يوقظ فيهم السؤال عن المستقبل الذي يريدونه.
وإذا كانت «إرادة الحياة» قد منحت الشابي حضوره الأوسع، فإن بقية تجربته تكشف لنا أن هذا الشاعر لم يكن صوتا واحدا، ولا فكرة واحدة، ولا قصيدة واحدة.
ففي شعره الحب بما فيه من شوق وحرمان، والجمال بما فيه من فتنة وقلق، والحزن بما فيه من تأمل، والتمرد بما فيه من رغبة في التحرر من كل ما ينتقص من إنسانية الإنسان.
كان يرى أن الحياة ليست معركة سياسية فقط، بل معركة داخلية أيضا، معركة الإنسان مع خوفه، ومع استسلامه، ومع ما يفرضه على نفسه من قيود حتى يرضى عنه الآخرون.
وربما لهذا السبب نجد في شعره ذلك التوتر بين الرغبة في الانطلاق والشعور بالألم، بين الحلم بالحرية والإحساس بثقل الواقع، بين قلب يريد أن يمنح الحياة كل ما فيه من حب، وجسد يذكّره بأن الزمن ليس مفتوحا إلى الأبد.
إن الشابي، في جوهره، شاعر التناقضات الإنسانية الجميلة والمؤلمة. فهو يعرف أن الحياة جميلة، لكنه لا يغفل عن قسوتها، ويحب الحرية، لكنه يعرف أن الطريق إليها ليس سهلا، ويبحث عن الخلود من خلال الشعر، فيما يدرك أن الإنسان فانٍ. وهذه التناقضات هي التي تمنح تجربته صدقها، لأن الشعر العظيم لا يولد دائما من الانسجام، بل قد يولد من الصراع بين ما نريده وما نستطيع بلوغه، بين ما نحلم به وما يسمح به الواقع، بين محدودية العمر واتساع الرغبة في الحياة.
ولعل أكثر ما يوجع في سيرة الشابي أن رحيله جاء قبل أن يبلغ العمر الذي تنضج فيه تجارب كثيرة من الشعراء، وقبل أن تتاح له فرصة متابعة مشروعه الأدبي والفكري على امتداد سنوات أخرى.
لقد رحل في التاسع من أكتوبر سنة 1934، في تونس العاصمة، وهو في الخامسة والعشرين، تاركا وراءه أسئلة عن الأعمال التي كان يمكن أن يكتبها، والقصائد التي كان يمكن أن يولدها، والتحولات التي كان يمكن أن يشهدها لو امتد به العمر.
لكننا، ونحن نتأمل هذا الرحيل المبكر، ينبغي ألا نحصر الشاعر في مأساة موته. فالحياة التي عاشها على قصرها، لم تكن مجرد انتظار للنهاية، وإنما كانت حياة مملوءة بالتأمل والقراءة والكتابة والحب والقلق والأسئلة. لقد ترك لنا تجربة تستحق أن تُقرأ في غناها، لا أن تُختصر في الحزن على ما لم يتحقق منها.
وليس من العدل أن ننظر إلى الشابي باعتباره شاعرًا كان يمكن أن يصبح شيئًا أكبر لو عاش طويلا، فقد أصبح بالفعل جزءًا من الذاكرة الأدبية العربية، وامتلك مكانته من خلال ما أنجزه، لا من خلال ما نتخيله من أعمال لم يكتبها.
إن ما بقي منه كافٍ لأن يدلنا على طاقته، وأن يجعلنا نتأمل كيف يمكن للكلمة الصادقة أن تتجاوز حدود العمر، وكيف يستطيع الإبداع أن يترك في الزمن أثرًا لا يقاس بعدد السنوات.
أما تونس، فإن علاقتها بالشابي تتجاوز الاحتفاء السنوي بذكرى ميلاده أو وفاته. فهذا الشاعر واحد من الوجوه التي منحت الثقافة التونسية حضورًا في العالم العربي، وجعلت من لغتها وإبداعها جزءًا من الحوار الثقافي الأوسع.
لقد خرج من الجنوب التونسي، من مدينة الواحات والنخيل، ليصل صوته إلى قراء في المشرق والمغرب، وكأن القصيدة قد حملت معه شيئًا من رائحة الأرض التي ولد فيها، ثم تركته في أمكنة لم تطأها قدماه.
وهذه هي قوة الثقافة حين تكون حيّة : إنها لا تحتاج إلى جواز سفر كي تعبر، ولا إلى حدود كي تصل، ولا إلى سلطة كي تمنحها المعنى. يكفي أن تكون صادقة، عميقة، وقادرة على لمس الإنسان في جوهره، حتى تصبح جسرًا بين الشعوب.
والشابي، الذي ظل اسمه مرتبطًا بتونس، استطاع أن يجعل من خصوصيته التونسية طريقًا إلى فضاء عربي وإنساني رحب، من دون أن يفقد جذوره أو يتخلى عن ملامح تجربته.
وفي زمن نحتاج فيه إلى أن تكون الثقافة وسيلة للتقارب بين الناس، تبدو تجربة الشابي تذكيرًا بأن الأوطان لا تُعرف بما تنتجه من ثروة مادية فقط، وإنما أيضا بما تمنحه للعالم من أفكار وأشعار وفنون.
فهناك قصائد قد تفعل في الذاكرة ما لا تفعله الخطب، وهناك كلمة تستطيع أن تقرّب بين إنسانين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات، لأن كليهما وجد فيها شيئًا من نفسه.
إن الوفاء للشابي لا يكون بإعادة نشر صورته وحدها، ولا بترديد أبياته في المناسبات الوطنية، ولا بتحويله إلى اسم محفوظ في الكتب المدرسية.
الوفاء الحقيقي أن نمنح الشعر مكانته في حياتنا، وأن نفتح أمام الأجيال أبواب القراءة، وأن ندرك أن المجتمعات التي تحتفي بمبدعيها ينبغي أن تحمي أيضًا حرية الإبداع، وأن تفسح المجال أمام الأسئلة الجديدة، وأن تسمح للكلمة بأن تكون حرة في البحث عن الحقيقة والجمال.
فالشاعر الذي نحتفي اليوم بجرأته في التفكير كان في زمنه شابًا يقرأ ويكتب ويجادل، ويبحث عن صيغة جديدة للتعبير عن الإنسان.
ومن حق الأجيال التي تأتي بعده أن تجد بيئةً تستطيع فيها أن تفعل الشيء نفسه، وأن تكتب قصائدها الخاصة، وأن تعبّر عن أسئلتها بلغتها، لا أن تكتفي بتكرار ما قاله السابقون.
إن الثقافة التي تكتفي بتقديس ماضيها قد تتحول، من حيث لا تدري، إلى ثقافة تخشى مستقبلها.
أما الثقافة الحيّة فهي التي تحترم تراثها من دون أن تسجنه، وتحتفي بشعرائها من دون أن تجعلهم نهاية الطريق، وتمنح المبدعين الجدد الحق في أن يختلفوا، وأن يجربوا، وأن يخطئوا، وأن يكتشفوا أشكالًا أخرى للجمال والمعنى.
ولعل هذه إحدى الرسائل التي نستطيع أن نستخلصها من حياة الشابي : أن الإبداع يحتاج إلى الشجاعة، وأن الشجاعة لا تعني غياب الخوف، بل القدرة على مواصلة الطريق رغم وجوده، وأن الحياة لا تمنح الإنسان دائمًا ما يتمناها، لكنها تترك له فرصة أن يصنع من تجربته شيئًا يستحق البقاء.
في ذكرى رحيله، أتخيل الشابي واقفًا على تخوم الزمن، ينظر إلى قصائده وهي تنتقل من جيل إلى جيل، وربما كان سيسعده أن يرى كيف وجدت كلماته طريقها إلى الناس، وكيف أصبحت بعض أبياته جزءًا من ذاكرة وطنه، وكيف صار صوته رفيقًا لكل من يبحث عن فسحة من الأمل في زمن يضيق فيه الأفق.
لكنني أتخيله أيضا يسألنا عمّا فعلناه بهذه الكلمات.
هل جعلنا من إرادة الحياة عملًا يبني، أم اكتفينا بأن نجعلها عبارة نرفعها حين نحتاج إلى الحماسة؟ هل جعلنا من الحرية قيمة نحميها للجميع، أم أردناها لأنفسنا وحدنا؟ وهل تعلمنا من الشعر أن الإنسان يستحق أن يُعامل بكرامة، وأن الاختلاف لا ينتقص من قيمة أحد، وأن الجمال ليس ترفا في حياة الشعوب، بل إحدى علامات عافيتها؟.
ربما لا يستطيع الشعر أن يجيب عن كل أسئلتنا، لكنه يستطيع أن يمنعنا من نسيانها. وهذه، في عالم سريع النسيان، مهمة لا تقل شأنا عن أي مهمة أخرى. فالشعر يحفظ ما تخشى الذاكرة أن تفقده، ويمنح المشاعر العابرة شكلًا يبقى، ويعيد إلينا، وسط ضجيج الحياة، صوتا هادئًا يذكّرنا بما هو جوهري.
وحين نعود إلى أبي القاسم الشابي اليوم، فإننا لا نعود إلى شاعر غادرنا قبل عقود طويلة، بل إلى تجربة ما زالت تتحرك فينا. نعود إلى شاب أحب الحياة على الرغم من ألمه، وإلى شاعر رأى في الحرية شرطًا للوجود، وإلى إنسان لم يسمح لقصر العمر أن يحكم على قيمة ما يستطيع أن يمنحه للعالم.
لقد رحل الشابي، لكن قصيدته لم ترحل، لأن القصيدة حين تبلغ وجدان الناس لا تعود ملكًا لصاحبها وحده.
تصبح جزءًا من حياتهم، يقرؤونها بعيون مختلفة، ويمنحونها معاني جديدة، ويعودون إليها كلما احتاجوا إلى أن يستعيدوا شيئًا من إيمانهم بالحياة.
وهكذا، لم يعد أبو القاسم الشابي مجرد شاعر تونسي نحيي ذكرى وفاته في التاسع من أكتوبر، بل صار أحد أولئك الذين يثبتون لنا أن العمر لا يُقاس بما نعيشه من سنوات، وإنما بما نوقظه في حياة الآخرين.
بعض الناس يعيشون طويلا ثم لا يتركون سوى ذكرى باهتة، وبعضهم يعبرون الدنيا سريعا، لكنهم يتركون في أرواحنا نافذةً لا تُغلق.
كان الشابي من هؤلاء الذين جعلوا من القصيدة حياةً أخرى، ومن الألم لغةً، ومن الحلم موقفا، ومن الكلمة جسرًا يعبر عليه الإنسان من واقعه إلى إمكاناته.
وربما كانت أعظم مفارقات حياته أنه غادر العالم قبل أن يرى كثيرًا مما حلم به، لكنه ترك لنا ما يساعدنا على مواصلة الحلم.
وفي النهاية، لا أريد أن أتذكر أبا القاسم الشابي شاعرًا تحدى الموت فحسب، بل شاعرًا أحب الحياة إلى الحد الذي جعله يكتب لها، ويغني لجمالها، ويحتج على كل ما ينتقص منها. أريده حاضرًا في ذاكرتنا بوصفه ذلك الصوت الذي يقول لنا إن الإنسان ليس ما تفرضه عليه الظروف وحدها، وإن داخله دائما مساحة يستطيع أن يحمي فيها حلمه، وأن يرفض فيها الاستسلام، وأن يبدأ منها طريقا جديدا.
فما أجمل أن يرحل الإنسان وتبقى منه قصيدة، وما أعمق أن تتحول القصيدة إلى ذاكرة شعب، وما أندر أن تصبح كلمات شاعر شاب جزءًا من اللغة التي يخاطب بها الناس مستقبلهم.
أبو القاسم الشابي لم يعد إلى الحياة، لكنه لم يغادرها تماما. إنه حاضر في كل قلب يرفض أن يتصالح مع اليأس، وفي كل روح تبحث عن الجمال وسط القسوة، وفي كل إنسان يؤمن بأن الكرامة تستحق الدفاع عنها، وبأن الأمل ليس وعدًا بأن الطريق سيكون سهلًا، بل شجاعة السير فيه.
لذلك، فإن ذكرى رحيله ليست نهاية لحكاية شاعر، وإنما تجدد لحياة قصيدة. فهناك موت ينهي الحضور، وهناك رحيل يجعل الحضور أكثر اتساعًا، وهناك شعراء نقرأهم لنعرف ما قالوه، وشعراء نعود إليهم لنكتشف مايزال فينا من قدرة على الشعور والحلم والحياة.
وأبو القاسم الشابي من أولئك الذين لا تنتهي قراءتهم، لأن العالم الذي كتب عنه لم يكتمل، ولأن أسئلته ما زالت أسئلتنا، ولأن الإنسان، مهما تبدلت الأزمنة، سيظل محتاجا إلى من يذكّره بأن الحياة ليست مجرد أيام تمر، بل معنى نصنعه، وحرية نحميها، وجمال نتشبث به، وأثر نتركه في قلوب الذين يأتون بعدنا.
رحم الله أبا القاسم الشابي، الشاعر الذي ضاق به العمر واتسعت له الذاكرة، والذي غادر الدنيا في الخامسة والعشرين، لكنه ترك لنا قصيدةً أكبر من الزمن، وصوتا كلما خفتت في داخلنا رغبة الحياة، عاد ليوقظها.
فبعض الشعراء لا يموتون لأننا نرفض نسيانهم، بل لأنهم يتركون فينا ما يجعل النسيان مستحيلًا.