د. طلال الحربي
حين يغلق الموظف باب مكتبه للمرة الأخيرة بعد عقود من العطاء، يحمل معه ذكريات سنوات طويلة وسؤالًا واحدًا يشغل باله: ماذا بعد؟ وهنا تحديدًا يتجلى الدور الإنساني والوطني العميق الذي تضطلع به المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، فهي ليست مجرد جهة تصرف رواتب في نهاية كل شهر، بل هي الضمانة التي تحفظ للمتقاعد كرامته، وتصون استقراره الأسري، وتمنحه الطمأنينة بأن سنوات عمره التي أفناها في خدمة وطنه لم تذهب سدى، وكأنها تقول لكل متقاعد بلغة الأفعال لا الأقوال: شكرًا لك.
إن الحماية التي توفرها المؤسسة لا تبدأ عند التقاعد، بل ترافق الإنسان منذ يومه الأول في سوق العمل، فهي تحميه من أخطار المهنة وإصاباتها، وتكفل له الرعاية الطبية والعلاج حين يصاب أثناء أداء عمله أو بسببه، وتعوضه عن العجز إن وقع، وتمتد مظلتها لتشمل أسرته من بعده، ثم تستقبله عند التقاعد براتب يحفظ له مستوى معيشيًا لائقًا، وبرامج وخدمات وشراكات تضيف إلى حياته بعد العمل قيمة ومعنى، فالمتقاعد في فلسفة المؤسسة ليس رقمًا في سجلات، بل شريك في مسيرة البناء يستحق أن يُكرّم ويُرعى.
وما يلفت انتباه كل متابع لمسيرة المؤسسة أنها كانت سبّاقة في إدراك أن الخدمة الحكومية الحقيقية هي تلك التي تذهب إلى المستفيد ولا تنتظره على أبوابها، فكانت من أوائل الجهات الحكومية التي خاضت رحلة التحول الرقمي بجدية ووعي، وأتمتت خدماتها حتى صار المشترك والمتقاعد يُنجز معاملاته من هاتفه في دقائق، بعد أن كانت تستهلك منه الأيام والمراجعات والطوابير. لقد أعادت المؤسسة تصميم رحلة المستفيد من جذورها، فجعلتها ميسرة واضحة سهلة، تحترم وقته وجهده، وتراعي كبار السن وذوي الإعاقة، وتضع تجربة الإنسان في قلب كل قرار وكل خدمة.
غير أن الوفاء بالالتزامات تجاه ملايين المشتركين والمتقاعدين لا يتحقق بالنوايا الطيبة وحدها، بل يتطلب رؤية مالية بعيدة المدى، وهنا يبرز وجه آخر من وجوه تميز المؤسسة، إذ أدركت مبكرًا أن الاستدامة المالية هي حجر الزاوية في أي نظام تأميني ناجح، فانتهجت سياسة استثمارية ذكية ومتوازنة عبر ذراعها الاستثماري، تتجه بها نحو مشاريع نوعية وقطاعات واعدة داخل المملكة وخارجها، توازن فيها بين العائد والمخاطرة، لتضمن أن تبقى صناديقها قادرة على تغطية نفقاتها والوفاء برواتب المستفيدين اليوم وغدًا وللأجيال القادمة، وهي بذلك لا تحمي أموال المشتركين فحسب، بل تسهم أيضًا في دعم الاقتصاد الوطني وتنويع مصادره.
وفي زمن الرؤية الطموحة، وبقيادة عرّابها الفذ صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، شهد قطاع الحماية الاجتماعية نقلة نوعية غير مسبوقة، كان من أبرز محطاتها دمج المؤسسة العامة للتقاعد في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، ليصبح المتقاعدون من القطاعين المدني والعسكري والقطاع الخاص تحت مظلة واحدة، بما يحقق العدالة ويوحد الإجراءات ويرفع كفاءة الإنفاق، ويمنح المستفيد جهة واحدة يعرفها ويثق بها. ولم يكن هذا الدمج مجرد قرار إداري، بل كان تحولًا مؤسسيًا ضخمًا أُدير باحترافية عالية حتى لا يشعر المستفيد بأي أثر سلبي على الخدمات التي اعتاد عليها، ثم جاء نظام التأمينات الاجتماعية الجديد ليعزز استدامة النظام ويواكب المتغيرات الديموغرافية والاقتصادية ويحفظ حقوق الأجيال.
ويقود معالي الأستاذ عبدالعزيز بن حسن البوق محافظ المؤسسة النقلة النوعية في خدماتها ليعكس ثقة القيادة الرشيدة في الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة المرحلة، فقد حمل معاليه إلى موقعه خبرات متنوعة اكتسبها خلال مسيرته المهنية في مجالات المال والاستثمار والتأمين، وهي خبرات تتقاطع تمامًا مع طبيعة المرحلة التي تمر بها المؤسسة، مرحلة يكون فيها التميز هو الأساس، ورضا المستفيد هو المقياس الحقيقي للنجاح، وتكون فيها كفاءة الاستثمارات والاستدامة المالية الركيزة التي تقوم عليها الأهداف كلها. وقد انعكس ذلك في حضور المؤسسة الفاعل على المستوى الدولي، ومشاركتها في المحافل العالمية المتخصصة في الضمان الاجتماعي، وتبادل الخبرات مع أفضل الأنظمة في العالم.
إن ما تقدمه المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية اليوم هو ترجمة عملية لمفهوم جودة الحياة الذي تتبناه رؤية المملكة 2030، فالمجتمع الحيوي هو الذي يرعى أبناءه في كل مراحل أعمارهم، ويكافئ من أفنى سنواته في العمل بحياة كريمة مستقرة. ولعل أجمل ما في هذه المسيرة أنها لم تتوقف عند إنجاز، بل ظلت تعمل بدأب وصمت على التطوير والتحديث، مؤمنة بأن خدمة المتقاعد ليست منّة، بل واجب ووفاء ورد جميل.
فشكرًا للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وهي تقول لكل متقاعد شكرًا، وشكرًا لكل متقاعد أعطى هذا الوطن من عمره وجهده، فكان جديرًا بأن يجد من يحفظ له حقه ويصون كرامته.