عوض علي أحمد الطالبي
في المنعطفات التاريخية الكبرى التي تمر بها الأمم، تذوب المساحات الرمادية وتفقد المصطلحات الدبلوماسية الملتوية بريقها المعتاد، ليصبح «الحياد» في مواجهة الإرهاب الممنهج والاعتداء الصارخ ليس مجرد موقف سياسي واهن، بل يرقى ليكون تواطؤاً صامتاً وخيانة صريحة لقيم العدالة والإنسانية. والتاريخ، الذي يدون تفاصيل الأحداث بمداد من حقائق لا تقبل التأويل، لا يغفر للمتفرجين ولا ينسى المواقف المخزية للذين آثروا الصمت أو «مسك العصا من المنتصف» حينما كان الواجب يقتضي كلمة حق وموقفاً حاسماً لا مواربة فيه.
تتعرض المملكة العربية السعودية منذ سنوات لاستهداف ممنهج وخطير لم يعد يقتصر على صراعات سياسية أو عسكرية تقليدية في إقليمها المشتعل، بل تجاوز كل الخطوط الحمراء الدينية والأخلاقية والقانونية. فمن محاولات استهداف الحرمين الشريفين - أقدس بقاع الأرض لدى أكثر من ملياري مسلم - إلى القصف الإجرامي المتكرر الذي يطال المنشآت المدنية، والمؤسسات التعليمية، ومرافق الخدمات الحيوية، والمطارات الدولية، وصولاً إلى سفك دماء الأبرياء والمدنيين الآمنين، والإضرار البالغ بالممتلكات العامة والخاصة.
إن هذا المشهد يضع المجتمع الدولي، والمنظمات الأممية، والقوى الإقليمية، أمام مرآة الحقيقة؛ حيث لم يعد هناك متسع للمواقف الضبابية أو عبارات «القلق» الجوفاء التي تساوي بين المعتدي والمعتدى عليه، وبين دولة تبني السلام العالمي وميليشيات وعصابات مارقة تسعى لنشر الفوضى والدمار.
أولاً: استهداف الحرمين الشريفين.. الجريمة الوجودية التي أسقطت الأقنعة
حينما تمتد يد الغدر والإرهاب لتصويب صواريخها الباليستية ومسيراتها المفخخة نحو منطقة مكة المكرمة أو المدينة المنورة، فإنها لا تستهدف جغرافيا سياسية لدولة فحسب، بل تصوب رصاصاتها نحو قلب العقيدة الإسلامية والاستقرار الروحي العالمي.
إن الحرمين الشريفين يمثلان رمزية دينية جامعة، وأمانة تاريخية تضطلع المملكة العربية السعودية برعايتها وخدمتها بكل كفاءة واقتدار وبذل الغالي والنفيس من أجلها.
إن الإصرار على إطلاق المقذوفات والصواريخ باتجاه أقدس البقاع، والتي نجحت الدفاعات الجوية السعودية الباسلة في اعتراضها وتدميرها مراراً وتكراراً، يثبت للعالم أجمع أن الجهات التي تقف وراء هذه الاعتداءات – وفي مقدمتها الميليشيات الإرهابية المدعومة من أطراف إقليمية ذات أجندات توسعية تخريبية – قد تخلت عن كل وازع ديني أو قيمي أو أخلاقي.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والتاريخي: كيف يمكن لدولة أو منظمة تزعم الانتماء للعالم الإسلامي أو الحرص على قيم السلام أن تقف «على الحياد» أمام محاولات تدنيس أو استهداف مقدسات المسلمين؟ إن الصمت هنا ليس حياداً سياسياً، بل هو مباركة ضمنية لمنفذي هذه الجرائم، وتاريخ الأمة الإسلامية لن يرحم أولئك الذين ابتلعوا ألسنتهم وصمتوا صمت القبور بينما كانت الصواريخ تتوجه صوب قبلتهم ومحجّهم.
ثانياً: المطارات والمنشآت المدنية .. حرب استنزاف ضد الحياة الإنسانية
لم تتوقف الاعتداءات الإرهابية عند حدود الجبهات العسكرية التقليدية، بل اتخذت استراتيجية خبيثة تقوم على ضرب «مفاصل الحياة اليومية» للمواطنين والمقيمين على أرض المملكة. وقد تجلى ذلك في الهجمات الغادرة المتكررة على :
1 . المطارات المدنية الدولية: مثل مطار أبها الدولي، ومطار الملك عبدالله بجازان، ومطار الملك عبد العزيز بجدة، وغيرها من المرافق الخدمية الإنسانية التي يعبرها يومياً آلاف المسافرين المدنيين من مختلف الجنسيات. إن استهداف الطائرات المدنية الرابضة على المدرجات أو صالات المسافرين بالمسيرات المفخخة هو خرق فاضح وبشع للقانون الدولي الإنساني (معاهدة شيكاغو للطيران المدني)، ويصنف في العرف الدولي كجرائم حرب مكتملة الأركان.
2 . مرافق الخدمات والطاقة الحيوية: إن استهداف منشآت النفط والطاقة (مثل الهجمات على معملي بقيق وخريص وخزانات توزيع المنتجات البترولية في جدة وجازان) ومحطات تحلية المياه وشبكات الكهرباء لا يستهدف الاقتصاد السعودي وحده، بل يستهدف ركائز الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي، إلى جانب محاولة حرمان ملايين المدنيين من مقومات الحياة الأساسية كالماء والكهرباء، وهو ما يعكس دناءة الأهداف وغياب الرادع الأخلاقي لدى المعتدين.
3 . المنشآت التعليمية والأحياء السكنية: تعرضت العديد من المدارس والمنازل والمرافق التعليمية، خاصة في المناطق الجنوبية والحدودية للمملكة، لمقذوفات عشوائية وصواريخ باليستية. إن تدمير المدارس التي تُبنى لتنوير عقول الأجيال القادمة، وتحويل الأحياء السكنية الآمنة إلى ساحات لتناثر الشظايا والدمار، يوضح أن هذا الإرهاب لا يفرق بين مقاتل في ميدان عسكري وبين طفل يتلقى تعليمه في فصله الدراسي.
ثالثاً: دماء الأبرياء والممتلكات.. تكلفة إنسانية يدفعها المدنيون
خلف الأرقام والإحصائيات العسكرية، هناك قصص إنسانية مؤلمة؛ أطفال استيقظوا على دوي الانفجارات، وعائلات فقدت معيلها نتيجة شظية طائشة من صاروخ غادر، ومقيمون جاؤوا لطلب الرزق والعيش بسلام فاستشهدوا أو أصيبوا على أرض المملكة جراء هذا الإرهاب الأعمى.
إن حماية دماء الأبرياء وحقهم في الحياة هو المبدأ الأول والأساس الذي قامت عليه مواثيق حقوق الإنسان الدولية. وعندما يتم انتهاك هذا الحق بشكل دوري ومتعمد من قبل ميليشيات وعصابات لا تقيم وزناً للشرعية الدولية، فإن اتخاذ موقف «الحياد» أو استخدام لغة دبلوماسية ناعمة تطالب «جميع الأطراف بضبط النفس» يعد إهانة صارخة لضحايا هذه الاعتداءات، ومحاولة يائسة لتبرير جريمة القاتل لمواصلة غيه.
علاوة على ذلك، فإن الإضرار البالغ بالممتلكات العامة والخاصة – من تدمير لسيارات المواطنين، وتهشيم لواجهات المحلات التجارية، وهدم للمنازل – يمثل محاولة بائسة لزعزعة الأمن الداخلي وبث الرعب في نفوس المجتمع المترابط. ولكن الجبهة الداخلية للمملكة أثبتت دائماً أنها عصية على الانكسار، وأن مثل هذه الأعمال الغادرة لا تزيد الشعب السعودي إلا تلاحماً وثقة في قيادته وقواته المسلحة.
رابعاً: معضلة الحياد الزائف.. لماذا يرى التاريخ الصمت كخيانة؟
في الفلسفة السياسية والأخلاقية، يُعرف الحياد بأنه عدم التدخل في صراع بين طرفين متكافئين في القوة والحق، أو البقاء على مسافة واحدة في نزاع سياسي يحتمل وجهات نظر متعددة. لكن، عندما ينقسم الصراع بين دولة شرعية تحمي مواطنيها ومقدساتها وتساهم في الاستقرار والتنمية العالمية، وبين جماعات إرهابية وميليشيات طائفية تطلق الصواريخ العشوائية لتدمير المدن وقتل المدنيين، فإن «الحياد» هنا يسقط أخلاقياً وقانونياً وإنسانياً.
إن القوى الدولية أو الإقليمية التي تلتزم الصمت أو تكتفي بالإدانات الخجولة والمكررة حيال ما تتعرض له المملكة، تفعل ذلك غالباً مدفوعة بحسابات براغماتية ضيقة، أو رغبة في استغلال الأزمات لتحقيق توازنات سياسية خاصة بها. لكن هذا «الحياد النفعي» هو في جوهره خيانة لمنظومة الأمن الجماعي؛ فالإرهاب الذي يضرب مطاراً أو منشأة حيوية في السعودية اليوم، سيجد طريقه لضرب مطارات وعواصم أخرى غداً إذا لم يجد ردعاً حاسماً وموقفاً دولياً موحداً يقطع دابر المعتدين ويجفف منابع تمويلهم وتسليحهم.
خامساً: صمود المملكة وعزمها الراسخ.. قيادة حكيمة وشعب وفيّ
رغم حجم الاستهداف وخطورته وتنوع أدواته، أثبتت المملكة العربية السعودية – قيادة وشعباً - صموداً استثنائياً أذهل المراقبين الدوليين. وتجلى هذا الصمود الملحمي في مسارات عدة :
1 - الاحترافية العسكرية والدفاعية الأسطورية: برهن أبطال قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي والقوات الجوية عن كفاءة وجاهزية منقطعة النظير في حماية سماء الوطن. لقد حققت المنظومات الدفاعية السعودية أعلى نسب نجاح عالمية في تاريخ الحروب الحديثة باعتراض وتدمير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة المعقدة، مما حال دون وقوع كوارث بشرية ومادية هائلة، وجعل من كفاءة المقاتل السعودي مضرباً للأمثال في المحافل العسكرية الدولية.
2 - استمرار مسيرة البناء والنناء (رؤية 2030): لم تفلح هذه المحاولات الإرهابية اليائسة في تعطيل عجلة التنمية والبناء؛ ففي الوقت الذي كانت فيه الدفاعات الجوية تصون الأجواء على الحدود وفي العمق، كانت المدن السعودية تشهد إطلاق مشاريع عالمية عملاقة (مثل نيوم، والقدية، والبحر الأحمر)، وتستضيف قمم ومؤتمرات دولية واقتصادية ورياضية كبرى، مما أرسل رسالة واضحة للأعداء والمحايدين على حد سواء: «إن قطار الرؤية والمستقبل السعودي لا يتوقف، ولا تزيدنا التحديات إلا إصراراً».
3 - الحكمة والمسؤولية السياسية والإنسانية: تعاملت القيادة الرشيدة في الرياض مع هذه الاستفزازات بنضج سياسي كبير وحكمة بالغة، متمسكة بالقوانين الدولية، وحريصة في الوقت ذاته على استقرار أسواق الطاقة العالمية كشريك موثوق للعالم، ومستمرة في الوقت نفسه بتقديم المساعدات الإنسانية للشعوب المتضررة حول العالم (بما في ذلك الشعب اليمني الشقيق عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية) ، مفرقة دائماً بوعيها الإنساني بين الميليشيات الإرهابية الباغية وبين الشعوب المغلوبة على أمرها.
سادساً: حتمية فرز المواقف وسقوط الرهانات الرمادية
إن التاريخ يمر دائماً بمراحل غربلة وفرز للمواقف، والأزمات الحالية التي تواجهها المنطقة كشفت بوضوح من هو الحليف الصادق المتمسك بقيم الحق والعروبة والإنسانية والجوار، ومن هو المتلون الذي يمسك العصا من المنتصف وينتظر لمن تميل الكفة، ومن هو المتواطئ الخفي الذي يغذي الصراع تحت الطاولة ويقتات على عدم الاستقرار.
المملكة العربية السعودية، بثقلها الديني والاقتصادي والسياسي، لا تنسى من وقف معها في خندق الدفاع عن الحق والعدل، كما أنها تدون في ذاكرتها التاريخية والاستراتيجية مواقف المتخاذلين والرماديين.
إن محاولة الوقوف في منطقة الوسط بين الدولة والإرهاب هي رهان خاسر بكل المقاييس، لأن الإرهاب بطبيعته الغادرة لا يحترم محايداً، والتاريخ في صفحاته لا يخلد إلا أصحاب المواقف الشجاعة والواضحة الذين انحازوا للحق دون تردد.
الكلمة الأخيرة للتاريخ
في ختام هذا التحليل، يظل المبدأ الثابت والراسخ يتردد في الآفاق: الحياد في معارك الوجود وضد استهداف المقدسات والمنشآت المدنية والمدنيين هو الوجه الآخر للخيانة. إن المملكة العربية السعودية، التي تمثل صمام الأمان الحقيقي للاستقرار الإقليمي والعالمي، ماضية في طريقها الواثق لحماية أرضها وعقيدتها وشعبها ومكتسباتها، مدعومة بإرادة قيادتها الفذة وتلاحم شعبها الوفي الذي يرى في الدفاع عن الوطن ديناً وعقيدة.
على المجتمع الدولي أن يدرك تمام الإدراك أن أمن المملكة هو من أمن العالم، وأن التخاذل أو التراخي في ردع المعتدين واستهداف المنشآت الإنسانية والدينية سيحمل تكلفة باهظة ستطال تداعياتها الجميع. لقد حان الوقت لتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية؛ فإما موقف دولي حازم يرفض الإرهاب جملة وتفصيلاً ويدعم حق المملكة المشروع والتام في الدفاع عن نفسها، وإما سقوط أخلاقي وسياسي مدوٍّ يسجله التاريخ في صفحات الخزي للذين آثروا «الحياد» في زمن كان الصمت فيه جريمة لا تُغتفر.