د.عبدالرحيم محمود جاموس
لم يعد السؤال عن الأمن القومي العربي ترفًا فكريًا أو استدعاءً لمفهوم من الماضي، بل أصبح سؤالًا مصيريًا يتعلق بأمن الدول العربية واستقرارها واستقلال قرارها ومستقبل شعوبها. فقد أثبتت العقود الماضية أن الأخطار التي تواجه دولة عربية واحدة نادرًا ما تبقى محصورة داخل حدودها؛ فالحروب والنزاعات الداخلية، والتدخلات الخارجية، والإرهاب، والأزمات الاقتصادية والمائية والغذائية، وأمن الطاقة والممرات البحرية، والتحديات التكنولوجية والسيبرانية، فضلًا عن القضية الفلسطينية، كلها قضايا تتجاوز الحدود الوطنية وتتداخل آثارها مع أمن المنطقة العربية بأسرها.
وقد عرف النظام العربي، منذ وقت مبكر، الحاجة إلى إطار للأمن والتعاون المشترك، ووضعت الدول العربية مواثيق واتفاقيات وآليات متعددة في هذا المجال. غير أن الإشكالية لم تكن في غياب النصوص بقدر ما كانت في ضعف القدرة على تحويلها إلى مؤسسات فاعلة، وآليات دائمة، وإرادة سياسية قادرة على الانتقال بها من دائرة المبادئ والبيانات إلى دائرة الفعل والتأثير. ومن هنا، فإن السؤال: ماذا بقي من فلسفة الأمن القومي العربي؟ لا ينبغي أن يقود إلى إعلان موت هذه الفلسفة، وإنما إلى إعادة تعريفها وتجديدها بما يتلاءم مع تحولات العالم وطبيعة المخاطر الجديدة، وبما يعيد بناء الثقة بين الدول العربية، ويحول الأمن القومي العربي من مفهوم نظري إلى منظومة مصالح وقدرات وآليات قابلة للتطبيق.
الأمن الوطني والأمن القومي العربي: تكامل لا تعارض
إن المدخل الصحيح لإعادة بناء فلسفة الأمن القومي العربي يبدأ من توضيح العلاقة بين الأمن الوطني لكل دولة عربية والأمن القومي العربي المشترك.
فالأمن القومي العربي ليس بديلًا عن الأمن الوطني، ولا وصاية على الدول، ولا ذريعة للتدخل في شؤونها الداخلية؛ كما أن الأمن الوطني لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بديلًا عن المسؤولية العربية المشتركة أو مبررًا للانكفاء داخل الحدود.
إن العلاقة بين المستويين تكاملية وتفاعلية وليست تعارضية أو تناقضية. فأمن الدولة العربية يعزز الأمن العربي، والأمن العربي المشترك يوفر للدولة بيئة أكثر استقرارًا وقدرة على حماية سيادتها ومصالحها واستقلال قرارها. وكلما استقرت دولة عربية وقويت مؤسساتها وقدرتها على حماية حدودها ومصالحها، أضافت إلى قوة النظام العربي؛ وفي المقابل، فإن انهيار دولة أو تعرضها لصراع طويل قد تتجاوز تداعياته حدودها، فيتحول إلى مصدر تهديد لجيرانها وللأمن العربي الأوسع.
وعليه، فإن الأمن القومي العربي ينبغي أن يُفهم باعتباره الإطار الأوسع الذي تتكامل داخله أمن الدول العربية ومصالحها، من دون إلغاء خصوصية أي دولة أو الانتقاص من سيادتها.
فالتعاون العربي لا ينتقص من السيادة الوطنية، بل يمكن أن يكون إحدى أهم أدوات حمايتها، كما أن الدولة الوطنية القوية والمؤسسات المستقرة تمثل ركنًا أساسيًا في بناء أمن عربي مشترك قادر على الصمود.
النزاعات العربية البينية: إدارة الخلاف ومنع الصدام
لا يمكن الحديث عن أمن قومي عربي مشترك بينما تبقى الخلافات بين الدول العربية قابلة للتحول إلى أزمات مفتوحة أو صراعات تستدعي التدخلات الخارجية. فالاختلاف في المصالح والسياسات والمواقف أمر طبيعي بين الدول، لكن المشكلة تبدأ عندما تغيب آليات إدارة هذا الاختلاف، أو عندما يتحول الخلاف السياسي إلى قطيعة، أو إلى استخدام للقوة، أو إلى الاستعانة بقوى خارجية لتصفية نزاع عربي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى منظومة عربية دائمة للوقاية من النزاعات وتسويتها، تقوم على الحوار والوساطة والمصالحة والتحكيم والاحتكام إلى القانون، وتتحرك في مرحلة مبكرة قبل أن تتفاقم الأزمات.
وينبغي أن يكون الحوار والوساطة العربية الخيار الأول عند نشوء أي نزاع بين دولتين عربيتين، وأن تُستنفد الوسائل السياسية والقانونية قبل الوصول إلى استخدام القوة أو تدويل الخلاف.
ولا يعني الأمن القومي العربي إزالة الاختلافات بين الدول، فهذا غير واقعي، وإنما يعني إدارة الاختلاف ومنع تحوله إلى صراع مدمر. كما ينبغي ترسيخ قاعدة واضحة تقوم على رفض استخدام القوة في تسوية الخلافات العربية البينية، وعدم تحويل الأراضي العربية إلى ساحات لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية، وتطوير آليات عربية قادرة على احتواء الخلاف قبل أن يصبح تهديدًا للأمن الجماعي.
وهنا يصبح حل النزاعات العربية جزءًا أصيلًا من الأمن القومي، وليس مجرد نشاط دبلوماسي منفصل عنه.
النزاعات الداخلية وانعكاساتها على الأمن العربي
ولا يكتمل مفهوم الأمن القومي العربي من دون التعامل مع النزاعات الداخلية داخل الدولة العربية الواحدة.
فقد تبدأ الأزمة داخل دولة ما بوصفها خلافًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا، لكنها عندما تتطور إلى حرب أهلية أو انهيار لمؤسسات الدولة أو انتشار للسلاح والجماعات المسلحة أو نزوح جماعي أو إرهاب أو تهديد للحدود، فإن آثارها لا تبقى داخلية.
وقد تمتد تلك الآثار إلى الدول المجاورة، وتفرض عليها أعباء أمنية واقتصادية وإنسانية، وتفتح المجال أمام التدخلات الإقليمية والدولية، وقد تهدد مصادر الطاقة والممرات البحرية أو تستنزف قدرات دول عربية متعددة.
ولهذا ينبغي أن تتضمن فلسفة الأمن القومي العربي بندًا واضحًا للوقاية من النزاعات الداخلية واحتوائها، من خلال الإنذار المبكر والوساطة والمصالحة والدعم السياسي والإنساني والمساعدة في إعادة بناء مؤسسات الدولة، بما يحفظ وحدتها وسيادتها ويمنع امتداد تداعيات أزمتها إلى محيطها العربي.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين التضامن العربي المسؤول والتدخل في الشؤون الداخلية. فالتضامن العربي يستهدف مساعدة الدولة على تجاوز أزمتها والحفاظ على وحدتها ومؤسساتها، بينما قد يؤدي التدخل غير المنضبط إلى تحويل الأزمة الداخلية إلى صراع بالوكالة، وإلى مضاعفة الخطر بدلًا من احتوائه.
والقاعدة التي ينبغي ترسيخها هي: لا يجوز أن تتحول سيادة الدولة إلى حصانة أمام التضامن العربي، كما لا يجوز أن يتحول التضامن العربي إلى ذريعة لانتهاك سيادة الدولة.
الأمن القومي العربي منظومة شاملة للمصالح والمخاطر
لقد تغير مفهوم الأمن في العالم. فلم يعد الأمن مقصورًا على حماية الحدود بالقوة العسكرية، وإنما أصبح يشمل الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا، والاستقرار المالي، وحماية الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، وقدرة المجتمعات والدول على الصمود أمام الأزمات.
ومن ثم فإن الأمن القومي العربي لا يمكن اختزاله في حجم الإنفاق العسكري أو عدد منظومات السلاح التي تمتلكها الدول العربية.
فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بما تشتريه الدول من السلاح، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا وبناء القدرات وحماية مواردها ومصالحها وصناعة القرار المستقل.
والمطلوب لذلك هو الانتقال من شراء القدرة إلى بناء القدرة: تطوير الصناعات الدفاعية والتقنية، وتبادل المعلومات والخبرات، وإنشاء منظومات عربية للإنذار المبكر، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، والتخطيط والتدريب المشترك، وحماية المجالين البحري والسيبراني، والتعاون في الأمن المائي والغذائي والطاقة.
وليس المطلوب بالضرورة إنشاء جيش عربي واحد، وإنما بناء قدرات عربية مترابطة ومتكاملة، تستطيع كل دولة الاستفادة منها، وتستطيع المنظومة العربية من خلالها مواجهة الأخطار التي تتجاوز قدرة الدولة المنفردة.
فلسطين في قلب الأمن القومي العربي
وتبقى فلسطين الاختبار الأوضح لجدية فلسفة الأمن القومي العربي.
فالقضية الفلسطينية ليست ملفًا إنسانيًا أو دبلوماسيًا منفصلًا عن أمن المنطقة، وليست شأنًا فلسطينيًا محضًا؛ بل ترتبط بصورة مباشرة باستقرار الشرق الأوسط ومستقبله السياسي والإستراتيجي.
لقد أثبت استمرار الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير والحروب أن إبقاء القضية الفلسطينية من دون حل عادل يبقي المنطقة في دائرة مفتوحة من التوتر وعدم الاستقرار.
ومن ثم فإن إنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين وفق الشرعية الدولية، ليست مطالب فلسطينية فقط، وإنما هي جزء من بناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا وأمنًا وعدلًا.
إن الأمن العربي لا يكتمل بينما يبقى الاحتلال مصدرًا دائمًا للصراع، كما أن حماية الأمن العربي لا ينبغي أن تكون مبررًا لتهميش الحقوق الوطنية الفلسطينية أو تأجيلها.
فالقضية الفلسطينية ليست عبئًا على الأمن القومي العربي؛ بل إن استمرارها من دون حل عادل هو أحد مصادر الاختلال الإستراتيجي في المنطقة، وإن إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية يشكلان عنصرًا أساسيًا في بناء الأمن والاستقرار الإقليميين.
من النصوص والمواثيق إلى أرض الواقع
إذا كانت فلسفة الأمن القومي العربي قد بقيت زمنًا طويلًا أسيرة المواثيق والبيانات، فإن التحدي الحقيقي اليوم هو بناء الآليات التي تنقلها إلى أرض الواقع.
وهذا يتطلب إعادة النظر في منظومة العمل العربي المشترك، لا بإلغاء مؤسساتها، وإنما بتطوير قدرتها على التعامل مع المخاطر الفعلية.
ويقتضي ذلك بناء منظومة عربية تقوم على:
أولًا: وضع تعريف عربي مشترك للأمن القومي والتهديدات والمخاطر، مع التمييز بين ما يستوجب موقفًا عربيًا جماعيًا وما يترك لتقدير كل دولة.
ثانيًا: إنشاء آلية عربية فعالة للإنذار المبكر والوقاية من النزاعات، تكون قادرة على رصد مؤشرات الأزمات والتحرك قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة.
ثالثًا: تطوير منظومة عربية للوساطة والمصالحة والتحكيم وتسوية النزاعات البينية، بحيث يصبح الحوار العربي هو المسار الأول لحل الخلافات، وتُمنع الاستعانة بالقوة أو بتحويل الخلافات إلى صراعات إقليمية ودولية.
رابعًا: وضع إطار عربي للتعامل مع النزاعات الداخلية التي تهدد الأمن الإقليمي، يقوم على الوساطة والمساعدة والمصالحة وحماية وحدة الدولة ومؤسساتها، مع احترام سيادتها واستقلال قرارها.
خامسًا: بناء قدرات عربية دفاعية واقتصادية وتقنية وأمنية مشتركة، من دون اشتراط ذوبان الجيوش الوطنية أو الخصوصيات الوطنية في مؤسسة واحدة.
سادسًا: تعزيز التكامل الاقتصادي والأمن المائي والغذائي والطاقة، وحماية الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، باعتبارها مكونات أساسية للأمن القومي الحديث.
سابعًا: اعتماد القضية الفلسطينية جزءًا أصيلًا من الرؤية العربية للأمن والاستقرار الإقليمي، والعمل المشترك لإنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
نحو عقد عربي جديد للأمن القومي
إن المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج شعارات الوحدة القديمة، ولا افتراض أن الدول العربية متطابقة في مصالحها وسياساتها، وإنما بناء عقد عربي جديد للأمن القومي يقوم على الواقعية والمصلحة المشتركة والاحترام المتبادل.
عقدٌ يؤكد أن سيادة كل دولة عربية قاعدة للعمل المشترك وليست عائقًا أمامه، وأن أمن الدولة الوطنية جزء من الأمن العربي، وأن التعاون العربي وسيلة لتعزيز السيادة لا الانتقاص منها.
ويقوم هذا العقد على قاعدة بسيطة وعميقة: ما يجمع العرب من مصالح ينبغي أن يكون أساسًا للتعاون، وما يختلفون حوله ينبغي أن يكون مجالًا للحوار وإدارة الخلاف، لا سببًا للصدام والتفكك.
فلا ينبغي أن تتحول الاختلافات السياسية إلى خصومات دائمة، ولا أن تتحول المصالح الوطنية إلى تناقض مع المصالح العربية المشتركة، بل المطلوب إيجاد صيغة توفيقية تجعل من المصلحة الوطنية لبنة في المصلحة العربية، وتجعل من المصلحة العربية الأوسع ضمانة للمصلحة الوطنية.
الخلاصة: الأمن العربي مشروع إرادة وقدرة
لقد تراجعت فلسفة الأمن القومي العربي في قدرتها على الانتقال من الفكرة إلى الفعل، لكنها لم تفقد ضرورتها ولا مبرراتها التاريخية والجغرافية والإستراتيجية.
فالجغرافيا واحدة، والمصالح متشابكة، والتحديات عابرة للحدود، ولا تستطيع أي دولة عربية، مهما بلغت إمكاناتها، أن تواجه وحدها جميع المخاطر التي تحيط بالمنطقة.
ولذلك فإن المطلوب ليس إحياء مفهوم الأمن القومي العربي بصيغته القديمة، ولا إنشاء إطار فوق الدول الوطنية، وإنما إعادة بناء فلسفة عربية حديثة تجعل من الدول الوطنية أساسًا للأمن العربي، ومن التعاون العربي وسيلة لتعزيز أمنها وسيادتها واستقلال قرارها.
فلا أمن عربي من دون أمن وطني مستقر، ولا أمن وطني مستدام من دون بيئة عربية مستقرة، ولا استقرار عربي حقيقي من دون القدرة على إدارة النزاعات العربية ومنع امتداد أزماتها، ولا أمن إقليمي مكتمل من دون معالجة القضية الفلسطينية وإحقاق حقوق الشعب الفلسطيني.
إن الانتقال من النصوص إلى أرض الواقع يحتاج إلى إرادة سياسية عربية، ومؤسسات فاعلة، وآليات دائمة للإنذار المبكر والوساطة والتحكيم، وقواعد واضحة لحل النزاعات، وقدرات عربية مشتركة، وثقافة سياسية جديدة تؤمن بأن التعاون العربي ليس تنازلًا عن السيادة، بل وسيلة لحمايتها وتعزيزها.
وعندها فقط يمكن أن يستعيد الأمن القومي العربي معناه الحقيقي: ليس شعارًا فوق الدول، ولا بديلًا عن أمنها الوطني، ولا أداة للوصاية عليها، بل مظلة تتكامل تحتها أمن الدول العربية ومصالح شعوبها، وتحمي سيادتها واستقلال قرارها، وتمنحها القدرة على مواجهة المخاطر المشتركة وصناعة مستقبلها بإرادة عربية أكثر استقلالًا واقتدارًا.
إنها ليست دعوة إلى العودة إلى الماضي، وإنما إلى بناء مستقبل عربي جديد؛ مستقبلٍ تتحول فيه الجغرافيا المشتركة والمصالح المتداخلة والتاريخ المشترك من عناصر خلاف وتجزئة إلى عناصر قوة وتكامل، ويصبح فيه الأمن القومي العربي مشروعًا عمليًا لحماية الدولة والمجتمع والإنسان، وصون القرار العربي، وتحقيق الاستقرار والتنمية والسلام العادل في المنطقة.