خالد قاسم أبو بكر
تُظهر المواقف معادن الناس، وتكشف حقيقة ما يحملونه من قيم ومبادئ، ففي أوقات الشدائد تتمايز المواقف، ويصبح الانحياز للحق واجبًا، والاصطفاف إلى جانب الأوطان التي تستحق الوفاء موقفًا تمليه الضمائر قبل الحسابات. فالأوطان التي نحبها، والتي فتحت لنا أبوابها ومنحتنا فرص الحياة والعمل، ليست مجرد أماكن عشنا فيها، بل حكايات من العمر وذكريات تسكن الوجدان. والمملكة العربية السعودية بالنسبة إلينا ليست مجرد بلد أقمنا على أرضه، وإنما وطن له مكانته في القلب والأعماق، ارتبطنا به بسنوات من التجربة، وبمواقف إنسانية لا تُنسى، وبمشاعر من المحبة والامتنان لا تبددها الأيام. ولذلك، فإن الوقوف إلى جانب المملكة حين تواجه التحديات ليس مجاملة عابرة ولا موقفًا تفرضه الظروف، بل هو وفاء لبلد عرفنا خيره، وتقدير لوطن أصبح جزءًا من ذاكرتنا وحياتنا، وإيمان بأن المحبة الصادقة لا تكتمل إلا بموقف يُعبّر عنها حين تكون المواقف ضرورة.
أنا أقيم وأعمل في المملكة، ولذلك فإن علاقتي بها ليست علاقة مراقب يكتب من بعيد، وإنما علاقة إنسان عاش في هذا البلد، وعرف أهله، وخالط ناسه، وعمل بين مؤسساته، وشهد عن قرب مراحل مهمة من مسيرة التحول والبناء التي جعلت المملكة واحدة من أبرز التجارب التنموية في منطقتنا. لقد رأيت كيف استطاعت أن تمضي نحو المستقبل من دون أن تتخلى عن جذورها، وأن تجمع بين أصالة المجتمع وطموح الدولة، وبين المحافظة على هويتها والانفتاح على آفاق جديدة.
ولست وحدي في هذه التجربة؛ فالمملكة احتضنت عبر عقود ملايين العرب الذين قدموا إليها بحثًا عن فرصة أو رزق أو حياة أفضل، ووجدوا أبوابًا مفتوحة للعمل، وبيئة تتيح للإنسان أن يبني مستقبله، ومجتمعًا عرفوا فيه الكرم وحسن الضيافة وطيب المعاملة. ولهذا تحولت المملكة بالنسبة إلى المقيمين فيها من مجرد بلد للعمل إلى جزء من سيرتهم الشخصية، ترتبط به سنوات العمر والذكريات والصداقات والتجارب التي يصعب أن تمحوها الأيام.
إن محبتنا للمملكة ليست شعارًا عابرًا، ولا مجاملة تفرضها مناسبة، وإنما هي شعور تشكّل عبر سنوات طويلة، من وجوه عرفناها، وصداقات صنعتها الأيام، ومواقف بقيت في الذاكرة، وأبواب فُتحت أمامنا حين كنا نحتاج إلى فرصة. ولذلك فإن الحديث عن المملكة ليس حديثًا عن دولة بعيدة، بل عن مكان ترك في حياتهم أثرًا لا يمكن إنكاره، وعن تجربة إنسانية تستحق أن تُروى بصدق، وأن تُقابل بالتقدير والوفاء.
والمملكة التي عرفناها لم تتوقف عند حدود ما حققته، بل واصلت بناء مشروعها للمستقبل، وجعلت التنمية والتحول الاقتصادي والاجتماعي جزءًا من رؤية واسعة لإعادة صياغة موقعها في المنطقة والعالم. وفي الوقت نفسه، حافظت على مكانتها العربية والإسلامية، وعلى حضورها في القضايا التي تمس أمن المنطقة واستقرارها. وهو ما جعل ما يجري فيها يتجاوز في كثير من الأحيان حدود الشأن السعودي إلى دوائر عربية وإسلامية ودولية أوسع.
ولهذا، فإن الوقوف إلى جانب المملكة عندما تتعرض للاعتداء ليس بالنسبة إلى من عاش على أرضها مجرد موقف سياسي عابر، وإنما هو قبل كل شيء تعبير عن الوفاء. فالإنسان الذي عاش في بلد، وعمل فيه، وعرف أهله، واستفاد من فرصه، لا يستطيع أن يرى ما يتعرض له من تهديد أو استهداف ثم يتعامل معه وكأنه خبر بعيد لا يعنيه. فالوفاء الحقيقي لا يُقاس بالكلمات التي تُقال في أوقات الرخاء، وإنما يظهر عندما تشتد الظروف، وتحتاج المواقف إلى وضوح، ويصبح التعبير عن التضامن واجبًا تمليه القيم قبل الحسابات.
ومن هذا المنطلق، فإن استهداف المملكة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، أو تعريض المدنيين والمنشآت للخطر، أمر مرفوض؛ فسيادة الدول وأمن شعوبها ليسا أوراقًا مفتوحة أمام المغامرات، ومن حق المملكة، مثل أي دولة أخرى، أن تحمي أرضها وشعبها ومقدراتها، وأن تعمل على تأمين حدودها ومجتمعها في مواجهة أي تهديد.
وعندما يمتد التهديد إلى مكة المكرمة، فإن الأمر يتجاوز الحسابات السياسية والعسكرية؛ فمكة ليست مجرد مدينة على خريطة جغرافية، وإنما هي قبلة المسلمين ووجهة قلوبهم، ومكانتها في وجدانهم تجعل أمنها شأنًا يتصل بمشاعر مئات الملايين حول العالم. ولذلك فإن أي تهديد يطالها أو يعرض أمنها للخطر لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلًا عابرًا في صراع سياسي أو عسكري، بل باعتباره أمرًا يمس مشاعر المسلمين ومكانة أقدس مقدساتهم.
ومن هنا تأتي أهمية أن يكون الموقف من استهداف المملكة واضحًا، بعيدًا عن ازدواجية المعايير والحسابات الضيقة؛ لأن أمن المملكة واستقرارها يرتبطان بصورة مباشرة بأمن منطقة الخليج والمنطقة العربية، ولأن أي اضطراب واسع في دولة بهذا الثقل الاقتصادي والسياسي والديني ستكون له انعكاسات تتجاوز حدودها. والمنطقة، التي تعاني أصلًا من أزمات وصراعات متراكمة، ليست بحاجة إلى مزيد من التوتر والتصعيد، بل إلى مواقف مسؤولة تحمي أمن الدول، وتصون حياة المدنيين، وتفتح الطريق أمام الاستقرار والتنمية.
ومع ذلك، فإن المملكة التي عرفناها لم تجعل من التحديات التي واجهتها سببًا للتراجع عن مشروع البناء والتنمية، ولم تسمح للعواصف المحيطة بها بأن تصرفها عن المستقبل الذي اختارته. بل واصلت العمل على تطوير اقتصادها، وتنويع مصادره، وتعزيز حضورها الدولي، وفتح مساحات جديدة أمام الإنسان السعودي. وهذه المسيرة تذكرنا بأن قوة الدول لا تظهر فقط في قدرتها على مواجهة التحديات، وإنما تظهر أيضًا في قدرتها على مواصلة البناء وتحقيق التنمية وهي تواجه تلك التحديات.
وحين أتذكر المملكة، لا أتذكر عناوين السياسة والاقتصاد وحدها، وإنما أتذكر تفاصيل الحياة اليومية، وأماكن العمل، والأصدقاء، والوجوه التي صنعتها السنوات، والمواقف الصغيرة التي لا تجد مكانًا في نشرات الأخبار، لكنها تبقى في ذاكرة الإنسان طويلًا، وتصبح مع مرور الوقت جزءًا من معنى المكان الذي عاش فيه. ولذلك فإن علاقتي بالمملكة لا تختصرها عبارة عابرة عن الإقامة والعمل، وإنما تختزن سنوات من التجربة الإنسانية التي صنعت قدرًا كبيرًا من المحبة والامتنان.
إننا نحب المملكة لأننا عرفنا خيرها، ونقف معها لأننا نؤمن بقيمة الوفاء، ونرفض الاعتداء عليها لأننا نؤمن بأن أمن الشعوب لا ينبغي أن يكون موضعًا للمساومة. ونتضامن معها لأن استقرارها يرتبط باستقرار مساحة واسعة من منطقتنا، ولأن ما نرفضه لأنفسنا من تهديد وفوضى لا يمكن أن نقبله لغيرنا. فالمواقف الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج، وإنما تحتاج إلى وضوح في الرؤية، وصدق في التعبير، وثبات على المبادئ التي تجعل احترام سيادة الدول وحماية المدنيين أساسًا لا يجوز التنازل عنه.
إن الانحياز للحق لا يتجزأ، والوفاء للأوطان لا ينبغي أن يخضع لحسابات المصالح الضيقة. فحين نرفض الاعتداء على وطن، فإننا ندافع عن مبدأ يتجاوز حدود الجغرافيا، وهو أن أمن الشعوب وكرامتها وسيادة دولها حقوق لا يجوز العبث بها. وحين نقف إلى جانب المملكة، فإننا نعبر عن تقديرنا لبلد جمعنا به العيش والعمل والذكريات، وعن إيماننا بأن العلاقات الإنسانية الصادقة لا تُمحى بتغير الظروف، ولا تتبدل بتبدل العناوين السياسية.
فالوفاء ليس أن نتذكر الوطن في أيام الرخاء فقط، وإنما أن نحفظ له مكانته في الذاكرة عندما تشتد العواصف، وأن نعترف بأن السنوات التي عشناها على أرضه لم تكن مجرد سنوات عابرة، وأن الخير الذي لمسناه لا يسقط بالتقادم، وأن المواقف الإنسانية لا تنتهي بانتهاء المناسبة التي قيلت فيها. وما تمنحه الأوطان للإنسان من فرص وذكريات وعلاقات طيبة يظل حاضرًا في وجدانه، ويمنحه سببًا صادقًا لأن يقف معها عندما تحتاج إلى التضامن والمساندة.
وتبقى المملكة العربية السعودية بالنسبة إلينا أكثر من مكان عشنا فيه؛ إنها جزء من ذاكرة سنوات طويلة، وبلد فتح أبوابه، ومنح الفرص، وصنع الصداقات، وترك في نفوس كثيرين منا أثرًا لا يمكن اختزاله في كلمات. ولذلك فإن الوقوف معها في مواجهة ما يهدد أمنها وسيادتها ليس بحثًا عن مناسبة، ولا استجابة لشعار، وإنما هو امتداد طبيعي لعلاقة إنسانية تشكلت عبر السنين، عنوانها المحبة والامتنان والوفاء.
فالأوطان التي تمنحنا الخير لا تغيب عن ذاكرتنا، والبلدان التي تفتح لنا أبوابها تستحق أن نجدد لها الوفاء بالموقف، وأن نقف إلى جانبها حين تواجه التحديات. وتلك هي حكايتنا مع المملكة: محبة صنعتها التجربة، وامتنان رسخته السنوات، ووفاء نعبّر عنه بموقف واضح حين يصبح الموقف ضرورة.