د. ياسين علي محمد عزي
من مؤشرات الأداء إلى فلسفة المسؤولية التنموية في المملكة التي جعلت رؤية 2030 من تنمية الإنسان وتنويع الاقتصاد ورفع كفاءة المؤسسات جزءا من مشروعها الوطني، تكتسب معرفة الأثر قيمة تتجاوز إثبات الإنجاز.
فما تنفقه الدولة على التعليم والبحث وبناء القدرات لا تقف قيمته عند حدود ما تنجزه المؤسسات من مشروعات وبرامج، وإنما تمتد إلى ما تضيفه تلك المنجزات إلى حياة الإنسان وقدرة الاقتصاد ومستقبل الوطن. ولعل الجامعات، بما تمثله من موطن للمعرفة وصناعة الكفاءات وإنتاج الأدلة، أولى المؤسسات بأن تتقدم في هذا الفهم، لا أن تكتفي بتطبيق أدواته. فمن حق الجامعة أن تعتز بأبحاثها وتصنيفها وبرامجها المعتمدة ونسب إنجاز خططها، إلا أن مسؤوليتها العلمية تضع أمامها تساؤلا أبعد: كيف يمكن لمؤسسة أن تبلغ درجة عالية من الدقة في قياس أدائها، بينما تظل قدرتها على تفسير أثر ذلك الأداء في مجتمعها أقل نضجا؟ فالقضية تتجاوز كفاية المؤشرات إلى الفلسفة التي تحدد ما يستحق أن نقيسه، وما ينبغي أن نعرفه قبل أن نحكم على النجاح.
تزداد أهمية هذا التمييز حين يتعلق الأمر بالجامعة؛ فهي مؤسسة لا تنتهي مسؤوليتها عند حدود ما تنتجه، وإنما تمتد إلى ما يصبح ممكنا بفضل ذلك الإنتاج. فالبحث العلمي الذي ينتهي بالنشر حقق مخرجا أكاديميا، لكن قيمته المجتمعية تكتسب بعدا آخر حين يسهم في معالجة مشكلة أو تطوير ممارسة أو تأسيس معرفة ينتفع بها الآخرون.
والبرنامج الدراسي الذي يستوفي معايير الاعتماد يقدم دليلا على جودة بنائه، إلا أن الحكم على أثره يحتاج أيضا إلى النظر فيما أحدثه في قدرات خريجيه وفرصهم ومشاركتهم في الاقتصاد والمجتمع.
ليس في هذا التقليل من شأن الاعتماد الأكاديمي أو التصنيفات أو الإنتاج البحثي؛ فهذه أدوات ضرورية لضبط الجودة وتحسين الأداء. إنما الإشكال يبدأ حين تتحول الوسيلة التي أوجدناها لمعرفة المؤسسة إلى تعريف نهائي لقيمتها، وحين يصبح ما يسهل قياسه أكثر حضورا في القرار مما يصعب قياسه، ولو كان الأخير أشد اتصالا برسالة الجامعة.
في السابع من أكتوبر 2026، نشرت هيئة الأبحاث في إنجلترا البريطانية نتائج الإصدار السادس من «إطار تبادل المعرفة»، الذي يقدم تجربة تستحق التأمل في كيفية قراءة العلاقة بين الجامعات ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي. فالإطار يتناول الشراكات البحثية، والتعاون مع الشركات والقطاع العام والمجتمع، والتطوير المهني وريادة الأعمال، والملكية الفكرية، والتنمية المحلية، وهي مجالات تنقل الاهتمام من الإنتاج المعرفي داخل الجامعة إلى صور تداوله والإفادة منه خارجها. وتزداد أهمية هذه التجربة في كونها تراعي اختلاف خصائص المؤسسات عند المقارنة، فلا تفترض أن الجامعة البحثية الكبرى والجامعة ذات الرسالة التعليمية والمحلية مطالبتان بالصورة نفسها من الإسهام.
والأجدر بالتأمل في هذا الإطار أنه يعيد طرح تساؤل يتصل بطبيعة ما نعده إنجازا جامعيا. فقد تتعاون جامعة مع منشآت اقتصادية، وتطور أخرى برامج مهنية تخدم احتياجات مجتمعها، وتسهم ثالثة في نقل المعرفة إلى مؤسسات عامة؛ وكلها صور من الإسهام تستحق أن تظهر في تقويم الأداء، وإن اختلفت عن المؤشرات التي تمنح الجامعات مواقعها في التصنيفات البحثية. لكن اتساع مجالات القياس لا يعني بالضرورة أننا أصبحنا نعرف الأثر كاملا؛ فعدد الشراكات أو حجم الإيرادات أو كثافة الأنشطة يخبرنا عن طبيعة التفاعل مع المجتمع، بينما يحتاج الحكم على ما أحدثه ذلك التفاعل من تغيير إلى معرفة إضافية بنتائجه واستمراريته والعوامل الأخرى التي شاركت في صنعه.
تستحق التجربة البريطانية أن نقرأها أيضا من زاوية ما لا تستطيع مؤشراتها أن تخبرنا به؛ فمعرفة حجم التفاعل بين الجامعة ومحيطها لا تعني بالضرورة معرفة ما تغير في ذلك المحيط بفضلها. وقد تكون الشراكة واسعة في أنشطتها، محدودة في نتائجها، كما قد يترك بحث واحد أثرا يتجاوز ما توحي به أرقام الإنتاج العلمي. وبين ما تستطيع الجامعة توثيقه وما يمكن نسبته إلى إسهامها الفعلي، تتحدد قيمة الحكم العلمي على أدائها. ولعل ما يجعل هذه التجربة جديرة بالتأمل في السياق السعودي هو ما تثيره من تساؤلات تتصل بطموحات رؤية 2030؛ فالوطن الذي يستثمر في المعرفة وبناء القدرات يحتاج إلى جامعات تستطيع أن تفسر قيمة ما تضيفه إلى مستقبله، وأن تميز بين ما أنجزته مؤسسيا وما أحدثته تنمويا، مع مراعاة اختلاف رسائلها واحتياجات المناطق التي تخدمها.
ولعل ما يستحق التأمل في قيادة الجامعات السعودية ليس مقدار ما تنجزه الإدارة من أعمال، ولا عدد القرارات التي تصدرها، بقدر ما يستحقه الأساس المعرفي الذي تقوم عليه تلك القرارات، وما تتركه من أثر يتجاوز حدود المؤسسة. فالقيادة التي تصنع التحول لا تستمد قيمتها من سرعة الإنجاز وحدها، وإنما من قدرتها على التمييز بين نجاح الخطة وصواب الافتراضات التي بنيت عليها. لذا قد ينجح رئيس جامعة في تنفيذ خطته كاملة، إلا أن ذلك لا يخبرنا بالضرورة إن كانت الخيارات التي اعتمدتها الخطة هي الأجدر باحتياجات الجامعة ومجتمعها. فبلوغ المستهدفات، مهما بلغت دقة قياسه، لا يعفي المؤسسة من مراجعة جدواها، ولا يجعل كل نجاح إداري دليلا كافيا على تحقق أثر تنموي.
أخطر ما يمكن أن يحدث في المؤسسة الأكاديمية أن تصبح مؤشرات الأداء مصدرا للطمأنينة الإدارية بدلا من أن تكون أداة للمراجعة والتعلم. فعندما تقيس الجامعة عدد البرامج التي طورتها، ينبغي أن تمتلك القدرة على فحص أثر هذا التطوير في تعلم طلابها. وعندما تعلن زيادة إنتاجها البحثي، يجدر بها أن تعرف طبيعة المعرفة التي أضافتها، ومجالات الإفادة منها. وحين تعيد هيكلة برامجها أو توقف القبول في أحد تخصصاتها، فإن سلامة الإجراءات النظامية لا تغني عن دراسة آثار القرار في الفرص التعليمية، والكفاءات المتاحة، واحتياجات المجتمع، والبدائل التي جرى النظر فيها.
تلك مسؤولية معرفية قبل أن تكون مسؤولية إدارية؛ فالجامعة التي تقوم رسالتها على إنتاج الأدلة لا يليق أن تكون الأدلة أقل حضورا حين تتخذ القرارات المتعلقة بمستقبلها.
تقدم الجامعات السعودية في مختلف مناطق المملكة مجالا مهما لفهم هذه المسؤولية؛ إذ لا تنفصل رسالتها العلمية عن الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للمناطق التي تحتضنها، ولا تنحصر قيمتها في أعداد الملتحقين بها أو المتخرجين منها، بل تمتد إلى ما تضيفه من معرفة وقدرات وفرص تسهم في التنمية الوطنية. ففي وطن تتنوع مناطقه وموارده وإمكاناته التنموية، تكتسب خريطة البرامج الأكاديمية والطاقة الاستيعابية والبحث العلمي قيمتها حين تستند إلى معرفة متجددة باحتياجات الإنسان والاقتصاد والمجتمع. قد ترتفع مؤشرات القبول أو تتزايد أعداد الخريجين دون أن تكشف هذه الأرقام وحدها عن طبيعة الفرص التي أتاحتها الجامعة، أو مقدار إسهامها في تطوير الاقتصاد المحلي وبناء القدرات البشرية. وتبرز هنا مسؤولية القيادة الجامعية في أن تجعل المعرفة بخصائص المنطقة واحتياجاتها أساسا للتخطيط، وأن تجعل ما تحدثه قراراتها من أثر معيارا لمراجعة نجاحها المؤسسي.
وتتصل هذه المسؤولية بمستقبل التعليم العالي السعودي في ضوء رؤية المملكة 2030؛ فالتنمية التي تتسع مشروعاتها وتتعدد قطاعاتها تحتاج إلى جامعات قادرة على استشراف الطلب على المعرفة والمهارات، وإلى قيادة تفهم أن نجاح المؤسسة لا ينفصل عن قدرتها على الاستجابة للتحولات التي يشهدها الوطن. ولا يعني ذلك إخضاع الجامعة لمنطق السوق وحده؛ إذ تظل للمعرفة الأساسية والعلوم الإنسانية والبحث طويل المدى قيمة لا تختصرها العوائد الاقتصادية القريبة. إنما المطلوب أن تتسع أدوات الحكم على الجامعة لتشمل تعدد وظائفها، وأن تتصل تلك الأدوات بما تستهدفه التنمية من بناء للإنسان وتطوير للقدرات وإثراء للمعرفة.
تقودنا التجربة البريطانية إلى التفكير في تطوير إطار وطني لقياس أثر الجامعات السعودية، يراعي اختلاف رسائلها وخصائص مناطقها، ويجمع بين جودة التعليم والبحث وتبادل المعرفة والإسهام المجتمعي. غير أن القيمة التي يمكن إضافتها إلى مثل هذا الإطار تتجاوز تسجيل الشراكات والأنشطة إلى فحص ما ترتب عليها، وما توجد أدلة على إسهام الجامعة فيه. ويمكن أن يصاحب ذلك تقرير دوري يوضح ما حققته الجامعة قياسا إلى مستهدفاتها، وما تغير في محيطها مما توجد أدلة على إسهامها فيه، وما لم يتحقق، وكيف أثرت هذه المعرفة في قراراتها اللاحقة. فالمساءلة التي لا تسمح للمؤسسة بتفسير الإخفاق والتعلم منه قد تدفعها إلى اختيار المستهدفات الأسهل، بينما تحتاج التنمية إلى مؤسسات تستطيع التعامل مع المشكلات الأصعب.
لن يكتمل هذا التحول بتطوير أدوات القياس وحدها. فالمعرفة التي تنتجها الجامعة عن نفسها ينبغي أن تجد طريقها إلى مجالسها الأكاديمية، وأقسامها العلمية، وأعضاء هيئة التدريس، وطلابها، وشركائها في المجتمع. فجودة القرار لا تتعلق فقط بمقدار البيانات المتاحة لصاحبه، بل أيضا بمدى خضوع تلك البيانات للنقاش العلمي، وبقدرة أصحاب الخبرة على مراجعة الافتراضات التي بني عليها. ولهذا فإن احترام الاختصاص الأكاديمي، وسماع الرأي المخالف، وإتاحة المراجعة المؤسسية، ليست امتيازات إدارية، بل شروط تساعد الجامعة على تجنب الأخطاء التي قد تنشأ حين تنفصل سلطة القرار عن المعرفة اللازمة لاتخاذه.
والجامعة، بوصفها مؤسسة تقوم على إنتاج المعرفة ونقدها، تمتلك في تقاليدها العلمية ما يؤهلها لأن تكون من أكثر المؤسسات قدرة على مساءلة قراراتها ومراجعة افتراضاتها. فالدليل الذي يمنح البحث العلمي مشروعيته لا ينبغي أن يفقد قيمته حين ينتقل النقاش من قاعات البحث إلى مجالس الجامعة، كما أن اختلاف الرأي الذي يثري المعرفة لا يفترض أن تتراجع قيمته حين يتعلق الأمر بالسياسات الأكاديمية. وفي هذه العلاقة يتحدد جانب أصيل من نضج القيادة الجامعية؛ قدرتها على أن تجعل من النقد العلمي وسيلة لتحسين القرار، ومن المراجعة المؤسسية امتدادا للمسؤولية لا انتقاصا من صلاحياتها.
لذا حين نعود إلى التساؤل عن الأثر الذي تصنعه الجامعة، نجد أن الإجابة تتطلب النظر في طبيعة العلاقة بين ما تعرفه وما تقرره وما تستطيع إثباته بعد التنفيذ. فقد تنجح جامعة في تحسين ترتيبها العالمي، وتنجح أخرى في تطوير تعليمها أو خدمة مجتمعها أو الإسهام في اقتصاد منطقتها، ولا يلزم أن تتطابق مسارات النجاح حتى تتكامل في خدمة الوطن.
التحدي الذي ينتظر جامعاتنا أن تجعل ما تعرفه عن أدائها سببا في تحسين ممارساتها، وأن تتجاوز مجرد إثبات الإنجاز إلى امتلاك القدرة على تطويره. فالمساءلة التي تستند إلى المعرفة وتعود بنتائجها إلى القرار تمنح المؤسسة فرصة مستمرة للتعلم، وتجعل من القياس ممارسة علمية تتصل بمستقبل الجامعة، لا إجراء ينتهي باعتماد تقريرها.
ولعل الامتحان الأعمق والأكثر أهمية للجامعة ليس في قدرتها على أن تجيب عما أنجزته، بل في قدرتها على أن تعرف ما كان سيختلف في حياة مجتمعها لو لم تكن موجودة. ذلك تساؤل لا تكفي للإجابة عنه شهادة اعتماد، ولا ترتيب عالمي، ولا تقرير إنجاز؛ فهو يضع الجامعة أمام القيمة التي من أجلها وجدت، ويعيد إلى القيادة الجامعية مسؤوليتها الأولى: أن تجعل للمعرفة أثرا يستحق ما استثمره الوطن فيها. وفي المملكة التي جعلت من تنمية الإنسان وتعظيم أثر المؤسسات جزءا من طموحها الوطني، تكتسب هذه المسؤولية أهمية تتجاوز نجاح الجامعة في تحسين موقعها بين المؤسسات إلى قدرتها على تقديم معرفة موثوقة بما أضافته إلى الإنسان والاقتصاد والمجتمع. وحين تستطيع الجامعة أن تجيب عن ذلك بأدلة تقبل المراجعة، فإنها تكون قد أدت مسؤوليتها المعرفية والوطنية، وأعطت للإنجاز قيمته التي تستحق أن تقاس.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي