ليس كل تأخرٍ في وصول سلعة إلى سوق خارجية مشكلة شحن، ولا كل طلبٍ لإعادة اختبارها دليلًا على رداءة تصنيعها. فقد تكون المشكلة في الدليل المقدَّم لإثبات مطابقتها: اختبار لا يغطي الاستخدام المقصود، أو تقرير لا يستوفي متطلبات الجهة المستقبلة. ومن هنا يبدأ سؤال صناعي يستحق الاهتمام: هل نخطط لقبول المنتج بالدقة نفسها التي نخطط بها لإنتاجه؟
للتوضيح، لنتصور مصنعًا سعوديًا يريد تصدير عبوات بلاستيكية ملامسة للغذاء إلى الاتحاد الأوروبي. لا يكفي أن تكون العبوة متينة وجيدة الإغلاق؛ فالقواعد الأوروبية تنظّم أيضًا انتقال مكوّنات البلاستيك إلى الطعام، وتربط اختبارات هذا الانتقال بظروف تمثل الاستخدام، ومنها نوع الغذاء ومدة الملامسة ودرجة الحرارة. وتوضح المفوضية الأوروبية أن إثبات المطابقة يتضمن وثائق داعمة وإقرارًا بالمطابقة، لا مجرد انطباع عن جودة العبوة.
والنتيجة العملية أن اختبارًا لا تغطي ظروفه الاستخدام المستهدف لا يكفي وحده لإثبات صلاحية العبوة لذلك الاستخدام. لكن هذا لا يعني تكرار الفحص آليًا لكل استعمال؛ فقد يغطي اختبارٌ مصمم على أساس الحالة الأشد أكثر من حالة استخدام. المسألة إذن ليست كثرة الاختبارات، وإنما صحة السؤال الذي صُمم الاختبار للإجابة عنه.
في السعودية، أعلن المركز السعودي للاعتماد، في 30 أغسطس 2026، بلوغ عدد جهات تقويم المطابقة المعتمدة لديه ألف جهة، تشمل المختبرات والتفتيش ومنح الشهادات. هذا أساس مهم لخدمة التوسع التصديري، لكنه يدعونا إلى قراءة القدرات تحت الرقم: أي اختبارات تغطيها؟ ولأي منتجات؟ وأمام متطلبات أي أسواق؟ فعدد الجهات لا يخبرنا وحده بمدى تغطية الاحتياج التصديري المتخصص.
ولفهم ذلك، يجب الفصل بين ثلاث وثائق قد تُجمع خطأ تحت كلمة «شهادة». شهادة نظام إدارة الجودة، مثل «آيزو 9001»، تتعلق بنظام الإدارة، ولا تحل محل إثبات مطابقة منتج بعينه. واعتماد المختبر يثبت كفاءته لأداء اختبارات محددة ضمن نطاق معلوم. أما تقرير الاختبار فيعرض نتيجة الفحص المنفَّذ. لا تغني واحدة منها تلقائيًا عن الأخرى، ولا تختصر بمفردها متطلبات دخول السوق.
حتى الاعتراف الدولي بالاعتماد ليس تصريحًا شاملًا بالتداول. فالتعاون العالمي للاعتماد يوضح أن ترتيب الاعتراف المتبادل يسهّل قبول النتائج، لكنه لا يضمن قبولها لدى جميع الأطراف في السوق الأجنبية، ولا يتجاوز الأنظمة المحلية. لذلك ينبغي التحقق من المواصفة المطلوبة، ونطاق اعتماد جهة الفحص، وأي متطلبات إضافية لقبول النتائج. «مختبر معتمد» بداية تحقق، لا نهاية السؤال.
وتظهر أهمية هذا التفصيل في تقرير التنمية في العالم 2025 للبنك الدولي؛ إذ تؤثر التدابير غير الجمركية، المرتبط معظمها بالمعايير، في نحو 90 % من التجارة العالمية. النسبة لا تعني أن هذه التجارة متعطلة، لكنها تذكّر بأن المنافسة تدور أيضًا حول استيفاء المتطلبات وإثباته. جودة المنتج أصلٌ اقتصادي، والدليل المقبول هو ما يسمح بالتحقق من هذه الجودة في السوق المقصودة.
ولهذا أقترح أن يبدأ تشخيص أي تعثر فني بالفصل بين أربعة أسباب: عيب في المنتج، أو نقص في الاختبار والوثائق، أو عدم استيفاء متطلبات قبول جهة الفحص، أو تأخر في التنسيق والتنفيذ. لكل سبب علاج مختلف؛ فعيب المادة يحتاج إلى تطوير التصنيع، ونقص الدليل يحتاج إلى استكماله، ومشكلة الاعتراف تحتاج إلى معالجة فنية وتنظيمية. شراء جهاز جديد لا يصلح كل هذه الأعطال.
وتزداد حساسية التشخيص لدى المنشآت الصغيرة. فإذا دفعت منشأتان كلفة تأهيل أولي متقاربة، ووزّعتها إحداهما على مبيعات أقل، ارتفع نصيب الوحدة لديها من تلك الكلفة. وإذا تكرر الإنفاق بسبب خطأ يمكن تجنبه، فقد تتراجع جدوى دخول السوق قبل أول بيع. ولا يصح تقدير حجم هذه الخسارة على صادراتنا بلا بيانات؛ المطلوب قياسها بدل افتراض ضخامتها أو إنكارها.
والدعم ليس فكرة تبدأ من الصفر؛ فقد شمل برنامج تحفيز الصادرات السعودية شهادات المنتجات وتسجيلها والاستشارات التصديرية. ما أقترحه هو تطوير التكامل بين هذه الخدمات، بحيث يبدأ العمل بتحديد الدليل المطلوب، لا ينتهي عند تمويل وثيقة. تعويض كلفة شهادة مفيد، لكن الأجدى أن يسبق الإنفاقَ تحققٌ من أن المسار المختار يخدم المنتج والسوق المقصودين.
أقترح أن تطلق هيئة تنمية الصادرات السعودية، بالتعاون مع هيئة المواصفات والمركز السعودي للاعتماد والجهة القطاعية المختصة، تجربةً لمدة عام باسم «مسار المطابقة المسبقة للتصدير». تبدأ بثلاث مجموعات محددة من المنتجات والأسواق، تُختار وفق طلب تجاري واضح وحاجة فنية قابلة للقياس. وهي خدمة اختيارية داخل منظومة الدعم، لا ترخيص جديدًا يُضاف إلى رحلة المصدّر.
والمخرج الأساسي خطة مطابقة موثقة لكل منتج وسوق، تُنجز قبل التعاقد على فحوص التأهيل. تربط كل متطلب بالدليل الذي يثبته، وتحدد الاختبارات اللازمة، والجهة الملائمة لتنفيذها، والوثائق الأخرى المطلوبة، وما أمكن التحقق منه بشأن قبول النتائج. وتُراجع مع المستورد والجهة المختصة عند الحاجة، مع بيان الكلفة والمدة والافتراضات التي بُنيت عليها. ولا تمثل الخطة موافقةً من السوق المستهدفة أو بديلًا عن متطلباتها. بذلك يشتري المصنع خدمة محددة الغرض، لا قائمة شهادات لا يعرف أيها يحتاج.
ولكي يكون المسار مسؤولية فعلية، أوصي بأن تتضمن عقود الخدمة معالجةً واضحة لكلفة الإعادة: إذا ثبت أن اختبارًا أُعيد بسبب خطأ مهني في اختيار الطريقة أو تنفيذ النطاق المتفق عليه، يتحمل مقدم الخدمة كلفة تصحيحه وفق العقد، لا المصدّر ولا برنامج الدعم مرة أخرى. أما تغير المنتج أو المتطلبات التنظيمية فيُعامل بصورة مختلفة. المقصود ضمان جودة الخدمة، لا ضمان نجاح المنتج في الفحص.
ومن الضروري أن يبقى تقييم المختبر مستقلًا عن هدف زيادة الصادرات؛ فلا تصبح جهة الاعتماد مستشارًا تجاريًا يراجع عمله بنفسه، ولا تُربط أتعاب الفاحص بنسبة العينات الناجحة. ويُضبط تعارض المصالح عند ترشيح المختبرات. قد تكشف التجربة أن منتجًا يحتاج إلى تعديل قبل تسويقه، وهذه نتيجة تحمي المصنع والمستهلك وسمعة الصناعة الوطنية، وليست إخفاقًا يستدعي تجميل الأرقام.
ثم تتحول الملفات، بعد إخفاء أسرار المنشآت، إلى خريطة للاستثمار المخبري: أين يتكرر الطلب على اختبار غير متاح؟ وأين توجد قدرة لكنها لا تغطي الطريقة المطلوبة؟ وأين المشكلة في القبول لا في الأجهزة؟ عندئذ تُوجَّه الاستثمارات إلى الاختناق المحدد، وتُجمع احتياجات عدة مصانع لتبرير توسعة مشتركة. وحيث لا تكفي الجدوى المحلية، تكون الشراكة مع مختبر خارجي مؤهل خيارًا أفضل من شراء معدات قليلة الاستخدام.
ويُقاس نجاح التجربة بكلفة تجهيز الدليل المقبول ومدته، وبنسبة الإعادة التي كان يمكن تجنبها، مع نشر أسباب الرفض والتأخير إجمالًا. لا يكفي عدّ الشهادات المصروفة، ولا نسبة كل تحسن في المبيعات إلى البرنامج. المطلوب أن نعرف أين وفّر التنسيق وقتًا ومالًا، وأين احتاج المنتج نفسه إلى تطوير؛ فذلك ما يبرر التوسع أو تعديل المسار.
وللكفاءات العلمية السعودية مكان مباشر في هذا التصور. أقترح ربط تدريب الكيميائيين والفيزيائيين ومختصي القياس بالاختبارات التي تكشف الخريطة حاجة المصانع إليها، مع تدريب عملي داخل الجهات المؤهلة. فامتلاك الجهاز لا يغني عن امتلاك من يفهم حدوده، ويختار طريقة الفحص، ويفسر نتيجته. هكذا يرتبط تأهيل خريج العلوم باحتياج صناعي محدد، بدل الاكتفاء بالمطالبة العامة بفرص عمل.
إن تعظيم العائد من الصناعة الوطنية يستحق النظر إلى هذه الحلقة الصغيرة في حجمها، الكبيرة في أثرها المحتمل. لسنا بحاجة إلى شهادة سعودية جديدة نطلب من العالم قبولها؛ نحتاج إلى إتقان متطلباته، وإنتاج دليل موثوق على الوفاء بها، ثم تطوير قدرتنا على المشاركة في صياغتها. المصنع يصنع السلعة، والمختبر يساعد على بناء الثقة فيها. والسياسة الصناعية الأجدى تصل بينهما وبين السوق قبل أن تتحرك الشحنة.
** **
- سلمان الحربي