د. يحيى جابر
تشير البحوث في علم الإدراك البصري وكذلك النفسي، إلى أن الإنسان لا يستقبل المثيرات المرئية كلها بالطريقة نفسها، فبعض المعلومات البصرية يمكن أن تُعالج في الدماغ بدرجات متفاوتة من الوعي، وقد أظهرت مراجعات علمية ودراسات للتصوير العصبي وجود أنماط من المعالجة البصرية غير الواعية، إلى جانب المعالجة الواعية المرتبطة بالانتباه والذاكرة والتحكم المعرفي، «المصدر - ميشيل ماكلين وزملاؤها، الدراسة التحليلية التجميعية حول الارتباطات العصبية للمعالجة البصرية الواعية وغير الواعية، مجلة التصوير العصبي، 2023»، ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب مهم من قوة فن الكاريكاتير الصحفي؛ فالتأثير يبدأ من اللحظة التي تقع فيها على عينه عناصر بصرية متعددة، كالشخصيات، والملامح، والحجم، والخطوط، والمسافات، والرموز، والتكوين العام، والنص، وقبل ذلك جمال الفكرة، وهذه العناصر تعمل معًا على جذب الانتباه وتوجيهه نحو نقطة معينة داخل المشهد، ثم تساعد المتلقي على بناء المعنى، وهنا تظهر العبارة الشائعة «الكاريكاتير يخاطب العقل الباطن»، وهي عبارة تصلح صحفيًا إذا أريد بها الإشارة إلى أن بعض الاستجابات البصرية قد تحدث بصورة تلقائية أو غير واعية، لكنها تحتاج إلى قدر من الدقة العلمية؛ فالبحوث لا تتيح لنا القول إن كل كاريكاتير يخاطب «العقل الباطن» بصورة مباشرة أو أنه يزرع فكرة في ذهن المتلقي دون وعي منه، وإنما تثبت أن الدماغ يستطيع معالجة بعض المعلومات البصرية دون وصولها الكامل إلى الوعي، وأن العلاقة بين الانتباه والوعي أكثر تعقيدًا من هذا التفسير المبسط، «المصدر - ريوتا كاناي، وناوتسوغو تسوشيا، وفرانس فيرستراتن، نطاق وحدود الانتباه الموجّه في المعالجة البصرية غير الواعية، مجلة علم الأحياء الحالي، 2006».
التأثير البصري
أعطي مثالا هنا، فالكاريكاتير الذي يلامس حس المشاهد له بالتأثير البصري كجمال الفكرة والرسم والألوان ومن ثم النص يؤثر بفاعلية، ويكسب العقل الباطن وعيا تلقائيا بالتوعية أو غير ذلك من رسائل أرسلها فن الكاركاتير للمتلقي، وتزداد أهمية هذه الحقيقة عند دراسة الكاريكاتير؛ لأن هذا الفن يقوم أساسًا على الاختزال، والفكر والخيال، فالرسام لا يحتاج إلى شرح الظاهرة في صفحات، وإنما يبحث عن الرمز الذي يستطيع أن يحمل المعنى، وعن الموقف الذي يمكن أن يكشف التناقض، وعن التفصيل الذي يستطيع أن يلفت النظر إلى القضية الأساسية، وقد أظهرت دراسة تناولت الكاريكاتير في المجتمع السعودي أن الصورة الكاريكاتيرية تتضمن علامات ورموزًا تمثل جوانب اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية متعددة، وأن هذه الرموز تؤدي دورًا في بناء الدلالة داخل العمل، «المصدر - مها السديري، وعلا الأسمي، سيميائية الصورة في كاريكاتير المجتمع السعودي، المجلة الأردنية للفنون، 2024»، وهذا يعني أن الكاريكاتير الصحفي لا يقدم للمتلقي صورة واحدة فحسب، بل يقدم منظومة من العلامات؛ فقد تكون حركة اليد رمزًا، وتعبير الوجه رسالة، وحجم الشخصية موقفًا، وموقعها داخل الرسم دلالة، والكلمة القصيرة مفتاحًا لفهم المشهد كله. وكلما استطاع الرسام تنظيم هذه العناصر بدقة، أصبح العمل أكثر قدرة على إنتاج المعنى.
بلاغة الصورة الكاريكاتيرية
تشير دراسة حديثة تناولت الكاريكاتير في الصحف السعودية الإلكترونية إلى أن الصورة الكاريكاتيرية تستخدم الأشكال والألوان والخطوط والرموز اللغوية في عرض القضايا الاجتماعية ومعالجتها، وهو ما يؤكد أن قوة الكاريكاتير لا تأتي من الرسم وحده، وإنما من الطريقة التي تتفاعل بها مكوناته البصرية واللغوية في بناء الرسالة، «المصدر - نوال بنت سعود بن صالح الفرهود، بلاغة الصورة الكاريكاتيرية في الصحف السعودية الإلكترونية: دراسة في نماذج من الكاريكاتير الذي يصور المشكلات الاجتماعية المعاصرة، 2025»، ولعل أبرز ما يجعل الكاريكاتير مختلفًا عن النص الصحفي التقليدي هو سرعة الالتقاط البصري، فالخبر يحتاج إلى قراءة، والتقرير يحتاج إلى وقت لفهم تفاصيله، والمقال يحتاج إلى متابعة الحجة التي يبنيها الكاتب، بينما يستطيع الكاريكاتير أن يضع المتلقي أمام موقف كامل في لحظة واحدة، ويعالج من خلالها مشكلة وغير ذلك، بمجرد نظرة.
لكن السرعة لا تعني السطحية؛ فالكاريكاتير الجيد قد يكون سريع الفهم من جهة، وعميق الدلالة من جهة أخرى، قد يرى القارئ شخصية ضخمة تقف فوق مجموعة صغيرة من الشخصيات، فيفهم أولًا فكرة الهيمنة، ثم يبدأ في البحث عن سبب هذا التكوين، ثم يربطه بالحدث الذي يتناوله الرسم، وهنا ينتقل من الإدراك البصري الأولي إلى التفسير الواعي، ومن هنا يمكن القول إن الكاريكاتير الناجح يعمل على مستويين متداخلين؛ مستوى أول سريع يعتمد على التقاط الصورة والمفارقة والعناصر اللافتة، ومستوى ثانٍ يقوم على تفسير الرموز وربطها بالسياق وفهم الرسالة النقدية.
المعلومات المرئية
وتدعم أبحاث الإدراك البصري فكرة أن المعلومات المرئية قد تمر بمراحل مختلفة من المعالجة، بعضها مرتبط بالوعي وبعضها يحدث دون وعي كامل، كما أن الانتباه يمكن أن يؤثر في معالجة بعض المثيرات حتى عندما تكون المعلومات المرئية غير متاحة بصورة كاملة للوعي، «المصدر - سيما براساد، وراميش كومار ميشرا، طبيعة الانتباه غير الواعي إلى الإشارات التي تقع دون عتبة الوعي، مجلة الرؤية، 2019»، وهنا تكمن إحدى نقاط القوة الاتصالية للكاريكاتير؛ فهو لا يعتمد على اللغة وحدها، بل يستفيد من خصائص الإدراك البصري، فالوجه المبالغ في تعبيره، والحجم غير الطبيعي، والتناقض بين الشخصيات، والرمز المعروف ثقافيًا، كلها عناصر يمكن أن تستوقف العين قبل أن يبدأ المتلقي في تحليلها بالكلمات.
اكتشاف الرسالة
كما أن المفارقة تعد من أهم الأدوات التي تمنح الكاريكاتير قدرته على التأثير؛ فالرسام قد يعرض موقفًا يبدو في ظاهره طبيعيًا، ثم يضيف تفصيلًا واحدًا يقلب المعنى كله، وقد يضع عبارة إيجابية بجوار مشهد يناقضها تمامًا، فينشأ التناقض الذي يقود إلى السخرية والنقد، وهذه المفارقة تجعل المتلقي مشاركًا في اكتشاف الرسالة، إذ لا يحصل دائمًا على المعنى مكتملًا، وإنما يعيد تركيب العلاقة بين العناصر، وكلما اكتشف التناقض بنفسه، أصبحت الرسالة أكثر قابلية للترسخ في ذاكرته، وأرى أن هذه النقطة تحديدًا تفسر جانبًا من بقاء بعض الرسوم الكاريكاتيرية في الذاكرة مدة طويلة؛ فالعمل لا يقدم معلومة فقط، وإنما يقدم تجربة ذهنية قصيرة تجمع المفاجأة والرمز والمفارقة، فيرتبط المعنى بصورة يمكن استدعاؤها بسهولة.
تحمل دلالات مرتبطة بقضايا
لا تقتصر وظيفة الكاريكاتير على النقد السياسي، بل تمتد إلى القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضية والسلوكية، وغيرها، وقد بينت الدراسات التي تناولت الكاريكاتير السعودي أن موضوعاته يمكن أن تجسد جوانب متعددة من حياة المجتمع، وأن الصورة تحمل دلالات مرتبطة بقضايا اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، «المصدر - مها السديري، وعلا الأسمي، سيميائية الصورة في كاريكاتير المجتمع السعودي، 2024»، ومن هنا فإن تأثير الكاريكاتير لا يتوقف عند لحظة الضحك؛ بل ايضاً الجادة، وهذه الوظيفة تجعل الكاريكاتير أداة مهمة في الاتصال الجماهيري، لأنه يستطيع تحويل القضية المجردة إلى مشهد محسوس، وتحويل الفكرة المعقدة إلى رمز، وتحويل النقد المباشر إلى مفارقة يمكن للمتلقي أن يكتشف معناها بنفسه وبسهولة.
البيئة الرقميةأكسبت الكاريكاتير الانتشار
في البيئة الرقمية، اكتسب الكاريكاتير فرصة أكبر للانتشار؛ لأن المنصات الإلكترونية تعتمد بدرجة كبيرة على المحتوى البصري السريع، كما أن الرسم الواحد يمكن أن ينتقل بين المستخدمين بسهولة، ويُعاد نشره وتداوله والتعليق عليه، وبذلك يتحول من مادة منشورة في صحيفة إلى رسالة بصرية قابلة للتداول داخل المجال العام، لكن سرعة الانتشار ترفع في المقابل مسؤولية الرسام والمؤسسة الإعلامية؛ فكل رمز يمكن أن يفهم بطرق مختلفة، وكل مبالغة قد تتحول إلى إساءة إذا خرجت عن حدود النقد المهني، ولذلك يحتاج الكاريكاتير الصحفي إلى معرفة دقيقة بالسياق الثقافي والاجتماعي، مهارات وخصائص الأعلام، وإلى قدرة على التمييز بين السخرية التي تكشف ظاهرة والسخرية التي تستهدف شخصًا دون قيمة صحفية حقيقية، او يتولد عنها مشكلة.
قوة الصورة
كما أن قوة الصورة لا تعني أنها تستطيع التحكم في المتلقي؛ فالجمهور ليس كتلة واحدة، والخلفية الثقافية والخبرة السابقة والاهتمامات والسياق الإعلامي كلها عوامل تؤثر في تفسير الرسالة، وقد أكدت الدراسات المتعلقة بالانتباه غير الواعي أن معالجة المثيرات غير الواعية ليست عملية بسيطة أو مطلقة، بل تتداخل فيها عوامل الانتباه والأهداف والسياق، «المصدر - سيما براساد، وراميش كومار ميشرا، طبيعة الانتباه غير الواعي إلى الإشارات التي تقع دون عتبة الوعي، 2019»، لذلك فإن العبارة الأدق إعلاميًا ليست أن الكاريكاتير «يسيطر على العقل الباطن»، وإنما أنه يخاطب الإدراك البصري ويستفيد من المعالجة الواعية وغير الواعية للمثيرات، ثم يدفع المتلقي إلى بناء المعنى وتفسيره، وهذا الفارق مهم؛ لأنه يحافظ على جاذبية الفكرة دون تحويلها إلى ادعاء علمي مبالغ فيه.
مساحة محدودة
ويتضح أن الكاريكاتير الصحفي يمتلك قدرة خاصة على الجمع بين الصورة والفكرة والرمز والمفارقة في مساحة محدودة، وأن قوته الحقيقية لا تكمن في إضحاك المتلقي وحده، وإنما في قدرته على لفت الانتباه، وإثارة التساؤل، وتكثيف المعنى، ودفع القارئ إلى إعادة النظر في قضية ربما اعتاد رؤيتها بصورة مختلفة، وفي تقديري أن أفضل كاريكاتير صحفي هو الذي لا ينتهي تأثيره بانتهاء الضحكة؛ بل يبدأ بعدها، عندما تظل الصورة في الذاكرة، ويعود المتلقي إلى تفاصيلها، ويكتشف أن الرسام لم يكن يرسم مشهدًا ساخرًا فحسب، وإنما كان يقدم رسالة بصرية تختصر موقفًا كاملًا وتترك سؤالًا مفتوحًا في ذهن المتلقي ، ويساهم برسائله الجاذبة في معالجة مشكلة وتوعية المجتمع ومناقشة فكرة، وغيرها.وهنا يمكن فهم العنوان: الكاريكاتير الصحفي.. رسالة إلى اللاوعي؛ ليس بمعنى أنه يخترق عقل الإنسان أو يفرض عليه فكرة دون إرادته، وإنما لأنه يستخدم لغة بصرية قادرة على جذب الانتباه، وإثارة استجابات إدراكية سريعة، ثم الانتقال بالمتلقي من الصورة إلى المعنى، ومن الضحكة إلى التفكير.
أخيراً
أتمنى عودة فن الكاركاتير الصحفي بقوة في الصحافة والتلفزيون وحتى وسائل التواصل الاجتماعي وأن يكون لهذا الفن حضور فعال وهام، فكم من الأسماء الجميلة في عالم الرسم الكاريكاتيري لا ننساهم مثل عبد السلام الهليل، احمد المغلوث، حماد الجعيد، عبدالله البارقي، هناء حجار، امين الحبار، والقائمة طويلة ولا يسعني ذكرهم جميعاً.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام