خالد بن عبدالرحمن الذييب
هناك فارق بين من يقرأ بحثاً عن الحقيقة، ومن يقرأ بحثاً عن دليل يؤكد فكرة يمتلكها سلفاً. الأول يفتح عقله على الاحتمالات، ولا يرى في اكتشاف خطأ اعتقد بصحته هزيمةً لذاته، بل خطوة نحو فهم أعمق. أما الثاني، فيدخل إلى الكتاب محمّلاً بأحكامه المسبقة، فلا يقرأ ليعرف، وإنما ليعثر على ما يؤيد موقفه، إنه لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن دلائل تؤكد الفكرة التي يؤمن بها. وفي هذه الحالة يكون تعدد القراءات ومعرفة أسماء الكتب ومضامينها أدوات يستخدمها المرء لترديد معلومات دون فهم، ولكن بصورة أكثر أناقة.
وتزداد هذه الظاهرة وضوحاً حين تختلط المعرفة بالنزعات العرقية والقومية. فقد يقرر أحدهم، قبل أن يقرأ التاريخ، أن حضارةً ما أرقى من أخرى، أو أن شعباً بعينه هو صاحب الفضل الأكبر في منجزات الإنسانية. ثم يبدأ القراءة، لا ليختبر صحة اعتقاده، وإنما ليجمع ما يدعمه. فإذا صادف عشرات الحقائق التي تعقّد صورته أو تناقضها، تجاوزها وكأنها لم تكن، وإذا عثر على معلومة عابرة توافق هواه، انتزعها من سياقها، وضخّم دلالتها، وجعل منها اكتشافاً تاريخياً يظن أنه حسم به القضية، ملوحا بها «وجدتها».
ليس المطلوب من المثقف أن يتخلى عن قناعاته عند كل اعتراض، أو أن يتعامل مع جميع الآراء بوصفها متساوية في القيمة والصحة؛ بل أن يكون مستعداً لاختبار قناعاته بالأدلة نفسها التي يطالب الآخرين بتقديمها. وأن يدرك أن قوة الفكرة لا تأتي من خلال الأدلة التي يبحث عنها، ولكن من خلال الحقائق التي تظهر له.
أخيراً..
الثقافة ليست مخزوناً من المعلومات نستعرضه في النقاشات، وإنما استعداد عقلي لمراجعة الذات، ومرونة تسمح لنا بأن نرى العالم خارج حدود تصوراتنا المسبقة.
ما بعد أخيراً..
ليس المثقف من يقرأ ليقول: لقد وجدت ما يؤكد أنني على صواب؛ بل من يقرأ وهو مستعد لأن يكتشف أنه كان مخطئاً.