سارا القرني
من يمد يده إلى ضيفٍ في مطارنا، فقد اعتدى على بيتنا. هذه هي الحقيقة التي تسبق كل تحليل للهجمات الغاشمة على مطار الملك خالد الدولي بالرياض. هناك، حيث يفترض أن تنتهي رحلة بسلام وتبدأ أخرى بأمل، استُهدف حق الناس في الوصول آمنين. والمطار، بما يجمعه من مسافرين وموظفين وعائلات، يضع المعتدي أمام حقيقة لا تمحوها بياناته: لقد عرّض أرواحًا مدنية للخطر، وحاول أن يجعل الخوف شريكًا في حياة الناس.
عرف العالم المملكة بيدها الممدودة، وبأبوابها المفتوحة، وبقدرتها على استقبال المختلف ومد الجسور إليه. ونحن نعتز بهذا الوجه من وطننا؛ نراه قوة أخلاقية تستحق أن تبقى. لكن من يقرأ الكرم السعودي إذنًا بالتجاوز يرتكب خطأً فادحًا. لا تمنح الضيافة أحدًا حق الاعتداء على المضيف، ولا يجعل الحرص على السلام أمن البلاد قابلًا للمساومة. للمملكة أن تمد يدها إلى الجميع، ولها أن تضرب بيد من حديد على يد من يهدد حياة أهلها وضيوفها.
أمن السعودية ليس عبارة تُستدعى في ساعة الغضب. إنه اطمئنان أمٍّ تنتظر وصول ابنها، وخروج موظف إلى عمله، وعودة مسافر إلى أسرته. إنه ثقة المقيم بأن حياته مصونة في بلد اختاره للعمل والعيش. لذلك يصيب الاعتداء على مطار مدني تفاصيل الحياة التي نبني من أجلها ونخطط ونتعب. ومن واجب الدولة أن تحمي هذه التفاصيل، وأن تمنع تحويلها إلى أوراق ضغط في يد المعتدين.
وقد أعلن التحالف أن الاعتداء على مطار الملك خالد عمل إرهابي وسيُرد عليه بحزم. أما توقيت الرد وأدواته، فتقدّرها القيادة والمؤسسات المختصة بما يحمي البلاد ويصون مصالحها. نحن لا نكتب أوامر عمليات في مقالاتنا، ولا نقيس قوة وطننا بارتفاع أصواتنا. نثق بأن الحزم مسؤولية، وأن غايته ردع المعتدي وحماية الإنسان، وأن الدولة التي تحمل أمانة هذا الوطن تعرف وزن القرار وتبعاته.
من اعتاد أن يرى كرم المملكة عليه أن يفهم أيضًا حدود الاقتراب من أمنها. إن الصبر الذي يفسح مجالًا للحلول لا يعني قبول الاستنزاف، والقدرة على ضبط النفس لا تلغي القدرة على حماية الأرض. لا نحتاج إلى المبالغة في الوعيد كي نقول إن سلامة السعودية وأهلها أمانة لا تُترك للاختبار المتكرر. ومن يراهن على أن الرغبة في الاستقرار ستجعلنا نتعايش مع تهديده، فهو يجهل معنى الوطن في نفوسنا.
ونحن المواطنين جزء من هذه المسؤولية. ندافع عن وطننا بأقلامنا، بكلمة تعرف ما تقول، وتتحقق مما تنقل، وتكشف الاعتداء دون أن تمنح الشائعة منفذًا إلى المجتمع. فالكلمة غير المسؤولة قد تؤذي في اللحظة التي تزعم فيها الدفاع. واجب الكاتب أن يسمّي الجريمة، وأن يحفظ للضحايا إنسانيتهم، وأن يمنع تحويل الغضب المشروع إلى اتهام لشعوب بأكملها. مسؤولية المعتدي تقع عليه؛ لا يحملها بريء يشاركه لغة أو نسبًا أو أرضًا.
وعلى مواقع الواجب يقف أبناؤنا وإخوتنا من رجال القوات المسلحة والأمن، يحملون مسؤولية الدفاع عن البلاد، ويبذلون من أرواحهم وأعمارهم ما يحفظ لنا طمأنينتنا. نعرف أن وراء كل واحد منهم أسرة تحبه وتنتظر عودته، ولذلك يكون اعتزازنا بهم التزامًا بمساندتهم، وصون أخبارهم، والالتفاف حول مؤسسات وطننا. نحن مستعدون لبذل الغالي والنفيس من أجل هذه الأرض، كلٌّ في موقعه وتحت راية دولته؛ فالانتماء عمل تفرضه المسؤولية قبل أن يكون كلامًا تثيره اللحظة.
هذه الأرض تسكننا بقدر ما نسكنها. فيها بيوت أهلنا وذكريات طفولتنا وقبور أحبتنا، وفيها المستقبل الذي نريده لأبنائنا. لا نقف خارجها لنراقب ما يصيبها، ولا نعامل أمنها شأنًا يخص غيرنا. كل يد تسعف مصابًا، وكل موظف يواصل واجبه، وكل مواطن يمتنع عن ترويج خبر مجهول، يشارك في حماية تماسكها. بهذا الوعي نواجه محاولة إخافتنا، ونمنع المعتدي من أن يفرض إيقاعه على حياتنا.
ستظل السعودية كريمة، وسيبقى السلام خيارًا نعتز به. وفي الوقت نفسه سيبقى الدفاع عنها واجبًا لا يقبل التردد. نريد لأبنائنا أن يعيشوا آمنين، ولضيوفنا أن يصلوا مطمئنين، ولبلادنا أن تواصل البناء. ومن أجل ذلك كله، لن يكون كرمها ثغرة في أمنها، ولن تكون يدها الممدودة بابًا إلى استباحتها.