د.عبدالله الفايز
تعتبر مدينة الرياض من المدن الرائدة في مفهوم الأنسنة وأبعاده ومجهودات الأنسنة والتي بدأت بمبادرة صاحب السمو الأمير عبدالعزيز بن عياف والذي أطلق العنان ووضع أسسها الأولية، ومن ثم استمر في قيادتها والتشجيع لاستكمال أبعادها الأساسية من خلال مؤلفاته في الادارة البلدية. وبينما يختزل البعض موضوع الأنسنة على أنه مناط فقط بالتشجير والتجميل للمدن ، إلا أنه منظور قاصر وهو ما يحاول سمو الأمير تصحيحه من خلال كتبه، وهو نموذج اتبعته معظم مدن المملكة.
ومن هنا، ظهرت «نظرية الأنسنة الرقمية الذكية»، التي طوّرها د. عبدالله الفايز في كتابه، لتقديم فهم شامل للأنسنة بوصفها إطارًا متكاملًا ومنصة رقمية لتنظيم الحوكمة والتنمية الحضرية والخدمات العامة والتكنولوجيا والإدارة البيئية حول أمن وكرامة الإنسان ورفاهيته وجودة حياته.
وهي أحد مكونات وأهداف رؤية المملكة 2030 وبرنامج جودة الحياة. وتتجاوز النظرية التركيز على التصميم المادي للمدن الجذابة والخضراء والصديقة للمشاة، لتشمل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية والثقافية والبيئية والتكنولوجية التي تتفاعل مجتمعةً في تشكيل حياة الإنسان. وتوفر أبعادها الثمانية بنيةً مقترحة للنظرية، تجمع بين توجهها المتمحور حول الإنسان وتطبيقاتها في منصة رقمية ذكية للتنسيق والحوكمة الرقمية والتخطيط الحضري الذكي.
وتشكل هذه الأبعاد مجتمعةً، والتي سيتم تفصيلها، إطارًا مقترحًا لتقييم مدى إسهام ترتيبات الحوكمة والبيئات الحضرية والخدمات العامة والبنية التحتية والتقنيات الرقمية في تلبية الاحتياجات الأنسنة الحقيقية. بل ينبغي تقييمها في ضوء الظروف المتكاملة التي تمكّن الأفراد والمجتمعات من العيش بأمان، وممارسة حقوقهم، والحصول على الخدمات الأساسية، والمشاركة في صنع القرار، والحفاظ على هويتهم، وتطوير قدراتهم، والتمتع ببيئة صحية ومستدامة. وتهدف النظرية إلى تحويل هذه المبادئ إلى معايير عملية للتخطيط، ومسؤوليات مؤسسية، ونتائج قابلة للقياس في النظم الحضرية والوطنية والرقمية.
حيث أصبح السؤال الأهم: هل ستجعل هذه التحولات حياة الإنسان أفضل وأكثر أمناً وراحة وعدلاً، أم أنها ستزيد التعقيد والاعتماد على التكنولوجيا من دون أن تحقق بالضرورة تحسناً حقيقياً في جودة الحياة؟ إن التقدم التقني في حد ذاته لا يضمن التقدم الإنساني. فقد تمتلك مدينة أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي، وشبكات اتصال متقدمة، ومركبات ذاتية القيادة، وخدمات حكومية إلكترونية، ومع ذلك قد يعاني سكانها من الازدحام المروري، وصعوبة الحصول على السكن، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف التواصل الاجتماعي، أو عدم تكافؤ الفرص في التعليم والعمل والخدمات. وقد تنجح مؤسسة في إنجاز المعاملات بسرعة أكبر، لكنها لا تحقق العدالة إذا كانت أنظمتها تستبعد فئات من المجتمع أو تتخذ قرارات يصعب فهمها أو الاعتراض عليها. المعيار الأهم هو ما إذا كانت التكنولوجيا تسهم في تحسين الحياة اليومية، وتوفير الوقت والجهد، وتوسيع الفرص، وحماية الحقوق، وتعزيز الأمان والعدالة، والمحافظة على البيئة، وتمكين الإنسان من العيش بكرامة وحرية ومسؤولية.
الأنسنة ليست أشجاراً وحدائق فقط فعندما نتحدث عن أنسنة المدن يتجه التفكير غالباً إلى العناصر المرئية في البيئة العمرانية، مثل الحدائق والأشجار والممرات المخصصة للمشاة والساحات العامة والشوارع النظيفة والمباني الجميلة. ولا شك أن هذه العناصر ضرورية، فهي تحسن الصحة العامة، وتوفر فرصاً للراحة والتفاعل الاجتماعي، وتزيد جاذبية المدينة وقدرتها على استيعاب أنشطة الحياة اليومية.
لكنها لا تمثل سوى جزء من مفهوم الأنسنة، ولا يمكن الاعتماد عليها وحدها للحكم على مدى إنسانية المدينة أو نجاحها. فالمدينة قد تكون خضراء وجميلة، لكن سكانها يضيعون ساعات طويلة في الازدحام، أو يجدون صعوبة في الوصول إلى المدارس والمستشفيات، أو يتحملون تكاليف مرتفعة للسكن والتنقل، أو يواجهون خدمات عامة بطيئة وغير متجاوبة. وقد تتوافر فيها مرافق حديثة، لكنها لا تراعي احتياجات كبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة أو الأطفال أو الأسر محدودة الدخل. فالأنسنة الحقيقية تشمل جميع الظروف التي تؤثر في حياة الإنسان وكرامته وقدرته على المشاركة في المجتمع والوصولية.
فهي تبدأ بالأمن والسلامة، وتمتد إلى التعليم والصحة والسكن والنقل والعمل والخدمات العامة، وتشمل العدالة في توزيع الفرص، واحترام الحقوق والخصوصية، وتيسير الوصول إلى المرافق، وتوفير بيئة صحية، ودعم الروابط الاجتماعية والثقافية، ووجود مؤسسات تستمع إلى الناس وتستجيب لاحتياجاتهم. وتظهر أهمية هذا الفهم عندما ننظر إلى العلاقة بين عناصر الحياة المختلفة. فوجود حديقة قريبة لا يحقق فائدتها كاملة إذا كان الوصول إليها غير آمن أو غير ميسر لكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة. وتوفير خدمة حكومية عبر الإنترنت لا يعني أنها أصبحت متاحة للجميع إذا كان بعض الناس يفتقرون إلى المهارات الرقمية أو الاتصال الموثوق بالشبكة. كما أن بناء طريق جديد لا يمثل نجاحاً كاملاً إذا أدى إلى زيادة الاعتماد على السيارات، أو أضر بالأحياء السكنية، أو زاد التلوث، أو لم يساعد على الوصول إلى الخدمات الأساسية. والأمر نفسه ينطبق على التقنية. فالتطبيق الذي يختصر خطوات المعاملة الحكومية يعد إنجازاً إذا كان سهل الاستخدام وموثوقاً ومتاحاً للجميع، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا تعطل باستمرار أو فرض على المستفيدين إجراءات معقدة أو لم يترك لهم وسيلة بديلة للحصول على الخدمة. ومن ثم فإن الحكم على نجاح أي مشروع يجب أن ينطلق من تجربة الإنسان الفعلية، لا من وصف المشروع بأنه حديث أو ذكي.
إن توسيع مفهوم الأنسنة بهذه الصورة يساعدنا على الانتقال من التفكير في تحسين أجزاء منفصلة من المدينة أو المؤسسة إلى فهم الحياة الأنسنة بوصفها منظومة مترابطة. فالصحة تتأثر بالسكن والبيئة والنقل، والتعليم يتأثر بالقدرة على الوصول إلى المدارس وجودة الخدمات، والفرص الاقتصادية تتأثر بالبنية التحتية والمهارات والعدالة، والثقة بالمؤسسات تتأثر بالشفافية وسرعة الاستجابة واحترام الحقوق. ولهذا تحتاج الأنسنة إلى إطار شامل يربط هذه العناصر بدلاً من التعامل معها كموضوعات مستقلة.
لقد تناولت الفلسفة والعلوم الاجتماعية والتخطيط العمراني والإدارة العامة والبيئة والتقنيات الرقمية جوانب متعددة من حياة الإنسان. وقد أسهمت هذه الاتجاهات في بناء معرفة مهمة، لكن التحدي العملي يتمثل في كيفية ربطها ضمن إطار واحد يوجّه السياسات والاستثمارات والتقنيات نحو أهداف إنسانية واضحة. فالمؤسسة قد تضع سياسة للخصوصية، والبلدية قد تنفذ مشروعاً لتطوير الحدائق، والجهة المسؤولة عن النقل قد تسعى إلى تقليل الازدحام، بينما تعمل جهة أخرى على رقمنة الخدمات.
غير أن نجاح كل مشروع على حدة لا يضمن أن تكون النتيجة النهائية متكاملة أو أن يشعر السكان بتحسن واضح في حياتهم. ومن هنا تسعى نظرية الأنسنة الرقمية الذكية إلى جمع الأبعاد الأنسنة والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية والمؤسسية والتقنية ضمن إطار متكامل. ولا تعني هذه الفكرة أن الأنسنة لم تُدرس من قبل، أو أن كل مبادئها جديدة، بل تتمثل مساهمتها المقترحة في تنظيم هذه الأبعاد ضمن تصور واحد، وبيان العلاقات بينها، وربطها بعملية التخطيط وصنع القرار والتنفيذ والتقييم. ويقوم هذا التصور على مبدأ أساسي هو أن التكنولوجيا وسيلة وليست غاية. فليس المطلوب أن تتبنى المدن والمؤسسات كل تقنية جديدة لمجرد أنها متاحة، وإنما أن تحدد المشكلة الأنسنة أو المجتمعية التي تريد معالجتها، ثم تختار الوسائل المناسبة لتحقيق ذلك، وتتحقق بعد التنفيذ من النتائج الفعلية. وقد تكون التقنية المتقدمة هي الحل الأفضل في بعض الحالات، بينما يكون تحسين إجراء إداري أو إعادة تنظيم حركة المرور أو تقريب الخدمة من السكان أكثر فاعلية وأقل تكلفة في حالات أخرى.
إن تبني هذا المبدأ يمكن أن يغير طريقة إعداد المشروعات العامة. فبدلاً من البدء بالسؤال: ما التقنية التي نستطيع شراءها أو تطبيقها؟ يمكن البدء بالسؤال: ما المشكلة التي يعاني منها الناس؟ ومن المتضرر منها؟ وما الأسباب الحقيقية لها؟ وما النتائج التي نريد تحقيقها؟ وكيف سنعرف أن حياة الناس قد تحسنت بالفعل؟ بعد ذلك يمكن تحديد دور التقنية والموارد والسياسات والمؤسسات في الوصول إلى النتيجة المطلوبة. وبهذه الطريقة لا تصبح الأنسنة مجرد شعار يُضاف إلى الخطط والاستراتيجيات، بل معياراً يوجّه اختيار المشروعات وترتيب أولوياتها، ويحدد كيفية تنفيذها ومراجعة نتائجها. فالمشروع الناجح ليس بالضرورة المشروع الأكثر تعقيداً أو الأعلى تكلفة، بل المشروع الذي يقدم قيمة عامة حقيقية ويعالج حاجة فعلية بطريقة عادلة ومستدامة.
تطرح نظرية الأنسنة الرقمية الذكية ثمانية أبعاد مترابطة تساعد على فهم ما ينبغي أن تحققه السياسات والتقنيات والمؤسسات إذا أرادت أن تضع الإنسان في مركز التنمية. وهذه الأبعاد تمثل إطاراً مفاهيمياً مقترحاً يحتاج إلى مزيد من التطبيق والاختبار، لكنها توفر نقطة انطلاق عملية لمراجعة المشروعات وتقييم آثارها على المجتمع.
يتمثل البعد الأول في كرامة الإنسان وحقوقه وقدرته على الاختيار. فالإنسان ليس مجرد رقم في قاعدة بيانات أو مستفيد في نظام إلكتروني، بل شخص له حقوق واحتياجات وخصوصية وقدرة على اتخاذ القرارات المتعلقة بحياته. وينبغي أن تساعد الأنظمة الرقمية على تعزيز هذه القدرة، لا أن تقلصها أو تجعل الإنسان خاضعاً لقرارات آلية لا يستطيع فهمها أو الاعتراض عليها. ويشمل ذلك احترام الخصوصية، وحماية المعلومات الشخصية، والحد من التمييز، وضمان وجود وسائل واضحة لمراجعة القرارات التي تمس حقوق الناس ومصالحهم.
أما البعد الثاني فهو العدالة والشمول وسهولة الوصول. فلا تكون الخدمة إنسانية إذا استفادت منها الفئات الأكثر قدرة فقط، بينما بقيت الفئات الأقل دخلاً أو الأقل اتصالاً بالتقنية أو التي تواجه صعوبات في الحركة والاستخدام خارج نطاقها. ويجب أن تراعي الخطط احتياجات الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر محدودة الدخل وغيرهم ممن قد لا تعكس المؤشرات العامة أو المتوسطات الإحصائية ظروفهم الحقيقية. كما ينبغي ألا يؤدي التحول الرقمي إلى إلغاء جميع البدائل التقليدية قبل التأكد من قدرة الناس على استخدام الخدمات الإلكترونية بأمان وسهولة.
ويتمثل البعد الثالث في الهوية الثقافية والانتماء والتماسك الاجتماعي. فالمدن والمجتمعات ليست مجرد بنية تحتية ومبانٍ وشبكات اتصال، وإنما هي أيضاً ذاكرة وثقافة ولغة وعلاقات أسرية واجتماعية وتجارب مشتركة. ولهذا ينبغي ألا يؤدي التطوير العمراني أو الرقمي إلى فرض نموذج موحد يتجاهل خصوصية المجتمع أو يضعف تراثه وروابطه. ويمكن للتقنيات أن تدعم الحفاظ على التراث، وتسهيل التواصل، وتوثيق المعرفة المحلية، وتوسيع فرص التفاعل، شريطة أن تُستخدم بما يحترم المجتمع ويعزز انتماء أفراده.
ويأتي البعد الرابع ليؤكد المشاركة والقدرة على التأثير. فالأنسنة لا تتحقق بتوفير الخدمات من أعلى إلى أسفل فقط، بل تتطلب أن تكون للناس فرصة حقيقية في التعبير عن احتياجاتهم والمشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم. ويمكن للمنصات الرقمية أن تسهّل استطلاع الآراء وتلقي الملاحظات والشكاوى، لكن المشاركة الحقيقية لا تُقاس بعدد الاستبيانات أو التعليقات، بل بمدى أخذ الآراء في الاعتبار، ووضوح الردود، وقدرة الناس على معرفة ما تغير نتيجة مشاركتهم.
أما البعد الخامس فيركز على الأمن والخدمات الأساسية واستجابة المؤسسات. فالإنسان يحتاج إلى الشعور بالأمان، وإلى خدمات صحية وتعليمية وسكنية ونقل موثوقة، وإلى مؤسسات تتعامل مع مشكلاته بجدية وسرعة معقولة. ولا يكفي أن تكون الخدمة متاحة إلكترونياً إذا كانت إجراءاتها معقدة أو كانت تكلفتها مرتفعة أو تعذر حل المشكلات عند حدوثها. كما أن جودة الخدمات لا تُقاس بعدد المعاملات المنجزة فقط، بل بمدى قدرة الناس على الحصول على الخدمة الصحيحة في الوقت المناسب وبأقل عبء ممكن.
ويتمثل البعد السادس في الحوكمة الأخلاقية والشفافية والمساءلة. فكلما ازدادت قدرة الأنظمة الرقمية على جمع البيانات وتحليلها والتأثير في القرارات، ازدادت الحاجة إلى وضوح المسؤوليات والضوابط. وينبغي أن يعرف الناس الجهة المسؤولة عن القرار، وأن تتوافر آليات مناسبة للاعتراض والتصحيح، وأن تخضع الأنظمة للمراجعة بحسب مستوى المخاطر التي قد تنتج عنها. ولا يجوز أن تتحول التقنية إلى وسيلة لإخفاء المسؤولية خلف الخوارزميات أو الأنظمة الآلية؛ فالمؤسسات تظل مسؤولة عن القرارات التي تعتمدها وعن الأضرار التي يمكن أن تنتج عن سوء تصميم الأنظمة أو استخدامها.
ويركز البعد السابع على الاستدامة البيئية والصحة والقدرة على الصمود. فالبيئة الصحية جزء أساسي من حياة الإنسان، وتشمل الهواء والماء والسكن الملائم والمساحات الخضراء وتقليل التلوث والاستعداد للكوارث والتكيف مع تغير المناخ. ولا ينبغي النظر إلى الاستدامة بوصفها قضية منفصلة عن التخطيط والخدمات، لأن التلوث والحرارة الشديدة وضعف البنية التحتية تؤثر مباشرة في الصحة والتنقل والاقتصاد والعدالة الاجتماعية. كما أن المدينة الأنسنة تحتاج إلى مرافق قادرة على الاستمرار والتعافي من الأزمات، وإلى تخطيط يأخذ في الاعتبار احتياجات الأجيال القادمة، لا الاحتياجات الآنية وحدها.
أما البعد الثامن فهو جودة الحياة والفرص والتنمية البشرية، وهو النتيجة التي تسعى الأبعاد الأخرى مجتمعة إلى تحقيقها. ويشمل ذلك الوصولية والصحة والتعليم والسكن والعمل والتنقل والوقت المتاح للأسرة والمجتمع والترفيه والتعلم المستمر والقدرة على تطوير المهارات وتحقيق الطموحات الشخصية. فالتقنية التي تقلل وقت الانتظار أو تجعل الوصول إلى المستشفى أسهل أو تخفف من الازدحام قد تحقق فائدة إنسانية ملموسة، حتى إن لم تكن أكثر المشروعات لفتاً للانتباه، فالاستدامة تحتاج إلى عدالة في توزيع المنافع والأعباء.
ومن ثم فإن قيمة الإطار تكمن في النظر إلى هذه الأبعاد مجتمعة، وتحديد ما إذا كانت السياسات والمشروعات تحقق توازناً حقيقياً بينها.
أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أكثر مظاهر التحول الرقمي حضوراً في النقاش العام، لما يتيحه من قدرات على تحليل البيانات، والتعرف على الأنماط، والتنبؤ ببعض النتائج، وتقديم التوصيات، ودعم اتخاذ القرار. ويمكن لهذه القدرات أن تساعد في تطوير الصحة والتعليم والنقل والطاقة والخدمات العامة، لكنها لا تعني تلقائياً أن النظام يفهم جميع الظروف الاجتماعية والأنسنة المحيطة بالمشكلة، أو أنه يملك السلطة المشروعة لاتخاذ كل قرار أو تنفيذه.
فالذكاء الاصطناعي قد يتنبأ بازدحام مروري أو يقترح مساراً بديلاً، لكنه يحتاج إلى بيانات موثوقة، وأهداف واضحة، وفهم للظروف المحلية، وضوابط تمنع أن يؤدي الحل إلى نقل الازدحام من حي إلى آخر أو الإضرار بوسائل النقل العام أو بخدمات الطوارئ. وقد يوصي نظام آلي بأولوية معينة في تقديم خدمة، لكن لا بد من التأكد من أن معاييره عادلة، وأن القرار لا يحرم شخصاً من حقه بسبب نقص البيانات أو خطأ في التصنيف. ولهذا أرى أن المرحلة القادمة تتطلب التفكير في مفهوم أوسع هو الذكاء المنظومي، الذي لا يقتصر على تحليل المعلومات أو تقديم التوصيات، بل يربط بين فهم المشكلة وتشخيصها، وصياغة القرار، وتحديد الجهة المخولة باعتماده، وتنفيذه ضمن الصلاحيات المقررة، ثم مراقبة النتائج والتحقق منها والتعلم من الأخطاء وتعديل الأداء. ويقوم هذا التصور على التكامل بين التقنيات والبيانات والمؤسسات والأجهزة الميدانية والموارد البشرية، بحيث لا تعمل كل منظومة بمعزل عن الأخرى.
ولتوضيح الفكرة، يمكن تصور نظام متكامل لإدارة الحركة المرورية في مدينة كبيرة. يجمع النظام البيانات من أجهزة الاستشعار والكاميرات والمركبات المتصلة ووسائل النقل العام والطقس والحوادث وأعمال الطرق. ثم يحلل هذه المعلومات لتحديد أسباب الازدحام، ويميز بين مشكلة مؤقتة ومشكلة ناتجة عن تصميم الطريق أو توزيع الأنشطة أو توقيت المدارس وأماكن العمل. وبعد ذلك يقترح الحل المناسب، مثل تعديل توقيت الإشارات أو تغيير مسارات بعض المركبات أو تحسين تشغيل النقل العام أو تنسيق أعمال الصيانة. لكن النظام لا ينبغي أن يتصرف بلا حدود. فبعض الإجراءات الروتينية، مثل تعديل توقيت الإشارات ضمن نطاق معتمد مسبقاً، يمكن تنفيذها تلقائياً إذا كانت المخاطر محدودة وقابلة للمعالجة، مع استمرار المراقبة وإمكانية الرجوع عن الإجراء. أما القرارات التي قد تؤثر بصورة كبيرة في سلامة الناس أو حقوقهم أو وصولهم إلى الخدمات، فيجب أن تخضع لمستوى أعلى من الإشراف والموافقة. وإذا ظهرت حالة غير مألوفة أو تجاوزت المشكلة الصلاحيات المحددة، ينبغي للنظام أن يرفعها إلى المسؤول المختص بدلاً من أن يتجاوز سلطته.
وهنا يظهر الفرق بين القدرة التقنية والسلطة المشروعة. فامتلاك النظام القدرة على تنفيذ إجراء لا يعني أنه مخول باتخاذه.
وتظل الصلاحيات مستمدة من القواعد والمؤسسات والجهات البشرية المخولة، لا من قدرة الآلة على الحساب أو التنفيذ. ويمكن منح الأنظمة قدراً من الاستقلال التشغيلي في المهام المحددة سلفاً، لكن ذلك يجب أن يتم ضمن حدود واضحة، مع سجل للقرارات، ومراقبة مناسبة، وإمكانية التدخل البشري، وآلية للتصعيد عند تجاوز المخاطر أو الصلاحيات. وتتمثل الخطوة الثانية في تحديد النتيجة الأنسنة المطلوب تحقيقها. فقد يكون الهدف تقليل زمن الرحلة، أو تسهيل الوصول إلى الخدمة، أو خفض الحوادث، أو تقليل التلوث، أو زيادة استفادة كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة من المرافق العامة.
وينبغي أن تكون هذه الأهداف محددة وقابلة للقياس، وأن تعكس ما يحتاج إليه السكان فعلاً. أما الخطوة الثالثة فهي تحديد المسؤوليات بوضوح. فلا يكفي إطلاق منصة رقمية أو تركيب نظام ذكي من دون معرفة الجهة التي ستديره، والجهة المسؤولة عن صيانة البيانات، ومن يملك صلاحية اعتماد القرارات، وكيف ستتم معالجة الأخطاء والشكاوى. إن التقنية التي لا ترتبط بمسؤوليات مؤسسية واضحة قد تنتج معلومات كثيرة من دون أن تؤدي إلى تحسين حقيقي في الأداء. وتأتي بعد ذلك مرحلة التنفيذ والمراقبة والتقييم. فبعد تطبيق الحل، يجب قياس نتائجه ومقارنتها بالوضع السابق، والتحقق من استفادة مختلف فئات المجتمع منه.
ويمكن للمدن والمؤسسات الاستفادة من مؤشرات متوازنة لقياس الكرامة والحقوق، والعدالة وسهولة الوصول، والمشاركة، والشفافية، والخصوصية، والاستدامة، وجودة الحياة. وقد يكون من الممكن مستقبلاً تطوير مؤشر متكامل للإنسانية الرقمية الذكية يساعد على المقارنة بين المشروعات أو متابعة التحسن بمرور الزمن. لكن مثل هذا المؤشر يحتاج إلى تحديد دقيق لمعاييره ومصادر بياناته واختباره عملياً قبل الاعتماد عليه بوصفه أداة قياس موثوقة. ومن المهم أيضاً ألا يخفي المتوسط العام مشكلات خطيرة لدى فئات محددة. فقد تحقق المدينة تحسناً عاماً في سرعة الخدمات، بينما تتراجع قدرة بعض كبار السن على الوصول إليها بعد الانتقال الكامل إلى التطبيقات الإلكترونية.
وقد يرتفع متوسط جودة الحياة في منطقة ما، بينما تعاني أحياء أخرى من ضعف الخدمات أو التلوث أو صعوبة التنقل. لذلك ينبغي أن تُفحص النتائج بحسب الفئات والمناطق والظروف، وأن تظل حماية الحقوق الأساسية والسلامة والخصوصية متطلبات لا يمكن تعويض الإخفاق فيها بمجرد تحقيق درجات مرتفعة في جوانب أخرى. كما ينبغي إشراك السكان في التقييم، لأن المؤشرات الإدارية وحدها لا تكشف دائماً عن التجربة الحقيقية للناس. فقد تعلن جهة ما أن المعاملة أصبحت أسرع، لكن المستفيد قد يواجه صعوبة في فهم الإجراءات أو تصحيح خطأ أو التواصل مع موظف مختص.
ومن ثم فإن الجمع بين البيانات الكمية وتجارب الناس وملاحظاتهم يساعد على بناء صورة أكثر دقة عن النتائج. ولا يقتصر تطبيق الأنسنة الرقمية الذكية على المدن حيث يمكن استخدام الإطار نفسه على المستوى الوطني عند وضع خطط التنمية والتحول الرقمي وتطوير الخدمات العامة وتحديد أولويات الاستثمار، بحيث لا تُقاس النتائج بعدد الأنظمة الحكومية الإلكترونية فقط، بل بمدى سهولة وصول المواطنين والمقيمين إلى الخدمات وعدالتها وموثوقيتها، وبقدرة المؤسسات على الاستجابة للاحتياجات المتغيرة. فعلى المستوى الوطني، ينبغي أن تتكامل السياسات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والبيئية والرقمية. وقد تكون هناك استراتيجية ناجحة لتوسيع الخدمات الإلكترونية، لكن أثرها يظل محدوداً إذا لم تتكامل مع التعليم الرقمي وحماية البيانات وإتاحة الاتصال وتطوير الإجراءات الداخلية.
ويحتاج هذا التكامل إلى رؤية واضحة تحدد النتائج الوطنية المرغوبة، ثم تربطها بالسياسات والبرامج والمؤشرات والمسؤوليات. كما يتطلب تنسيقاً بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومؤسسات المجتمع، لأن المشكلات الكبرى لا تتوقف عند حدود اختصاص جهة واحدة. فالازدحام المروري، على سبيل المثال، لا يرتبط بالطرق وحدها، بل قد يتأثر بتوزيع المدارس ومواقع العمل وأنماط السكن وأوقات الدوام وكفاءة النقل العام. وكذلك جودة الحياة لا تتحقق بقرار منفرد، بل تتشكل من تفاعل السياسات والخدمات والفرص والبيئة والمؤسسات. أما على المستوى العالمي، فتزداد أهمية هذا التفكير مع التحديات المشتركة مثل تغير المناخ والكوارث والأمن الرقمي والتفاوت في الاستفادة من التكنولوجيا. فالتقنيات والبيانات وسلاسل الإمداد والمخاطر البيئية تتجاوز الحدود الوطنية، ما يجعل التعاون وتبادل المعرفة وتطوير قواعد مسؤولة أموراً ضرورية. فالمدينة ليست جزيرة مستقلة، والدولة ليست منفصلة عن محيطها، والتقنية ليست مجرد أدوات محايدة خارج تأثير السياسات العالمية والاقتصاد والثقافة. وكلما زاد الترابط بين هذه المستويات، ازدادت الحاجة إلى أن تكون الأهداف الأنسنة واضحة وقابلة للمتابعة. الإنسان هو معيار التقدم الحقيقي فالتحول الرقمي يفتح فرصاً كبيرة لتحسين الخدمات والإنتاجية والتخطيط والاستجابة للأزمات، لكنه يفرض في الوقت نفسه مسؤولية التفكير في نوعية الحياة التي نريد بناءها لمستقبل أفضل للأجيال القادمة؟