محمد سليمان العنقري
منذ بداية الحرب الأمريكية الإيرانية قبل ثمانية أشهر، ظلّ بعض الإعلام الخليجي محل انتقاد وتساؤل بشأن طريقة تناوله للأحداث. فقد فتحت بعض هذه الوسائل مساحة واسعة للمعتدي الإيراني على دول الخليج وهي ليست طرفاً بالحرب ورافضة لها، بما فيها الدول التي تبثّ منها تلك الوسائل، ليخاطب الجمهور الخليجي والعربي بادعاءات زائفة، ويبرّر هجماته على دول لا علاقة لها بهذه الحرب. وبذلك أصبحت منبرا للإيراني، وكأنها ذراع إعلامية رديفة له، وهو ما شكّل صدمة كبيرة لشعوب المنطقة إذ كيف يُمنح المعتدي فرصة كهذه، وتُسهم هذه الوسائل في نقل الدعاية الإيرانية المضلِّلة التي تمزج الحقائق بالادعاءات؟
ومن المهم فهم أساليب هذا التضليل الإعلامي، التي تبدأ بالاعتماد على مصادر ضعيفة أو مجهولة، كشاهد عيان مثلاً، وتمتد إلى اجتزاء التصريحات الرسمية، والانتقائية في تغطية الأحداث، وتضخيم رواية طرف دون آخر، وتجاهل ما يناقضها عن عمد. فقد تكون كل معلومة منشورة صحيحة في ظاهرها، لكن الصورة التي تصل إلى المتلقي مضلِّلة بسبب ما أُغفل من سياق الأحداث والأخبار، وما أُضيف إليها من ادعاءات غير مثبتة بهدف تمريرها كحقائق. ولهذا فإن أخطر أشكال التضليل ليس ما يقال صراحةً، بل ما يُمرَّر بذكاء عبر خبر صحيح، أو عنوان موجَّه، أو توازن شكلي بين الحقيقة والادعاء يخفي انحيازاً في اختيار المعلومات؛ فقد يثق المتلقي بالرواية كاملة لأنه صدّق جزءا منها.
ومن هنا تظهر مفارقة غريبة تثير التساؤل، وهي استمرار بعض وسائل الإعلام الخليجية في تقديم الإيرانيين وروايتهم المليئة بالأكاذيب بهذه الأساليب المضلِّلة، رغم استمرار تعرّض دول المنطقة لاعتداءات من إيران وأذرعها الخبيثة، وعلى رأسها ميليشيا الحوثيين فهي بذلك لا تمنح رواية المعتدي مساحة بارزة فحسب، بل تنقل ادعاءاته دون تدقيق مهني.
وإذا كانت المهنية الإعلامية تقتضي أحيانا نقل وجهات النظر من جميع الأطراف، فإن السؤال يبقى عن كيفية التعامل مع هذه الروايات. هل تُعرض بوصفها ادعاءات تحتاج إلى تحقق، أم تُقدَّم للمشاهد في سياق يجعلها تبدو حقائق؟ وهل يُقدَّم إليه من الأدلة ما يفصل بين الحقيقة والادعاء، أم تترك أمامه صورة انتقائية تخدم رواية بعينها دون غيرها؟
إن المصداقية الإعلامية تقتضي بالضرورة التحقق من رواية المعتدي وتحليلها لكشف تناقضاتها، وتصحيح ما فيها من أكاذيب، وعدم مساواة الادعاء بالدليل. ومن المعايير العملية لذلك نسبة الادعاء إلى صاحبه صراحةً، وذكر ما يناقضه من وقائع، وبيان مستوى التحقق الذي خضع له الخبر أو الرواية.
فالإعلام المهني لا يُقاس بمن يمنحه حق الكلام، بل بقدرته على التمييز بين الرواية المليئة بالأكاذيب والحقيقة، وحين تتحول منصة الضحية إلى ناقل لادعاءات المعتدي دون تدقيق، يصبح السؤال مشروعاً أين يقع الحد الفاصل بين نقل الحقيقة ومنح الدعاية مصداقية الخبر؟