صبحي شبانة
لا يمكن قراءة الحرب التي تحمل اسم «فجر اليمن» بوصفها فصلًا جديدًا في نزاع مفتوح بلا نهاية، فهي في جوهرها لحظة فرز بين مشروعين لا يلتقيان، مشروع دولة تستعيد مؤسساتها وسيادتها وقرارها، ومشروع جماعة مسلحة تريد أن تحكم بالقوة ما عجزت عن كسبه بالسياسة، وما يميز هذه المرحلة أن أهدافها المعلنة محددة وواضحة على غير ما اعتادته الحرب اليمنية في سنواتها الطويلة، فالمطلوب ليس الانتقام من إقليم أو طائفة أو منطقة، وإنما إنهاء سلطة ميليشيا صادرت العاصمة بقوة السلاح في سبتمبر 2014، وأطاحت بمسار انتقالي كان اليمنيون قد ارتضوه، وفرضت على البلاد أمرًا واقعًا لا سند له في دستور أو توافق أو شرعية، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان هذا المشروع سيسقط، وإنما كيف يسقط بأقل كلفة على اليمنيين؟، وكيف يُبنى على أنقاضه ما يمنع عودته؟.
وفي المقابل يبقى المسار السياسي الذي سيعقب هذه المعركة أقل وضوحًا من مسارها العسكري، فلا أحد يستطيع أن يجزم اليوم بالصيغة التي ستنتهي إليها التسوية، ولا بموعدها ولا بمن سيجلس إلى طاولتها، غير أن الأمر الذي لا خلاف عليه أن التسوية قادمة لا محالة، لأن الحروب مهما طالت لا تنتهي إلا بترتيبات سياسية تُحوّل نتائج الميدان إلى واقع قابل للحياة، والفارق الجوهري هو أن هذه التسوية لن تُصاغ على قياس ميليشيا تحمل السلاح في مواجهة الدولة، وإنما على قياس دولة تجمع أبناءها، فأهل صعدة جزء أصيل من الشعب اليمني، لهم من الحقوق والمكانة في أي ترتيب قادم ما لسواهم من اليمنيين، ولن يُختزلوا في جماعة إرهابية تتحدث باسمهم ولا أن يدفعوا ثمن مغامراتها، والمطلوب تفكيك البنية المسلحة التي حولت منطقة بكاملها إلى رهينة، لا معاقبة المجتمع الذي خرجت من بين صفوفه هذه المجموعة المتمردة.
ولفهم طبيعة هذه الميليشيا ينبغي النظر إلى ما تمثله فكريًا وسياسيًا، فهي ليست حركة إصلاحية ولا قوة سياسية تتنافس على السلطة عبر صندوق الاقتراع، وإنما تنظيم مسلح خارج إطار الدولة يحاول أن يستمد شرعيته من فكرة الاصطفاء السلالي لا من تفويض شعبي، ويرى في الدولة الحديثة عائقًا لا إطارًا، ولذلك لم يكن مستغربًا أن تسعى إلى إعادة اليمن من أفق الجمهورية التي قامت قبل أكثر من ستين عامًا إلى منطق الإمامة الذي طواه اليمنيون بتضحيات جسيمة، فالجماعة الإرهابية التي لا تملك موازنة تُسأل عنها ولا مؤسسات تحاسبها ولا شعبًا تخشى غضبه، تتحرك بمنطق البقاء لا بمنطق الحكم، وتستثمر في الأزمة لأنها مصدر نفوذها الوحيد، وهذا ما يفسر عجزها عن تقديم نموذج إدارة واحد يستحق أن يُذكر في المناطق التي تسيطر عليها رغم مرور أكثر من عقد على سيطرتها، ولاشك ان العامل الذي حوّل هذه الجماعة من تمرد محلي إلى خطر إقليمي هو ارتباطها العضوي بإيران، وتحديدًا بالحرس الثوري الذي وفّر لها السلاح والخبرة والتدريب والغطاء السياسي، وقد وثّقت تقارير أممية متعاقبة ومضبوطات بحرية عديدة مسار هذا الدعم، من الصواريخ والمسيّرات إلى مكوناتها التقنية، حتى بات من الصعب الفصل بين قرار الجماعة الحوثية وحسابات طهران في ملفات تتجاوز اليمن بكثير، وقد كانت إيران تتباهى قبل سنوات بأنها صارت صاحبة النفوذ في أربع عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وتعدّ ذلك دليلًا على نجاح مشروعها الإقليمي، لكن الحساب تغيّر تغيرًا جذريًا، فقد سقط نظام دمشق الذي كان ركيزة هذا المشروع، وتراجع حزب الله في لبنان تراجعًا كبيرًا، وبدأت بغداد تعيد النظر في كلفة ارتهانها، ولم تبق من تلك الأوراق سوى ورقة صنعاء، وهذا ما يجعل معركة اليمن أكبر من حدودها، لأنها المعركة التي تحدد ما إذا كان آخر ما تبقى من هذا النفوذ الإيراني سيصمد أم يتهاوى.
وهنا يتضح أن الأهمية الحقيقية لليمن تكمن في موقعه من الخريطة الجيوسياسية والإستراتيجية في الشرق الأوسط، فالعالم اليوم يقف أمام بوابتين بحريتين تتحكمان في شرايين الطاقة والتجارة، مضيق هرمز في الشرق وباب المندب في الغرب، ولا يمكن لأي قوة أن تتحكم في الأول مهما بلغت قدرتها على التهديد والتعطيل، لأن العالم كله، من الدول المنتجة والمستهلكة، يجمع على أن حرية الملاحة فيه خط أحمر، وعلى المنطق نفسه لا تقبل أي قوة إقليمية أو دولية أن يقع باب المندب والبحر الأحمر تحت سيطرة جماعة مسلحة هي الحوثي تتحرك وفق أجندة خارجية، فهذا الممر يربط المحيط الهندي بقناة السويس ويحمل ما يقارب عُشر التجارة العالمية، وقد أظهرت الهجمات الحوثية التي بدأت عام 2023 على السفن التجارية كيف يمكن لجماعة إرهابية تملك بضعة صواريخ ومسيّرات أن تدفع شركات الشحن الكبرى إلى تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح، فترتفع كلفة النقل والتأمين وتتأخر الإمدادات وتتأثر أسعار السلع في مدن بعيدة عن اليمن بآلاف الكيلومترات.
وهذا ما يفتح الباب أمام الخطر الأخطر في هذه المعادلة، وهو عودة القرصنة بصيغة أشد تعقيدًا مما عرفه العالم في فترات سابقة، فقد شهدت مياه القرن الأفريقي بين عامي 2008 و2012 موجة قرصنة كلفت الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات واستدعت تشكيل تحالفات بحرية دولية ضخمة، لكن أولئك القراصنة كانوا مجموعات مسلحة بأدوات بدائية، أما اليوم فالتهديد يتمثل في ميليشيا تملك صواريخ مضادة للسفن وطائرات مسيّرة وقدرة على احتجاز السفن واحتجاز أطقمها، كما حدث مع السفينة جالاكسي ليدر في نوفمبر 2023، أي أن العالم أمام قرصنة مسلحة بقدرات عسكرية متقدمة ومنفلتة تتخذ من شواطئ دولة منهارة منصة لها، ولا تخضع لأي ضابط قانوني أو رادع سياسي، ولذلك فإن بقاء هذه الميليشيا الحوثية على ساحل البحر الأحمر لا يعني تهديدًا للملاحة اليوم فقط، وإنما يؤسس لسابقة خطيرة مفادها أن ممرات التجارة الدولية يمكن أن تتحول إلى ورقة ابتزاز في يد من يمتلك السلاح لا القانون، ولا يقل هذا التهديد خطورة على الأمن القومي الخليجي والعربي، فالحدود الجنوبية للمملكة تمتد أكثر من ألف كيلومتر مع اليمن، وقد تعرضت مدن ومنشآت سعودية على مدى سنوات لهجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة، من هجمات على المنشآت النفطية إلى محاولات استهداف المدن، وصولًا إلى محاولة استهداف مكة المكرمة التي أثارت غضبًا عربيًا وإسلاميًا واسعًا، وفي الأشهر الأخيرة تعرضت دول مجلس التعاون كلها لاعتداءات أكدت أن الأمن الخليجي كل لا يتجزأ، وأن أي سلاح يتراكم في يد ميليشيا إرهابية على الخاصرة الجنوبية للجزيرة العربية سيظل موجهًا إلى عمقها الاقتصادي والبشري، ولا يمكن لأي منظومة دفاع مهما بلغت كفاءتها أن تضمن الأمن إلى الأبد لدول تواجه خصمًا يملك ترسانة تتجدد باستمرار عبر خطوط إمداد خارجية، فالأمن الحقيقي لا يتحقق باعتراض الصواريخ بعد إطلاقها، وإنما بإنهاء الجهة التي تطلقها وقطع الشرايين التي تغذيها.
ولا يمكن فصل هذه المعادلة عن الجغرافيا البحرية للصراع، فالموانئ الواقعة على الساحل الغربي، وفي مقدمتها الحديدة ورأس عيسى والصليف، شكلت لسنوات الشريان الذي يغذي الجماعة الحوثية بالإيرادات والوقود وكل ما يتسلل معهما، ومن خلال هذه المنافذ تتدفق العائدات التي تمول آلة الحرب، وعبرها تصل مكونات الصواريخ والمسيّرات التي كشفت عنها المضبوطات البحرية، ولهذا فإن استعادة الدولة السيطرة على الساحل ومحيط باب المندب تحمل قيمة تتجاوز رمزيتها العسكرية، لأنها تقطع على الميليشيا أخطر مواردها وتقلص قدرتها على التهديد من الخاصرة البحرية، وتمنح الدولة اليمنية وشركاءها القدرة على الرقابة والتفتيش وضبط حركة الملاحة في الممر الأضيق بين آسيا وأفريقيا، وكلما اتسعت سيطرة الشرعية على الساحل ضاقت الدائرة على من اعتاد أن يجعل من البحر الأحمر ساحة ابتزاز لا يخشى فيها حسابًا ولا عقابًا، ومن هذه الزاوية تحديدًا تتضح الحاجة إلى القضاء على الميليشيا بوصفها قوة مسلحة موازية للدولة قضاءا كاملًا ونهائيا، فتجارب السنوات الماضية أثبتت أن الحلول الجزئية لا تصنع سلامًا، فقد جاء اتفاق استوكهولم عام 2018 بشأن الحديدة، وجاءت الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في أبريل 2022، وجاءت خارطة الطريق التي نوقشت بعد ذلك، وفي كل مرة كانت الجماعة الحوثية تستخدم الهدوء النسبي لإعادة ترتيب صفوفها وتعزيز ترسانتها واستكمال استعداداتها لجولة جديدة، لأن السلام الذي لا يستند إلى ميزان قوى يردع من يحاول نقضه يتحول إلى استراحة مؤقتة بين حربين، ولذلك فإن المعيار الوحيد لنجاح هذه المرحلة هو تفكيك البنية العسكرية للجماعة الحوثية الإرهابية، ترسانتها الصاروخية وورشها ومخازنها وموانئها التي تستقبل الإمدادات، ودمج أفرادها مواطنين في دولة القانون بدل بقائهم جنودًا في جيش عقائدي خارج سلطتها.
ولا يعني ذلك إغلاق الباب أمام اليمنيين الذين وجدوا أنفسهم داخل هذه التركيبة، فالدولة القوية هي التي تستطيع استيعاب جميع أبنائها، وفتح المجال أمامهم للمشاركة في بنائها، وقد وضع مؤتمر الحوار الوطني اليمني في عامي 2013 و2014 تصورًا لدولة اتحادية تتسع لكل المكونات وتضمن لكل منطقة حقها في التمثيل والتنمية، لكن الجماعة الحوثية اختارت يومها أن تنقلب على هذا المسار لا أن تنخرط فيه، وهذا ما يجعل التسوية القادمة مختلفة في جوهرها، فمن أراد المشاركة فعليه أن يتخلى عن السلاح ويقبل بمرجعية الدولة، ومن أصر على حمل السلاح سيجد أن الباب قد أُغلق، وهذه المعادلة هي الضمانة الوحيدة لأن تبقى صعدة وسائر المناطق جزءًا من يمن موحد إما بتسوية واتفاق أو بالقوة العسكرية، لا ساحة تتنازعها الميليشيات وتتناوب عليها الصراعات، وإنما بسلطة تقدم لهم ما عجزت عنه الميليشيا، رواتب تُصرف بانتظام، وكهرباء تعمل، وموانئ تُدار بكفاءة، ومصرف مركزي يحمي العملة، ومحاكم تنصف الناس، وأجهزة أمنية تحمي ولا تبتز، ولهذا فإن الدعم الخليجي والدولي مطالب ببرنامج شامل لإعادة الإعمار والتنمية، يجعل من مناطق الساحل الغربي والموانئ المستعادة نموذجًا يراه اليمنيون في المناطق الأخرى، فيدركون أن العودة إلى الدولة ليست خسارة بل مكسب، وأن الأمن والخدمات والاقتصاد حقائق يمكن أن تعيش في ظل الشرعية لا في ظل الميليشيا الإرهابية، فالدولة التي تنتصر في الميدان وتخسر في الخدمات تفتح الباب أمام عودة من هزمتهم.
وفي موازاة ذلك لا ينبغي إغفال العامل الداخلي في معسكر الشرعية نفسه، فقد أثبتت السنوات الماضية أن أحد أهم أسباب بقاء الميليشيا هو تشتت القوى المناوئة لها وتعدد مراكز القرار العسكري والأمني بينها، وتنافس بعضها أحيانًا على النفوذ في المناطق المحررة بدل أن تتوحد البوصلة نحو الخصم المشترك، ومن هنا جاء تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022 بعد مشاورات الرياض خطوة مهمة لجمع هذه المكونات تحت مظلة واحدة، لكن المرحلة الراهنة تستدعي المضي إلى ما هو أبعد، أي توحيد القرار العسكري والأمني تحت قيادة الدولة، ودمج التشكيلات المسلحة في مؤسسات نظامية خاضعة للقانون، لأن الجيوش المتعددة داخل الجبهة الواحدة تمنح الخصم الفرصة التي لا يستطيع صنعها بنفسه، والمعركة التي تُخاض بإرادة سياسية موحدة تختصر الزمن والكلفة، وتجعل الانتصار قابلًا للتحول إلى دولة لا إلى مناطق نفوذ.
وفي الأفق الأبعد يتجاوز ما يجري في اليمن حدود الجغرافيا اليمنية ليصل إلى السؤال الأكبر عن مستقبل النفوذ الإيراني في العالم العربي، فإذا كانت المعارك الحالية تستهدف إنهاء الميليشيات والقوى المسلحة المرتبطة بطهران، فإن نهاية هذا المسار تتجه إلى أحد احتمالين، إما أن تغيّر إيران سلوكها الإقليمي وتتخلى عن سياسة تصدير الميليشيات والتدخل في شؤون جيرانها، وإما أن تواجه تحولات داخلية وخارجية تفرض عليها هذا التغيير فرضًا، فلم يعد في المنطقة مجال لنفوذ إيراني يقوم على الأذرع المسلحة، وقد حاولت دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة، فتح صفحة جديدة مع طهران حين وقّعت اتفاق بكين عام 2023 على أساس احترام السيادة وعدم التدخل، لكن استمرار تدفق السلاح إلى الحوثيين بعد ذلك أثبت أن المشكلة ليست في غياب الحوار، وإنما في غياب الإرادة الإيرانية لوقف دعم الجماعات التي تقوض أمن الجيران.
وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن حماية حرية الملاحة لا تكون ببيانات الإدانة المتكررة بعد كل اعتداء جديد، فقد أصدر مجلس الأمن القرار 2216 عام 2015 الذي فرض حظرًا على توريد السلاح إلى الحوثيين وطالبهم بالانسحاب من المدن، وأصدر القرار 2722 عام 2024 الذي أدان هجماتهم على السفن، لكن غياب آليات التنفيذ الصارمة أبقى هذه القرارات حبرًا على ورق في كثير من الأحيان، وما لم تتحول إلى إجراءات فعلية تقطع طرق التهريب وتضع مصادر الدعم أمام كلفة حقيقية، فإن الميليشيا ستواصل التكيف والبقاء، والدول التي ترتبط مصالحها بالتجارة العالمية مطالبة بأن تعامل أمن البحر الأحمر بوصفه مسؤولية مشتركة لا شأنًا إقليميًا يُترك لأصحابه، لأن كلفة التراخي ستدفعها الأسواق العالمية قبل أن يدفعها اليمنيون.
وفي النهاية، فإن ما يجري في اليمن اليوم هو معركة على معنى الدولة في منطقة أنهكتها الجماعات والميليشيات المسلحة، وعلى مستقبل ممر بحري يمر عبره قدر كبير من أنفاس الاقتصاد العالمي، وعلى حدود النفوذ الإيراني في العالم العربي، ولذلك فإن بقاء الميليشيا الحوثية قوة مسلحة مرتبطة بالحرس الثوري يعني بقاء تهديد دائم للأمن الخليجي والعربي وللتجارة العالمية ولسلامة الملاحة، أما إنهاؤها فيعني أن يستعيد اليمن موقعه الطبيعي دولة جارة وشريكة في محيطها العربي، وأن يعود البحر الأحمر ممرًا للتجارة والتنمية لا ساحة للتهديد والقرصنة، وأن تدرك القوى الإقليمية أن زمن الأذرع المسلحة العابرة للحدود قد ولّى، وأن الاستقرار الذي تبنيه الدول لا الميليشيات هو وحده القادر على البقاء.