سلطان بن نايف الحربي
عند السادسة صباحًا، يخرج موظف من مناوبته الليلية. تمتلئ الطرق بأناس يتجهون إلى أعمالهم، بينما يعود إلى بيته باحثاً عن النوم بعد عناء عمل شاق.
يفتح باب المنزل على صوت أطفاله وهم يستعدون للذهاب للمدرسة، فيبادلهم حديثًا قصيرًا قبل أن يغلق ستائر غرفته، وبعد أيام يتبدل دوامه، ويبدأ جسده من جديد محاولة التكيف مع ساعة مختلفة. في سجل المؤسسة لا شيء يستدعي الانتباه: انتهت مناوبة وبدأت أخرى، أما ما جرى بينهما، في البيت والنوم والمزاج، فلا خانة له في الجدول.
يأتي اليوم العالمي للصحة النفسية في العاشر من أكتوبر 2026 تحت شعار «لننصت إلى أصوات من يعيشون التجربة، من أجل تغيير في صميم الواقع». والمقصود بالتجربة هنا، في الحملة الرسمية، خبرات الأشخاص الذين يعيشون مع حالات نفسية، وحقهم في المشاركة في القرارات المتعلقة بالرعاية. غير أن المبدأ يفتح للمؤسسات سؤالًا موازيًا: كم مرة استمعت إلى العاملين بالمناوبات قبل أن تقرر عنهم ما يستطيعون احتماله؟
لا يمكن لمستشفى أو منشأة صناعية أو مرفق أمني أن يتوقف عند المساء. والمناوبات، لذلك، ضرورة تشغيلية في أعمال كثيرة، لكن الضرورة لا تمنح طريقة تنظيمها حصانة من المراجعة. ويحذر المعهد الوطني الأمريكي للسلامة والصحة المهنية من ارتباط جداول العمل غير المعتادة باضطراب النوم والإرهاق، وما قد يصاحبهما من ضعف في الانتباه وسرعة الاستجابة والحكم على المواقف، ولا تتساوى آثار المناوبات بين الموظفين؛ فهي تختلف باختلاف أوقاتها ومدتها وانتظامها وظروف أصحابها.
تبدأ المشكلة حين تنظر الإدارة إلى الجدول بوصفه وسيلة لتغطية ساعات التشغيل، وتغفل عما يحتاجه العامل ليستعيد طاقته، فقد يكتمل عدد الموظفين في كل وردية، بينما ينتقل أحدهم من دوام متأخر إلى صباح مبكر لا يترك له فرصة كافية للنوم، وقد تحسب المؤسسة ساعات الراحة صحيحة، من دون أن تسأل كم بقي منها بعد الطريق والالتزامات العائلية. على الورق يبدو التوزيع متوازنًا؛ في الحياة اليومية قد يدفع بعض الموظفين ثمنًا أكبر من غيرهم.
والأشد وطأة أحيانًا هو فقدان القدرة على توقع الوقت. يستطيع إنسان أن يرتب شؤون أسرته حول مناوبة معروفة، لكنه يجد صعوبة حين تتغير مواعيده بإشعار قصير. يصبح موعد زيارة والديه أو متابعة دراسة أطفاله أو حتى تناول وجبة معهم رهينًا برسالة العمل التالية، وهنا لا يعود الحديث عن النوم وحده؛ فالزمن الذي يفقد الموظف القدرة على التخطيط له يمس شعوره بالاستقرار والسيطرة على حياته.
قدم «مايكل لايتر وكريستينا ماسلاش» تصورًا للاحتراق الوظيفي من خلال ست مجالات في الحياة المهنية: عبء العمل، والتحكم، والمكافأة، والعلاقات، والعدالة، والقيم، وتفيدنا هذه المقاربة في تجنب سؤال كسول يتكرر عند ظهور الإرهاق: لماذا لا يتحمل الموظف؟ فقد تكون المشكلة في عبء يتكرر بلا تعافٍ، أو في جدول لا يملك العامل التأثير فيه، أو في توزيع للمشقة يراه غير عادل، ومع ذلك، فالاحتراق الوظيفي ظاهرة مهنية؛ ولا يصح اعتباره تشخيصًا لاضطراب نفسي.
ووفق نظرية متطلبات العمل وموارده، التي طورها «أرنولد باكر وإيفانجيليا ديميروتي» تتعاظم مخاطر الاستنزاف عندما ترتفع المتطلبات ويضعف ما يقابلها من دعم وموارد. بالنسبة إلى العامل بالمناوبات، يدخل في هذه الموارد قدرته على معرفة جدوله مسبقًا، وفترات الراحة، وإمكانية مناقشة ترتيب مرهق مع مديره دون خشية، فضلًا عن الأجر العادل والمساندة المهنية. ولذلك قد يستفيد موظف من بدل مالي، لكنه يظل محتاجًا إلى وقت يستعيد فيه قدرته على العيش خارج العمل.
ولا ينبغي أن يصبح بدل المناوبة صك إعفاء من واجب الحماية، فقد يعوض المال جانبًا من مشقة العمل في وقت غير مألوف، لكنه لا يخلق ساعات إضافية للنوم، ولا يمنح الموظف القدرة على حضور حياة أسرته، وإذا غابت معايير واضحة لتوزيع المناوبات الأصعب، تحولت المشقة نفسها إلى مسألة عدالة تنظيمية.
ومن هنا يمكن فهم الصلة بالسعادة في العمل دون مبالغة، فقد أوضحت «سينثيا فيشر» في دراستها «السعادة في العمل» أن السعادة تتضمن الرضا الوظيفي وتتجاوزه، وقد تشمل الاندماج في العمل والارتباط الوجداني بالمؤسسة. غير أن السعادة ليست اسمًا آخر للصحة النفسية السريرية، ولا يثبت شعور الفرد بالرضا خلوه من المعاناة؛ لذلك تبدو المفارقة حين تحتفل مؤسسة بـ»سعادة الموظف»، وتمنحه هدية صغيرة، ثم تعيد إليه جدولًا لا يتيح له حضور مناسبة عائلية يعرف موعدها الجميع إلا هو.
تتجسد مسؤولية المؤسسة أولًا في تخفيف المخاطر التي تنشأ من تصميم العمل. توصي الإرشادات المهنية بمراجعة الانتقالات السريعة بين الورديات، وفترات الراحة القصيرة، وتراكم ساعات العمل، مع إشراك الموظفين في إعداد الجداول ضمن ضوابط السلامة. وتذكر إرشادات المعهد، في سياق التمريض، توصية بحثية بإتاحة إحدى عشرة ساعة على الأقل بين مناوبتين؛ وهو مثال لتقدير التعافي، لا وصفة موحدة لكل المهن. ولا يوجد ترتيب واحد مثالي لكل القطاعات؛ فما يصلح لوحدة طبية قد يحتاج إلى تعديل في مصنع أو منشأة أمنية. المعيار أن يقاس نجاح الجدول بقدرته على ضمان الخدمة من غير إهمال فرص النوم والتعافي.
ثم تأتي الرعاية النفسية المهنية المستمرة. يمكن للمؤسسات الكبرى تطوير خدمات متخصصة ضمن منظومة الصحة المهنية، ولغيرها إبرام شراكات مع المستشفيات ومقدمي الخدمة. وتشمل الرعاية الاستشارة الطوعية والتقييم الطبي عند الحاجة والإحالة للعلاج، بمواعيد تناسب العاملين ليلًا. ويلزم الفصل الواضح بين الملف الطبي وتقييم الأداء الوظيفي؛ فالخدمة التي يخشى الموظف أن تُستخدم ضده لن تكون متاحة له إلا على الورق.
ولا يكفي أن تُفتح عيادة بينما يبقى سبب الإرهاق المهني بلا مراجعة. تدعو منظمة الصحة العالمية إلى تدخلات تستهدف ظروف العمل، إلى جانب تدريب المديرين وتيسير الرعاية. مهمة المدير أن يتعرف إلى مؤشرات الإجهاد ويستمع ويعدل ما يدخل في صلاحياته، لا أن يشخص زميله أو يستجوبه عن حياته الخاصة. ومهمة المختص الصحي أن يقيّم الحالة ويقدم الرعاية بسرية واستقلال.
أما اختبار جدية المؤسسة فيبدأ بعد انتهاء حملة التوعية. هل راجعت جداول المناوبات بمشاركة العاملين؟ وهل خففت الفواصل المرهقة بين الورديات؟ وهل يستطيع الموظف الاعتراض على جدول ضار دون خوف؟ وهل يجري تقييم المخاطر النفسية المهنية بصورة دورية ومجمعة تحمي الخصوصية؟ لا تكفي الإجابة عن هذه الأسئلة بتعداد المحاضرات والملصقات؛ المعيار ما تغير فعلًا في يوم العمل.
لا تستطيع منظمة أن تمنع كل اضطراب نفسي؛ فحياة الإنسان أكبر من مكان عمله. لكنها تستطيع أن تتوقف عن معاملة الزمن الذي يعيشه موظفوها خارج الدوام كأنه غير موجود. وحين يعود ذلك الموظف عند الفجر إلى بيته، ينبغي ألا تكون الراحة حقًا جميلًا في دليل السياسات، ثم يجد أنه لا يملك من يومه ما يكفي ليحصل عليها.