د.عبدالعزيز الجار الله
نعرف كثيرًا من الأشياء التي ينبغي أن نفعلها لكننا لا نفعلها.
نعرف أن الوقت يمضي ولا يعود، ثم نبدد ساعاتنا فيما لا يستحق
وندرك أن الكلمة الطيبة قد تصلح علاقة، ثم نختار الصمت أو العتاب. ونعرف أن الاعتذار شجاعة، لكننا نؤجل الاعتذار حتى تكبر المسافة بيننا وبين من نحب.
هذه المفارقة تستحق التأمل: كيف يعرف الإنسان الصواب، ثم يستمر في فعل ما يخالفه؟
لعلنا اعتدنا أن نفسر هذه المفارقة بضعف الإرادة، أو قلة العزيمة، أو غياب الجدية. وقد تصح هذه التفسيرات في بعض الحالات، لكنها لا تكفي لفهم الإنسان في جميع أحواله؛ فالمشكلة ليست دائمًا في أنه لا يعرف، بل قد تكون في المسافة التي تفصل معرفته عن سلوكه.
إن معرفة الطريق لا تعني بالضرورة القدرة على السير فيه.
فالإنسان لا يعيش بالأفكار وحدها، ولا تتحدد أفعاله بما يراه صحيحًا فحسب. إنه يعيش أيضًا برغباته وعاداته ومخاوفه، ويتأثر بما اعتاده، وبما يجده أمامه من إغراءات وعوائق. وقد يعرف أن تأجيل عمله سيضره، لكنه يجد في التأجيل راحة عاجلة. وقد يدرك أن انفعاله سيؤذي غيره، لكنه يستسلم للغضب قبل أن يستحضر ما يعرفه. وقد يرغب في إصلاح علاقة، لكنه يخشى أن تكون المبادرة اعترافًا بالضعف.
وهكذا لا يكون الصراع دائمًا بين معرفة الجيد والجهل به، بل قد يكون بين ما يراه الإنسان صوابًا وما يجده أسهل أو أكثر إشباعًا في اللحظة الراهنة.
ومن هنا يظهر جانب مهم من جوانب الإصلاح: أننا كثيرًا ما نطالب الإنسان بأن يفعل الصواب، دون أن نتوقف طويلًا عند السؤال الأهم: ما الذي يمنعه من فعله؟
نكرر النصيحة لمن يسوّف، ونذكّره بقيمة الوقت، لكننا قد لا نساعده على تنظيم أولوياته أو البدء بمهمة صغيرة. ونطالب الغاضب بأن يضبط نفسه، لكننا قد لا نعلّمه كيف يتوقف قبل الرد، أو كيف يتعرَّف إلى المواقف التي تستثير انفعاله. ونحث الإنسان على تحسين علاقاته، لكننا قد لا نساعده على تجاوز الحرج الذي يمنعه من المبادرة.
ليست المشكلة في النصيحة ذاتها، ولا في التذكير بقيمة الصواب؛ فلهما مكانهما وأثرهما. وإنما المشكلة حين نتعامل مع المعرفة وكأنها نهاية الطريق، مع أنها قد تكون بدايته فقط.
إننا بحاجة إلى الانتقال من سؤال: لماذا لا تفعل ما تعرف أنه صحيح؟ إلى أسئلة أكثر قدرة على إحداث التغيير: ما العائق الذي يتكرر أمامك؟ ما العادة التي تعيدك إلى السلوك نفسه؟ وما الخطوة التي تستطيع البدء بها اليوم؟
هذا التحول في السؤال ليس تبريرًا للخطأ، ولا إعفاءً للإنسان من مسؤوليته، بل هو محاولة لجعل المسؤولية أكثر فاعلية. فبدل أن ينشغل المرء بتأنيب نفسه لأنه لم يتغير، يستطيع أن يفهم أسباب تعثره، ويضع لنفسه طريقًا أوضح للتغيير.
فمن يريد أن يقرأ أكثر، يمكنه أن يبدأ بعشر دقائق يوميًا بدل انتظار وقت طويل لا يأتي. ومن يريد إصلاح علاقة، يمكنه أن يبدأ برسالة صادقة بدل انتظار اللحظة المثالية. ومن يريد ضبط غضبه، يمكنه أن يتدرب على تأخير الرد حتى يهدأ، بدل الاكتفاء بوعد نفسه بأنه لن يغضب مرة أخرى.
قد تبدو هذه الخطوات صغيرة أمام الأهداف الكبيرة، لكنها تمنح المعرفة فرصة للتحول إلى ممارسة. فالنية تحتاج إلى فعل، والفعل يحتاج إلى تكرار، والاستمرار يحتاج إلى مراجعة للعوائق والظروف التي تساعد على النجاح أو تعوقه.
ومع ذلك، ليس كل تعثر نتيجة عادة سيئة أو نقص في التنظيم؛ فقد يواجه الإنسان ظروفًا نفسية أو اجتماعية أو مادية تجعل التغيير أصعب، وقد يحتاج إلى مساعدة متخصصة. ولذلك لا يصح أن نختزل كل مشكلة في ضعف الإرادة، كما لا يصح أن نجعل الظروف ذريعة دائمة للتخلي عن المسؤولية.
إن فهم الإنسان يقتضي أن نوازن بين الأمرين: أن نحاسبه على اختياراته، وأن نفهم ما يؤثر فيها؛ أن نرشده إلى الصواب، وأن نساعده على تطبيقه؛ وأن نؤمن بقوة المعرفة، دون أن نتوهم أنها تكفي وحدها لصناعة التغيير.
وربما كان هذا ما نحتاج إلى تذكره في التربية والتعليم والدعوة والعلاقات الإنسانية: ليس النجاح في أن يعرف الإنسان ما ينبغي عليه فعله فحسب، بل في أن يجد من الفهم والتدريب والبيئة ما يعينه على فعله.
فالسؤال الذي ينبغي ألا نتوقف عنده هو: هل يعرف الإنسان الصواب؟ بل ينبغي أن نتجاوزه إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نساعده على أن يجعل الصواب جزءًا من حياته؟
هناك تبدأ رحلة التغيير؛ حين لا نكتفي بإضاءة الطريق أمام الإنسان، بل نساعده على اتخاذ خطوته الأولى.