ليست كل اللقاءات التي تجمع القيادات الجامعية مجرد مناسبات لتبادل الرؤى وتوثيق الحضور؛ فبعضها يحمل في ثناياه ما يتجاوز عناوينه المعلنة، ويفتح الباب أمام تحولات قد تعيد رسم ملامح المشهد الجامعي بأكمله. ولعل اللقاء الذي احتضنته الرياض، وجمع رؤساء الجامعات السعودية تحت مظلة مجلس شؤون الجامعات، بحضور معالي وزير التعليم الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان، يمثل إحدى تلك المحطات التي تستحق قراءة متأنية، لا لما شهدته من حوارات فحسب، بل لما كشفت عنه محاوره من توجه نحو إعادة صياغة أدوار الجامعات، وتحديد هوياتها، وتوجيه قدراتها وإمكاناتها نحو أولويات وطنية تتجاوز حدود المؤسسة الواحدة.
لقد حمل اللقاء عنوانًا بالغ الدلالة: «قيادة التحول الجامعي من الخطط المؤسسية إلى التكامل الوطني»، وهو عنوان يختزل تحولًا في فلسفة التخطيط الجامعي؛ إذ ينتقل التفكير من تطوير كل جامعة بمعزل عن غيرها إلى بناء منظومة وطنية تتمايز فيها الأدوار، وتتكامل فيها القدرات، وتتوزع فيها المسؤوليات وفق الاحتياجات التنموية والمزايا التنافسية للمناطق. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نريد جامعات تتشابه في برامجها وتتنافس على الموارد والفرص ذاتها، أم منظومة جامعية تتنوع فيها مجالات التميز، وتتكامل وظائف مؤسساتها، لتصنع مجتمعة ما قد تعجز كل جامعة عن تحقيقه منفردة؟
إن الحديث عن مشهد مستقبلي يصنع القيمة، وهو أحد المحاور الرئيسة للقاء، يعكس توجهًا مهمًا نحو النظر إلى الجامعات من زاوية ما تضيفه إلى الوطن، لا من زاوية ما تمتلكه من هياكل وبرامج ومنشآت. فقد توسعت جامعاتنا عبر مراحل مختلفة استجابة لاحتياجات تعليمية وتنموية مشروعة، وحققت خلال ذلك منجزات لا يمكن إنكارها، غير أن هذا التوسع أفرز في بعض جوانبه تشابهًا لافتًا في البرامج الأكاديمية والتوجهات المؤسسية. ولعل المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من سؤال التوسع إلى سؤال القيمة: ماذا تضيف كل جامعة إلى منظومة التعليم والتنمية؟ وما الذي يجعل إسهامها مختلفًا عن غيرها؟ وكيف يمكن لهذا الاختلاف أن يتحول من مجرد خصوصية مؤسسية إلى قيمة وطنية ملموسة؟
ومن هنا تتجلى أهمية الهوية المؤسسية الراسخة التي برزت ضمن مخرجات اللقاء؛ فالهوية الجامعية ليست شعارًا يُرفع، ولا عبارة إنشائية تتصدر الخطة الإستراتيجية، وإنما هي تعبير عن مكامن القوة التي تمتلكها الجامعة، والفرص التي تستطيع استثمارها، والدور الذي يمكن أن تؤديه بكفاءة أعلى من غيرها. وليس من الحكمة أن تسعى جميع الجامعات إلى التفوق في المجالات نفسها، أو أن تتوسع في التخصصات والأنشطة دون ارتباط واضح بقدراتها الفعلية واحتياجات محيطها. فقد تكون جامعة ذات تميز تطبيقي وتقني رافدًا رئيسًا للاقتصاد الصناعي، في حين تتميز أخرى بإنتاج المعرفة الأساسية، وثالثة بتطوير مجالات بحثية أو مهنية ترتبط بخصوصية منطقتها. وليس في اختلاف هذه الأدوار تفاوت في القيمة، بل تنوع في مصادرها، شريطة أن يحظى كل دور بما يستحقه من تقدير وموارد ومعايير تقويم ملائمة.
غير أن الهوية المؤسسية، مهما بلغت وضوحًا، لا تحقق غايتها الوطنية إذا ظلت الجامعات تعمل في جزر منفصلة. ولذلك جاء محور الأدوار الوطنية التكاملية ليطرح تصورًا لمنظومة تتوزع فيها المسؤوليات وفق الأولويات الوطنية واحتياجات المناطق. فالتكامل الجامعي لا يعني إلغاء المنافسة المشروعة، وإنما توجيهها نحو الجودة والابتكار بدل التوسع المتكرر في الإمكانات نفسها. وقد يكون إنشاء برنامج أكاديمي مشترك، أو تشغيل مختبر بحثي يخدم أكثر من جامعة، أو بناء شراكة تعليمية وتطبيقية بين مؤسسات متكاملة القدرات، أجدى من تكرار الاستثمار في مشروعات متشابهة لا تحقق كل منها الأثر المأمول. وهنا يصبح التعاون وسيلة لتعظيم القيمة، لا مجرد عنوان يضاف إلى تقارير الإنجاز.
ويتصل بذلك محور الاستثمار الأمثل للموارد وبناء منظومة أكثر كفاءة؛ فالكفاءة الجامعية لا تختزل في خفض النفقات، وإنما تتجسد في تعظيم العائد العلمي والتعليمي والتنموي من الموارد المتاحة. وليس السؤال دائمًا: كم أنفقنا؟ بل ماذا حققنا بما أنفقناه؟ وهل استثمرنا قدراتنا البشرية والبحثية والتقنية في المجالات التي تستطيع إحداث الأثر الأكبر؟ إن الجامعة الأكثر كفاءة ليست بالضرورة الأقل إنفاقًا، بل الأكثر قدرة على تحويل مواردها إلى نتائج مستدامة، وعلى بناء شراكات تعليمية وبحثية وخدمية تزيد من قدرتها على الإسهام الوطني.
ومن أكثر مخرجات اللقاء اتصالًا بمستقبل الجامعات ما يتعلق بالطاقة الاستيعابية والتخصصات ذات الأولوية والتوزيع الجغرافي المتوازن. فهذه المحاور الثلاثة، إذا نُظر إليها بوصفها عناصر مترابطة، قد تسهم في إعادة رسم الخريطة التعليمية للمملكة وفق معادلة تجمع بين الطلب المستقبلي، والمزايا التنافسية للمناطق، وكفاءة توزيع الفرص التعليمية. وليس من المنطقي أن تتوسع الجامعات في تخصصات يتراجع الطلب عليها، بينما تتنامى احتياجات وطنية في مجالات أخرى لا تجد ما يكفي من الكفاءات المؤهلة. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحول توجيه التخصصات نحو الأولويات التنموية إلى استجابة آنية لسوق العمل؛ فالجامعة مسؤولة عن إعداد الإنسان لمستقبل لم تتشكل جميع مهنه بعد، وعن بناء المعرفة التي تخلق فرصًا جديدة بدل الاكتفاء بملاحقة الفرص القائمة.
وتزداد هذه المعادلة تعقيدًا حين يدخل البعد الجغرافي؛ فالمملكة بتنوع مناطقها وخصائصها الاقتصادية والسكانية تحتاج إلى توزيع تعليمي يوازن بين كفاءة المنظومة واستدامة إتاحة التعليم. ومن الخطأ افتراض أن العدالة تعني تقديم البرامج نفسها في جميع المناطق، كما أن من الخطأ أن تصبح الكفاءة مبررًا لتركيز الفرص التعليمية في نطاق جغرافي محدود. إن التوازن المنشود يقتضي أن تتحدد البرامج والطاقة الاستيعابية بناءً على بيانات الطلب والقدرات المؤسسية والاحتياجات التنموية، مع المحافظة على فرص تعليمية عادلة ومستدامة لأبناء المناطق المختلفة.
ولعل ما يمنح هذه التوجهات فرصة أكبر للنجاح هو الانتقال إلى قرارات تقودها البيانات الوطنية الموثوقة، وهو محور بالغ الأهمية في مخرجات اللقاء. فمستقبل التخصصات والطاقة الاستيعابية وتوزيع الموارد لا ينبغي أن تحكمه الانطباعات أو التقديرات العامة، بل تحليلات دقيقة تستند إلى التحولات السكانية والاقتصادية، واحتياجات سوق العمل، وكفاءة البرامج، ومؤشرات الطلب المستقبلي. غير أن قيمة البيانات لا تكمن في وفرتها وحدها، بل في موثوقيتها، وفي القدرة على تحويلها إلى قرارات قابلة للتنفيذ والمراجعة. فالبيانات التي لا تؤثر في القرار ليست سوى أرقام تتراكم، والقرار الذي لا يستند إلى أدلة معرض لأن يكرر الأخطاء نفسها وإن تغيرت مسمياته.
وفي هذا السياق، تكتسب الشراكة الإستراتيجية بين مجلس شؤون الجامعات وهيئة تقويم التعليم والتدريب أهمية خاصة، بما تتضمنه من تعاون في الاعتماد الأكاديمي، وتطوير المؤشرات الوطنية، وتفعيل أدوات التقويم وقياس الأداء، وتعزيز التنافسية والتحسين المستمر. فهذه الشراكة يمكن أن تشكل حلقة وصل بين التخطيط الجامعي وقياس جودة مخرجاته، وأن توفر أساسًا أكثر اتساقًا للمقارنة والتطوير واتخاذ القرار. وتبرز هنا أدوات مثل «جاهزية» و«صقر» والاستطلاعات وبطاقات الأداء، بوصفها وسائل لتوفير معلومات تساعد على تشخيص الواقع ورصد التحسن.
ومع ذلك، فإن نجاح منظومة القياس يتطلب سؤالًا لا يقل أهمية عن تطوير أدواتها: هل نقيس ما يسهل إحصاؤه، أم ما يعبر فعلًا عن جودة التعليم وأثره؟ فمن الممكن إحصاء أعداد البرامج والخريجين والأبحاث والشراكات، ولكن قياس جودة التأهيل، وكفاءة المخرجات، وأثر المعرفة في الاقتصاد والمجتمع، يحتاج إلى أدوات أكثر عمقًا. بل إن فلسفة التمايز الجامعي تفرض أن تتنوع بعض معايير التقييم وأوزانها تبعًا لاختلاف الرسائل المؤسسية؛ إذ لا يستقيم أن نطالب الجامعات بالتميز في أدوار مختلفة، ثم نقيس نجاحها جميعًا بمسطرة واحدة لا تراعي طبيعة تلك الأدوار.
وتبقى المسافة بين التخطيط والتنفيذ هي الاختبار الأصعب لأي تحول مؤسسي. ولذلك فإن ما تضمنته محاور اللقاء بشأن رفع الجاهزية، وتسريع التنفيذ، وتحديد مستهدفات قابلة للقياس، ورصد النتائج والأثر، يمثل انتقالًا مهمًا من صياغة التوجهات إلى مساءلة المخرجات. فالخطة لا تكتسب قيمتها من دقة عباراتها، ولا من اتساع طموحاتها، وإنما من قدرتها على تغيير الواقع. وقد تمتلك الجامعة خطة متكاملة ومؤشرات واضحة، لكن السؤال يبقى: هل تحولت هذه الخطة إلى قرارات وبرامج ونتائج يشعر بأثرها الطالب وعضو هيئة التدريس والشريك التنموي؟ إن التحول الحقيقي لا يبدأ عند اعتماد الوثائق، بل عند ظهور الفارق بين ما كان قائمًا وما أصبح ممكنًا.
وهنا تتضح أهمية التوافق القيادي الفاعل الذي اختتم محاور اليوم الأول؛ فالتكامل الوطني بين الجامعات لا يتحقق بمجرد الاتفاق على المبادئ العامة، وإنما يحتاج إلى توافق حول الأولويات، ووضوح في الأدوار، وتنسيق مستمر بين القيادات الجامعية والجهات ذات العلاقة. كما يحتاج إلى قدرة مؤسسية على تجاوز حدود المصالح المنفردة حين تتعارض مع مصلحة المنظومة الأكبر. فالجامعة جزء من مشروع وطني متكامل، ونجاحها لا ينفصل عن نجاح الجامعات الأخرى في أداء أدوارها.
إن الصورة التي ترسمها مخرجات لقاء الرياض تبدو مترابطة الأبعاد؛ هوية مؤسسية تحدد مجال التميز، وتخصصات تستجيب للأولويات الوطنية، وطاقة استيعابية تواكب المستقبل، وتوزيع جغرافي يراعي كفاءة المنظومة واستدامة الإتاحة، وموارد تُستثمر على نحو أمثل، وبيانات تقود القرار، ومؤشرات تقيس النتائج، وشراكات تعزز الجودة والتنافسية. وهذه ليست ملفات متفرقة، بل عناصر في معادلة واحدة، لا يتحقق أثرها الكامل إذا عولج كل منها بمعزل عن الآخر.
وليس من الإنصاف أن نستبق النتائج بالحكم على نجاح هذا التوجه أو إخفاقه؛ فالمخرجات المعلنة تعبر عن اتجاهات وأولويات، أما نجاحها فيظل مرهونًا بما سيتبعها من خطط تنفيذية وقرارات مؤسسية ونتائج قابلة للتحقق. غير أن هذه المرحلة تتيح فرصة ثمينة لإعادة تعريف النجاح الجامعي، بحيث لا تكون كثرة البرامج معيارًا للتميز، ولا وفرة المؤشرات دليلًا كافيًا على الجودة، ولا حجم المؤسسة مقياسًا وحيدًا لقيمتها.
وأحسب أن أعظم ما يمكن أن تتمخض عنه هذه التحولات ليس أن تصبح الجامعات السعودية نسخًا متشابهة تتنافس على المراتب ذاتها، وإنما أن تصبح مؤسسات متمايزة في هوياتها، متكاملة في أدوارها، متوازنة في انتشارها، وكفؤة في استثمار مواردها، وقادرة على إثبات أثرها بالبيانات والنتائج.
فالسؤال الذي ينبغي أن يقود مستقبل المنظومة الجامعية ليس: كم جامعة لدينا؟ ولا كم برنامجًا تقدم كل جامعة؟ بل ما القيمة التي تضيفها كل جامعة، وكيف تتكامل هذه القيم لتصنع أثرًا وطنيًا أعظم؟
وحين تجد هذه الأسئلة إجاباتها في الواقع، لا في وثائق التخطيط وحدها، يمكن القول إن لقاء الرياض تجاوز حدود المناسبة، وأسهم في رسم ملامح تحول جامعي يجعل من التمايز مصدرًا للقوة، ومن التكامل سبيلًا للكفاءة، ومن جودة المخرجات معيارًا للنجاح، ومن الأثر المستدام غاية تستحق أن تتجه إليها الجامعات جميعًا.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري