مرفت بخاري
ليس كل من فعل الشيء نفسه كان نصيبه من الأجر أو المسؤولية واحدًا، فالأفعال قد تتشابه في ظاهرها، لكنها تختلف كثيرًا فيما وراءها، في النية، وفي مقدار العلم، وفي حجم المجاهدة، وفي الطريق الذي قطعه الإنسان حتى يصل إليها.
نحن أحيانًا ننظر إلى الفعل ونحكم عليه من صورته الخارجية، فنرى شخصًا يبر أمه، وآخر يبر أمه، فنقول إنهما فعلا الشيء نفسه، وننسى أن أحدهما ربما نشأ في بيت غمرته المحبة، فكان البر بالنسبة إليه امتدادًا طبيعيًا لما عاشه، بينما نشأ الآخر في طفولة مثقلة بالعنف، في ذاكرته وجع لم ينتهِ بانتهاء الطفولة، وربما عاش عنفًا جسديًا في صغره، ثم وجد في مراحل عمره اللاحقة قسوة لفظية ومعاملة شديدة الصعوبة، ومع ذلك اختار أن يبر أمه، وأن يجاهد نفسه، وأن يمنع ألمه من أن يتحول إلى عقوق.
هل هما في المشقة سواء؟
لا أستطيع أن أجزم بمقدار أجر أحد عند الله، فالأجر لله وحده، وهو أعلم بما في الصدور، لكنني أؤمن أن المشقة في الطاعة ليست أمرًا هينًا، وأن الإنسان الذي يجاهد نفسه ليبقى على الخير رغم ما يؤلمه، ليس كمن وجد الطريق ممهدًا بالمحبة والطمأنينة.
ولهذا جاء في القرآن الكريم ما يدل على فضل المجاهدة، وجاء في الحديث الشريف عن قارئ القرآن الذي يصعب عليه القراءة وهو عليه شاق، أن له أجرين، أجر القراءة وأجر المشقة، وهذه ليست دعوة إلى البحث عن المشقة، وإنما هي تذكير بأن الله لا يضيع مجاهدة عبده لنفسه.
فلماذا لا ننظر إلى علاقاتنا الإنسانية بالعمق نفسه؟
في علاقاتنا الاجتماعية، التعامل بإدراك أجمل بكثير من التعامل بجهل، لأن الإنسان حين يدرك أثر كلمته يعرف متى يتحدث، وحين يدرك أثر تصرفه يعرف متى يتراجع، وحين يعرف أن أمامه قلبًا قد يتألم، لا يستهين بما يفعله.
الجاهل قد يؤذي وهو لا يعلم، وقد يظن أن صمت الآخر رضا، وأن تحمله ضعف، وأن محبته حق مكتسب، وقد لا يدرك أن كلمة واحدة منه ربما بقيت في ذاكرة إنسان سنوات طويلة.
أما من أدرك، ثم اختار أن يؤذي، فهنا تصبح المسألة مختلفة، لأن المعرفة تضع الإنسان أمام مسؤوليته. ولهذا أرى أن العلم لا يزيد الإنسان قيمة فقط، بل يزيد مسؤوليته أيضًا، فمن عرف حقًا ثم تجاهله، ليس كمن لم يعرف، ومن أدرك أثر فعله ثم أصر عليه، ليس كمن أخطأ دون أن يدرك ما صنع.
حتى في القطيعة، قد يقع شخصان في الفعل نفسه، لكن لا يعني ذلك بالضرورة أن مسؤوليتهما متساوية، فالذي يعلم حق الرحم، ويدرك معنى القطيعة، ويعرف أثرها، ثم يختارها عن عمد، ليس كمن جهل الحكم أو لم يدرك أن فعله يدخل في القطيعة، مع بقاء الحكم على كل حالة بحسب علم صاحبها وقصده وقدرته وظروفه.
فالجهل ليس دائمًا عذرًا، كما أن العلم ليس مجرد معلومة نحفظها، العلم أمانة، وكلما اتسعت معرفتنا اتسعت معها مسؤوليتنا.
وفي المقابل، ليست كل مشقة دليلًا على أن الإنسان أفضل، ولا كل علاقة صعبة تعني أن علينا أن نبقى فيها بلا حدود، فالبر لا يعني أن يسلّم الإنسان نفسه للأذى، والإحسان لا يعني أن يسمح للآخرين بإهانته، والرحمة لا تعني إلغاء الكرامة.
يمكن للإنسان أن يبر من أساء إليه، وأن يحسن إليه، وأن يصل رحمه، وأن يؤدي حقه، وفي الوقت نفسه يضع حدودًا تحفظ نفسه من استمرار الأذى، لأن البر عبادة، لكنه ليس إذنًا مفتوحًا للآخر كي يمارس الأذى.
وهنا أفهم العلاقات الإنسانية بطريقة مختلفة، فهناك من يحسن لأن الإحسان سهل عليه، وهناك من يحسن وهو يخوض معركة داخل نفسه حتى لا يرد الأذى بالأذى، وهناك من يبتسم لأن قلبه ممتلئ، وهناك من يبتسم لأنه قرر ألا يجعل ما تعرض له يفسد أخلاقه.
وهذا هو الفارق الذي لا تراه العين.
قد يتساوى شخصان في الصورة، ولا يتساويان في الطريق.
وقد يفعل شخصان الشيء نفسه، بينما أحدهما لم يحتج إلى مجاهدة نفسه إلا قليلًا، والآخر احتاج إلى أن ينتصر كل يوم على غضبه وذاكرته وجرحه.
ولذلك لا أحب أن نحكم على الناس من ظاهر أفعالهم فقط، فالإنسان لا يحمل ما يظهر على وجهه، وإنما يحمل أيضًا ما خاضه في داخله حتى وصل إلى ما نحن نراه.
ربما كان الشخص الذي يبدو لنا هادئًا قد خاض معركة كاملة حتى لا يصبح قاسيًا، وربما كان الذي يبتسم في وجه من آلمه قد أمضى سنوات يتعلم كيف يسامح دون أن يسمح للأذى أن يعيد تشكيله.
نحن لا نعرف ثقل الطريق الذي قطعه الآخرون.
ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يكون مُدرِكًا، مدركًا لأثر كلماته، مدركًا لحقوق من حوله، مدركًا أن الناس ليسوا صفحات بيضاء، وأن وراء كل إنسان قصة لا نعرف تفاصيلها.
فالجهل قد يجعل الإنسان يؤذي دون أن يشعر، أما الإدراك فيمنحه فرصة أن يختار.
وحين يعرف الإنسان ثم يختار الخير، وحين يستطيع أن يرد الإساءة ثم يختار ألا يفعل، وحين يكون البر عليه شاقًا ثم يؤديه، وحين يكون التسامح مؤلمًا ثم يختار السلام، فهنا لا يعود الفعل مجرد فعل، بل يصبح شاهدًا على مجاهدة لا يراها إلا الله.
فليست كل الطاعات سواء في مشقتها، وليست كل الأخطاء سواء في مسؤوليتها، وليست كل العلاقات سواء في ثقلها، وما نراه نحن فعلًا واحدًا، قد يكون عند الله مختلفًا باختلاف ما وراءه من علم، وقصد، ومجاهدة، وصبر.
ولعل أجمل ما في الأمر أن الله وحده يرى الصورة كاملة، أما نحن فلا نرى إلا جزءًا صغيرًا منها.