عبد العزيز الموسى
«من خلق الله؟» يبدو السؤال، لِلْوَهْلَةِ الأولى، منطقيًا إلى حد لا يحتاج معه إلى كثير تفكير: إذا كان كل شيء يحتاج إلى خالق، فمن خلق الخالق؟ غير أن السؤال الذي يبدو بَدِيهِيًّا قد يخفي في داخله افتراضًا لم يُفْحَصْ: هل كل موجود من جِنْسِ الموجودات التي تحتاج إلى مُوجِدٍ؟ وهل يصح أن نطبق القاعدة التي تفسر افْتِقَارَ الأشياء على من نبحث فيه عن تفسير هذا الافتقار؟
هنا لا تكون المشكلة في السؤال لأنه كبير، ولا في العقل لأنه يسأل، وإنما في القاعدة التي بُنِيَتْ عليها المسألة. فالموجود الذي لا يستقل بوجوده يحتاج إلى ما يفسر وجوده، أما الله سبحانه فليس موجودًا مخلوقًا داخل سلسلة الأسباب حتى يُبْحَثَ له عن سبب من جِنْسِهَا، بل هو مُوجِدُ الأسباب وَالْعِلَلِ، القائم بنفسه الذي لا يستمد وجوده من غيره. ولهذا جاء التوجيه النبوي في التعامل مع هذا السؤال كَاشِفًا موضع الْخَلَلِ فيه: يبدأ التَّسَلْسُلُ بالسؤال عما خلق الأشياء، ثم ينتهي إلى السؤال عمن خلق الخالق نفسه. وهنا لا يكون المطلوب تعطيل العقل أو إغلاق باب البحث، وإنما التوقف عند اللحظة التي نُقِلَتْ فيها قاعدة صحيحة عن الموجودات الْمُفْتَقِرَةِ إلى من يُفْتَرَضُ أنه مصدر وجودها. فالسؤال عن عِلَّةِ الموجود المحتاج شيء، والسؤال عن عِلَّةِ من لا يحتاج في وجوده إلى غيره شيء آخر.
ومنذ الفلسفة اليونانية اتخذ هذا الإِشْكَالُ صورًا متعددة. لم يكن أرسطو يبحث ببساطة عن «أول شيء حدث في الزمن»، بل انشغل بالحركة والتغير وَالْعِلَّةِ، وبالسؤال عن الْمَبْدَأِ الذي يمكن أن يقوم عليه تفسير الحركة من غير أن يبقى العقل في سلسلة لا تنتهي من الْمُحَرِّكَاتِ الْمُتَحَرِّكَةِ. ومن هنا ظهر تصوره لِلْمُحَرِّكِ الأول غير الْمُتَحَرِّكِ، في إطار فلسفي معقد لا يطابق التصور التوحيدي اللاحق، ولكنه يكشف انتقال السؤال من مجرد البحث عن بداية زمنية إلى البحث عن مَبْدَأٍ يتجاوز ما هو متغير وَمُفْتَقِرٌ.
وفي الفلسفة الإسلامية أصبح السؤال أكثر تحديدًا مع ابن سينا؛ فلم يعد المهم فقط: متى بدأ العالم؟ بل: ما طبيعة وجوده؟ هل هو قائم بذاته، أم أن وجوده مُمكنٌ، ومن ثم لا يستغني عن عِلَّةٍ تُرَجِّحُ وجوده؟ ومن هنا جاء التمييز بين الْمُمْكِنِ وَالْوَاجِبِ؛ فالْمُمْكِنُ مُفْتَقِرٌ في وجوده، بينما لا يكون الْوَاجِبُ محتاجًا إلى عِلَّةٍ. وبذلك انتقل السؤال من البداية الزمنية إلى الاِفْتِقَارِ الوجودي؛ وهي نَقْلَةٌ تجعل البحث في أصل الوجود أوسع من البحث عن لحظة أولى في الزمن.
ومن هنا يدخل الغزالي إلى المسألة من باب آخر: باب السَّبَبِيَّةِ. نحن نرى النار تحرق، والماء يروي، والدواء يعالج، ونلاحظ انتظام هذه العلاقات حتى تصبح جزءًا من يقيننا اليومي. لكن هل يعني انتظام الاِقْتِرَانِ أن السبب يملك في ذاته قوة ضرورية مستقلة؟ حين ناقش الغزالي علاقة النار بالإحراق، لم يكن ينكر ما نشاهده من انتظام الظواهر، وإنما كان يُنَازِعُ في تحويل هذا الانتظام إلى ضرورة مستقلة عن فعل الله وتقديره. فالأسباب تعمل داخل نظام، لكن انتظام النظام لا يجعل السبب قائمًا بذاته.
وهنا يتصل سؤال السَّبَبِيَّةِ بسؤال «الطبيعة». فإذا كانت الطبيعة تعني المادة والطاقة والظواهر والقوانين التي تنتظم بها، فهي اسم لما ندرسه في العالم، وليست بمجرد تسميتها تفسيرًا نهائيًا لوجوده. وإذا قيل إن الطبيعة تفسر نفسها، فهذه ليست نتيجة علمية تلقائية، بل دَعْوَى فلسفية تحتاج إلى برهان. وكذلك قوانين الطبيعة: هي وصف للانتظام الذي نرصده في العلاقات والظواهر، ولا تتحول إلى فَاعِلٍ أو عِلَّةٍ نهائية لمجرد أننا أطلقنا عليها اسم «قوانين». وهنا تظهر قيمة التمييز بين السبب والتفسير. قد نعرف السبب المباشر لظاهرة ما، وقد نكشف الآلية التي تنتجها، لكن ذلك لا يعني أننا أجبنا بالضرورة عن السؤال الأبعد: لماذا يوجد هذا النظام أصلًا؟ وما الذي يجعل وجود أسبابه وقوانينه ممكنًا؟ وليس المطلوب أن نحمل العلم سؤالًا لا يدخل في مجاله، ولا أن نجعل الجهل العلمي دليلًا على وجود الله؛ فذلك يقود إلى ما يسمى «إله الفَجَوَاتِ». القضية أعمق: حتى حين مكتمل التفسير الفيزيائي لآلية ما، يبقى من الْمَشْرُوعِ فلسفيًا التمييز بين تفسير كيفية حدوث الشيء وبين تفسير أصل وجود الواقع الذي تجري فيه تلك الآلية.
ويزداد هذا التمييز أهمية في بعض النقاشات المعاصرة حول نشأة الكون. فقد توصف بعض النماذج الفيزيائية بأنها تفسر نشوء الكون من «العدم»، لكن السؤال السابق على النتيجة هو: ما المقصود بالعدم؟ فإذا كان المقصود حالة فيزيائية لها بِنْيَةٌ أو قوانين أو حقول أو شروط أولية، فليس هذا هو العدم الفلسفي الْمَحْضَ. والانتقال من القول إن نموذجًا رياضيًا يصِف كيفية نشوء حالة كونية إلى القول إننا فسرنا لماذا يوجد شيء أصلًا بدلًا من لا شيء، انتقال من مستوى الفيزياء إلى مستوى آخر من السؤال، ولا تحسمه المعادلة وحدها.
وفي التراث الإسلامي تكررت محاولات النظر إلى هذه القضية من زوايا مختلفة. فنجد عند علماء مبكرين الاستدلال بالنظام والصَّنْعَةِ على الصَّانِعِ، وعند ابن حزم نقدًا لِلَّدَهْرِيَّةِ ولمن يجعل الطبيعة تفسيرًا نهائيًا للوجود، وعند ابن الجوزي تحذيرًا من أن يتحول الجدل إلى غاية تستغرق العقل في الألفاظ والمصطلحات، بينما وسع ابن القيم النظر في انتظام العالم إلى الحكمة والتقدير والتدبير. أما ابن تيمية فأعاد تحرير المسألة من اختزال إثبات الخالق في طريق واحد، ولا سيما الطريق الذي يجعل بداية العالم الزمنية هي المدخل الضروري الوحيد إلى إثبات وجود الخالق؛ فالسؤال عن افْتِقَارِ الموجود إلى خالقه أوسع من مجرد السؤال عن اللحظة التي بدأ فيها وجوده.
ومع الفلسفة الحديثة تغير السؤال مرة أخرى. عند ديكارت ارتبط البحث عن الله بمشكلة اليقين وأساس المعرفة، بينما قدم سبينوزا تصورًا مختلفًا جذريًا للعلاقة بين الله والطبيعة. ثم جاء كانط ليكشف حدود العقل النظري حين يحاول تحويل قضايا الْمِيتَافِيزِيقَا إلى براهين شبيهة بالبراهين التجريبية، وينبه إلى أن العقل قد يتجاوز مجال الخبرة فينشئ مسائل لا يحسمها الاِسْتِرْسَالُ المنطقي وحده.
ثم انتقل السؤال عند نيتشه إلى مستوى آخر: ماذا يحدث للمعنى والقيم حين تنهار الْمَرْجِعِيَّةُ الإلهية؟ ومع فويرباخ اتجه النقد إلى تفسير الاعتقاد الديني من داخل الإنسان، فرأى في فكرة الله إِسْقَاطًا لصفات الإنسان وحاجاته، ثم جاء النقد الإلحادي الحديث في صور أكثر صراحة، كما عند ميشيل أونفراي. لكن هنا ينبغي التمييز بين سؤالين كثيرًا ما يخْتَلِطَانِ: لماذا يؤمن الإنسان؟ وهل ما يؤمن به حَقٌّ؟ فالكشف عن الأسباب النفسية أو الاجتماعية للاعتقاد لا يثبت بطلان موضوع الاعتقاد؛ إذ يمكن تفسير مَنْشَأِ الاعتقاد من دون أن يكون ذلك تفسيرًا لنفي الحقيقة التي يتعلق بها.
والقرآن، في مجموع خطابه، لا يبني النظر إلى الوجود على برهان واحد، ولا يضع العقل أمام ظاهرة مجهولة ليقول له: ما دمت لا تعرف تفسيرها فالله هو التفسير. بل يكرر تدريب العقل على الانتقال من الظاهرة إلى ما ورائها، ومن السبب القريب إلى شبكة الأسباب، ومن انتظام الأشياء إلى السؤال عن أصل النظام وغاية الوجود. إنه يعيد العقل إلى أصل المسألة: هل يمكن للموجود أن يوجد من غير مُوجِدٍ؟ وهل يستطيع أن يكون سبب وجود نفسه؟ وهل يكفي وصف ما يحدث في الكون لكي نكون قد فسرنا وجود الكون ذاته؟
ومن هنا تتسع الرؤية القرآنية للوجود: فالخلق ليس واقعة معزولة، والطبيعة ليست كتلة صَمَّاءَ مكتفية بذاتها، والقوانين ليست فَاعِلًا مستقلًا، والأسباب لا تلغي السؤال عن النظام الذي تنتظم داخله. ولذلك يتكرر في القرآن النظر في الخلق، وإحكام الكون، وتعاقب الليل والنهار، وإنزال المطر، وإِنْبَاتِ الزرع، ونشأة الإنسان، وحركة التاريخ؛ لا ليضع العلم في مواجهة الإيمان، وإنما ليمنع العقل من الوقوف عند الطَّبَقَةِ الأولى من التفسير.
حتى الأسباب التي يمارسها الإنسان نفسه يعيد القرآن وضعها في سياق أوسع: فالإنسان يحرث، ولكنه لا يخلق خصائص التربة ولا يُنْشِئُ البذرة ولا يَسْتَحْدِثُ قوانين النمو؛ ويشرب الماء، ولكنه لا يخلق دورة الماء ولا يملك أسباب وجودها؛ ويرى انتظام الكون، ولكنه لا يملك تفسيرًا نهائيًا لسبب وجود النظام نفسه. المعنى هنا ليس إلغاء السبب، وإنما منعه من التحول إلى تفسير مُكْتَفٍ بذاته.
ولهذا يمكن القول إن القرآن لا يقدم للعقل مجرد «إجابة» عن سؤال الخالق، بل يعيد تشكيل الطريقة التي ينبغي أن يُطْرَحَ بها السؤال. إنه لا يطالبه بالتخلي عن النظر، وإنما يطالبه بالنظر على نحو أعمق: أن يفرق بين الظاهرة وتفسيرها، وبين السبب القريب وَالْعِلَّةِ النهائية، وبين القانون الذي يصف الانتظام والجهة التي تفسر أصل وجود النظام، وبين تفسير الإنسان للاعتقاد وبين الحكم على حقيقة ما يعتقده.
عند هذه النقطة يتضح خطأ سؤال «من خلق الله؟». ليس لأنه سؤال ممنوع، ولا لأن العقل ينبغي أن يتوقف أمامه، وإنما لأن السؤال نقل قاعدة تخص الموجودات الْمُفْتَقِرَةِ إلى من يُفْتَرَضُ أنه مصدر وجودها. لقد بدأ من مقدمة تبدو صحيحة: الأشياء التي نعرفها لا تستقل بوجودها، ثم وسعها بلا دليل إلى قاعدة أخرى: كل موجود، أَيًّا كانت طبيعته، لا بد أن يكون محتاجًا إلى سبب من النوع نفسه.
وهنا تكمن الْمُفَارَقَةُ: السؤال الذي يبدو شديد العقلانية قد يكون في الحقيقة قد أخطأ في تحديد موضوعه قبل أن يبدأ البحث عن جوابه.
فليست قوة العقل في أن يسأل عن كل شيء بالطريقة نفسها، وإنما في أن يعرف اختلاف الأشياء التي يسأل عنها، وأن يضع لكل سؤال قاعدته ومجاله. وقد يكون أعمق الأسئلة ليس ذلك الذي يطلب جوابًا سريعًا، وإنما الذي يراجع أولًا الْفَرْضِيَّةَ التي قام عليها السؤال.
** **
- عضو التوجيه والإرشاد بالحرمين الشريفين سابقًا