ناصر بن فريوان الشراري
ليست كل ضربة يوجهها المعتدي دليلًا على قوته، فقد تكون أحيانًا أبلغ شاهد على ضعفه، وليست كل صواريخ تُطلق تعبيرًا عن انتصار، فقد تكون آخر ما يلجأ إليه من ضاقت عليه الخيارات، وهذا ما أراه في الاعتداءات الحوثية الإرهابية الجبانة على المطارات والأعيان المدنية في المملكة العربية السعودية، فالحوثي الذي لم يقدم لليمن وأهله سوى سنوات طويلة من الصراع والمعاناة، يعود اليوم ليستهدف مرافق مدنية يرتادها المسافرون الآمنون، وكأن ترويع الأبرياء أصبح وسيلته لإثبات وجوده بعدما عجز عن تقديم مشروع يحقق لليمنيين الأمن والاستقرار.
إن الاعتداءات التي استهدفت مطاري الملك خالد الدولي بالرياض وأبها الدولي، وما خلفته من ضحايا ومصابين بين المدنيين، ليست مجرد أحداث عسكرية عابرة، وإنما اعتداءات تستحق أشد الإدانة والاستنكار، فالمطارات ليست ميادين قتال، والمسافرون ليسوا جنودًا في ساحات الحرب، وما ذنب إنسان خرج يطلب رزقه أو يقصد أهله أو يعود إلى وطنه ليجد نفسه هدفًا لصاروخ أو طائرة مسيّرة، رحم الله من قضوا في هذه الاعتداءات، وشفى المصابين وألبسهم ثوب الصحة والعافية، وألهم ذويهم الصبر والسلوان.
وهنا أقول إن هذا الاعتداء، على بشاعته، لا أراه دليلًا على امتلاك الحوثي قوة جديدة، بل أراه مؤشرًا على ضيق الخيارات التي باتت أمامه، فقد سبق أن حاول استهداف المنشآت النفطية والحيوية في المملكة، وها هو اليوم يعود إلى استهداف المطارات والأعيان المدنية، وكأن ما بقي في جعبته لا يتجاوز محاولة إيذاء الأبرياء وتعطيل مصالح الناس، وهذا في تقديري ليس تصعيدًا يصنع النصر، وإنما إفلاس عسكري وأخلاقي يكشف حقيقة جماعة لم تستطع أن تقدم لليمن وأهله سوى الخراب والدمار.
ولعلني أذهب إلى أبعد من ذلك فأقول إن الحوثي لو لم يقدم على هذه الاعتداءات لكان من الممكن أن يُقال إنه لا يزال يحتفظ بأوراق قوة لم يستخدمها، أو أن لديه من الخيارات العسكرية والسياسية ما يستطيع أن يناور به في الميدان أو على طاولة المفاوضات، لكنه حين يختار استهداف المطارات المدنية بهذا الوضوح أمام العالم أجمع، فإنه يكشف بنفسه عن طبيعة الوسائل التي بات يلجأ إليها، فالذي يمتلك القوة الحقيقية لا يحتاج إلى قتل مسافر آمن أو ترويع امرأة بريئة ليؤكد وجوده، وهذه في نظري واحدة من أوضح علامات المأزق الذي يعيشه الحوثي.
وإذا نظرنا إلى المشهد العسكري في اليمن، وما يشمن مواجهات وعمليات عسكرية تستهدف مواقع الحوثيين وقدراتهم، وما تقدمه المملكة من دعم للحكومة اليمنية الشرعية وقواتها المسلحة، فإننا نجد أن الحوثي يواجه ضغوطًا عسكرية وسياسية لا يمكن تجاهلها، ولعل لجوءه إلى استهداف الأعيان المدنية محاولة لنقل الأنظار من الميدان إلى مشاهد الانفجارات، متوهمًا أن صاروخًا يسقط على مطار يمكن أن يعوض ما قد يخسره في ساحات القتال، غير أن الضجيج مهما ارتفع لا يغير الحقائق، والاعتداء على المدنيين لا يصنع نصرًا ولا يمنح صاحبه شرعية يفتقدها.
والحوثي في هذه الحالة يذكرني بقط حُشر في زاوية ضيقة، وأدرك أن خيارات النجاة تتضاءل أمامه، فلم يجد إلا أن يقفز قفزته الأخيرة ويخدش من حوله، وهي الصورة التي تختصر ما يمكن تسميته برقصة الموت، حين يتحول العنف إلى محاولة يائسة لتأخير النهاية لا إلى وسيلة حقيقية للنجاة، وإنني أرى أن ما يفعله الحوثي اليوم يحمل شيئًا من هذا المعنى، فاستهداف الأبرياء لا يغير موازين القوة، ولا ينقذ مشروعًا أرهق اليمن وأهله، وإن طال أمد هذه الفتنة فإن ذلك لا يعني أنها باقية إلى الأبد.
والأشد غرابة أن هذه الجماعة لا تزال ترفع شعارات نصرة الإسلام والمسلمين والدفاع عن المظلومين، بينما يشهد اليمن على ما خلفته سنوات الحرب من قتل وتشريد وتجويع ودمار، فأي نصرة للمظلومين تلك التي تبدأ بمعاناة أبناء الوطن، وأي مقاومة تلك التي تستعرض قوتها على المطارات والمنشآت المدنية، ثم تبلغ المفارقة ذروتها حين يعلن الحوثي أن الملاحة في باب المندب آمنة لجميع الدول باستثناء السفن السعودية، وتتحدث التقارير عن تعهداته بعدم استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية، وهنا يحق لنا أن نسأل، أين ذهبت تلك الصرخة التي ملأ بها الدنيا عداءً لأمريكا وإسرائيل، وكيف أصبحت سفن المملكة العربية السعودية، بلاد الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، هي المستثناة من الأمان الذي يعلنه للآخرين، وأي تناقض أشد من أن يرفع شعارات نصرة الإسلام والمسلمين ثم يخص بلاد الحرمين الشريفين وسفنها ومطاراتها بالتهديد والاعتداء، إن الحوثي لا يحتاج إلى من يفضح تناقضه، فقد تكفلت تصريحاته وممارساته بكشف المسافة الشاسعة بين الشعارات التي يرفعها والأفعال التي يقدم عليها.
ولمن لا يزال يعتقد أن الحوثي يمكن أن يكون يومًا قوة نافعة للأمة أو سندًا لقضاياها، فإن عليه أن يتأمل ما حل باليمن، وأن يقارن بين ما تقوله الجماعة وما تفعله، فالقضية ليست في الشعارات التي تُرفع، وإنما في النتائج التي تتركها على الأرض، واليمنيون الذين عانوا سنوات طويلة من الحرب والانقسام أولى بالأمن والاستقرار من أن تظل بلادهم ساحة لمغامرات عسكرية لا تنتهي.
وفي المقابل تقف المملكة العربية السعودية شامخة بعزها ومكانتها، دولة لا تختزل قوتها في ترسانتها العسكرية، وإنما تستمد منعتها من رسوخ مؤسساتها، وحكمة قيادتها، وتلاحم شعبها، ومكانتها الدينية والسياسية والاقتصادية، ومن تاريخ راسخ في خدمة الحرمين الشريفين ونصرة الأشقاء وإغاثة الملهوف، وهي التي فتحت أبوابها لملايين المقيمين من مختلف الجنسيات، وجعلت أمنهم وسلامتهم جزءًا من مسؤوليتها، ولذلك فإن الاعتداء على أي إنسان آمن على أرضها ليس حادثًا عابرًا في وجدان السعوديين، بل اعتداء على قيمة إنسانية وأخلاقية عظيمة يعتز بها هذا الوطن.
وهنا يظهر الفارق الكبير بين مشروعين، مشروع سعودي يبني ويعمر ويستثمر في الإنسان والمستقبل، ومشروع حوثي استنزف مقدرات اليمن وأثقل كاهل أهله، ففي الوقت الذي تمضي فيه المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، في مسيرة تنموية طموحة جعلت من السعودية نموذجًا للتحول والتقدم، لا يزال الحوثي أسير عقلية الصراع، وبين من يبني المطارات لتصل الشعوب بعضها ببعض، ومن يستهدف المطارات ليقطع سبل الحياة، مسافة حضارية وأخلاقية لا يمكن أن تختصرها الشعارات.
وليعلم الحوثي أن السعودية ليست دولة يمكن أن تنال من هيبتها مغامرة طائشة، ولا وطنًا يمكن أن تهزه اعتداءات جماعة مسلحة، إنها المملكة التي وحدها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه -، على كلمة التوحيد، وأرسى دعائم أمنها واستقرارها، وتعاقب على خدمتها ملوك حملوا مسؤولية بنائها وتعزيز مكانتها، حتى أصبحت اليوم قوة سياسية واقتصادية مؤثرة، وشعبها الذي يقف صفًا واحدًا خلف قيادته يدرك أن أمن الوطن وسيادته وعزته خطوط لا تقبل المساومة.
وإن كان الحوثي يظن أن هذه الاعتداءات ستضعف عزيمة المملكة، فقد أخطأ في قراءة تاريخها وحاضرها، فالسعودية التي وقفت في وجه التحديات وحافظت على استقرارها تملك بحمد الله من القدرات والإمكانات ما يعينها على حماية أرضها وشعبها والمقيمين فيها، وقوتها لا تحتاج إلى ضجيج لإثباتها، فالدول الواثقة من نفسها تعرف متى تتحدث ومتى تعمل، ومتى تمارس الحكمة ومتى تستخدم ما تملكه من وسائل مشروعة لحماية أمنها وردع المعتدين.
وأعود إلى الفكرة التي بدأت بها، وهي أن الحوثي حين يستهدف الأعيان المدنية لا يثبت أنه انتصر، وإنما يكشف عن طبيعة الوسائل التي اختار اللجوء إليها، ولو كان يملك ما هو أجدى في الميدان لما احتاج إلى جعل المدنيين أهدافًا لاعتداءاته، وما أراه اليوم ليس بالضرورة بداية قوة جديدة، بل علامة على مأزق يتعمق، ومحاولة لصناعة مشهد صاخب يخفي وراءه واقعًا مريرًا، فكم من جماعة ظنت أن رفع صوتها وإشاعة الخوف سيطيلان عمرها، فإذا بذلك لا يزيد الناس إلا إدراكًا لحقيقتها.
أما نحن في المملكة العربية السعودية، فإن هذه الاعتداءات لن تزيدنا بإذن الله إلا اعتزازًا بوطننا وثقة بقيادتنا وتلاحمًا حول رايتنا، ولن تغير من حقيقة أن بلاد الحرمين الشريفين ستبقى عزيزة منيعة، وأن أمنها واستقرارها من أعظم نعم الله علينا، وأن ما نشهده فيها من نهضة وتقدم ومكانة بين الأمم يستحق منا الحمد والشكر والعمل والمحافظة عليه.
رحم الله ضحايا الاعتداءات الحوثية، وشفى المصابين، وحفظ المملكة العربية السعودية قيادة وشعبًا، وأدام عليها عزها وأمنها ومجدها، وأيد خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده بنصره وتوفيقه، وحفظ جنودنا البواسل ورجال أمننا المرابطين على ثغور الوطن، وجعل بلادنا ذخرًا للإسلام والمسلمين ونصيرًا للمظلومين في الأرض، ودحر المعتدين ورد كيدهم في نحورهم، وكتب لليمن وأهله الخلاص من هذه الفتنة التي طال أمدها، وإنني لأرجو أن تكون هذه الاعتداءات من علامات اقتراب نهايتها، وأن يعود اليمن إلى أهله، وتبقى السعودية كما عهدناها شامخة بعزها، راسخة بمبادئها، ماضية إلى مستقبلها بثقة واقتدار.
فالسعودية وطن يبني المستقبل، أما الحوثي فلن تصنع له دماء الأبرياء نصرًا، والوعد بإذن الله أن تزول الفتنة ويبقى الوطن.