د. هدى منصور
ليس من السهل على اقتصاد اعتاد العالم النظر إليه من زاوية النفط أن يعيد تقديم نفسه باعتباره اقتصادًا متعدد الفرص والقطاعات ومحركات النمو. والأصعب من ذلك أن ينجز هذا التحول خلال عقد واحد، في عالم تتسارع فيه المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، وتزداد فيه المنافسة على الاستثمارات والأسواق والكفاءات البشرية.
هذه، في تقديري، هي الزاوية التي ينبغي أن نقرأ من خلالها التجربة الاقتصادية السعودية منذ إطلاق رؤية المملكة 2030. فالقضية لم تكن مجرد تنويع مصادر الدخل، وإنما إعادة بناء المقومات التي يصنع بها الاقتصاد ثروته، وتوسيع الخيارات المتاحة أمام الأجيال المقبلة.
وبعد مرور عشر سنوات على انطلاق الرؤية، لم يعد الحديث عن التحول الاقتصادي السعودي حديثًا عن طموحات مستقبلية فحسب، بل أصبح حديثًا عن منجزات تحققت على أرض الواقع، ومؤشرات تعكس تحولات هيكلية في النشاط الاقتصادي والاستثمار وسوق العمل وبيئة الأعمال.
ولعل ما يميز التجربة السعودية أنها لم تتعامل مع التنويع الاقتصادي بوصفه بديلًا عن النفط، وإنما باعتباره وسيلة لتعظيم الاستفادة من الثروة النفطية في بناء أصول إنتاجية جديدة، وتوسيع مساهمة القطاعات غير النفطية، وفتح مجالات للنمو والاستثمار لم تكن تستحوذ سابقًا على الحيز نفسه من النشاط الاقتصادي.
وقد انعكس هذا التوجه في الأداء الفعلي للاقتصاد. فوفقًا لتقرير صندوق النقد الدولي الصادر في يوليو 2026، سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة نموًا بلغ 4.6 % خلال عام 2025، فيما نمت الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.2 %، مدعومة بالاستثمار الخاص والاستهلاك المحلي. والأهم من الرقمين أنهما يعكسان اتساع القاعدة التي يستند إليها النشاط الاقتصادي، وتنامي مساهمة قطاعات متعددة في توليد القيمة المضافة.
ولا تكمن أهمية هذه المؤشرات في معدلات النمو وحدها، بل في طبيعة التحول الذي تعبر عنه. ففي الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على مورد طبيعي، يرتبط جزء مهم من النشاط الاقتصادي بدورات الأسعار والإنتاج في الأسواق الدولية. أما اتساع الأنشطة غير النفطية فيمنح الاقتصاد مصادر إضافية للنمو، ويعزز ترابط قطاعاته، ويوسع فرص الاستثمار والعمل.
وهنا تتجلى إحدى النتائج المهمة للإصلاحات الاقتصادية السعودية؛ وهي الانتقال التدريجي من اقتصاد يستفيد من عوائد موارده الطبيعية إلى اقتصاد يوظف تلك العوائد في تنمية قدراته الإنتاجية والتنافسية.
ومن اللافت أن هذا التحول يجري بالتوازي مع الحفاظ على مرتكزات مهمة للاستقرار الاقتصادي. فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى تراجع معدل التضخم إلى أقل من 2 % خلال عام 2025، واستمرار قوة أوضاع القطاع المصرفي، مع مستويات مريحة من الاحتياطيات الأجنبية، وهو ما يعكس أهمية الإطار الاقتصادي الكلي الذي رافق تنفيذ برامج الرؤية.
ولم تقتصر النتائج على مؤشرات النمو والاستقرار، بل امتدت إلى سوق العمل، حيث أشار الصندوق إلى استمرار تحسن أوضاع التوظيف وانخفاض البطالة بين السعوديين إلى مستويات متدنية تاريخيًا. وهذه التطورات تحمل دلالة تتجاوز أرقام التشغيل؛ إذ تعكس توسع الفرص الاقتصادية وارتفاع قدرة الاقتصاد على استيعاب الكفاءات الوطنية، بما يعزز العلاقة بين النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية.
وفي جانب المالية العامة، تكشف ميزانية المملكة لعام 2026 عن استمرار الدور الاستراتيجي للإنفاق الحكومي في دعم مسيرة التحول. فقد قدرت النفقات بنحو 1.313 تريليون ريال، والإيرادات بنحو 1.147 تريليون ريال، بما يعكس مواصلة توجيه الموارد نحو الأولويات التنموية والمشروعات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي.
ومن المنظور الاقتصادي، فإن القيمة الاستراتيجية لهذا الإنفاق تتجاوز أثره المباشر في الطلب الكلي، لتشمل إسهامه في تكوين رأس المال، وتطوير البنية التحتية، وتهيئة البيئة اللازمة لاستثمارات القطاع الخاص.
فالطريق والميناء والمطار والمنطقة الصناعية والمشروع الرقمي ليست مجرد أصول مادية، وإنما عناصر مترابطة في منظومة ترفع كفاءة انتقال السلع والخدمات والمعلومات، وتخفض تكاليف الإنتاج، وتفتح أسواقًا جديدة أمام المستثمرين.
وهذا أحد أهم أوجه التكامل بين السياسة المالية والتحول الاقتصادي في المملكة؛ فالإنفاق التنموي يسهم في بناء القاعدة التي تسمح بتوسع النشاط الاقتصادي، بينما تعمل الإصلاحات التنظيمية والمؤسسية على تعزيز قدرة القطاع الخاص على الاستفادة من هذه القاعدة وتحويلها إلى مشروعات وفرص إنتاجية مستدامة.
ولعل التطور الأكثر أهمية في هذه المعادلة يتمثل في الدور المتنامي للاستثمار الخاص. فقد أصبحت المملكة سوقًا أوسع للفرص الاستثمارية في قطاعات الصناعة والتعدين والسياحة والخدمات اللوجستية والتقنيات الحديثة والطاقة المتجددة. وتكمن أهمية ذلك في أن تنوع المجالات الاستثمارية يوسع الروابط بين الأنشطة الاقتصادية، ويخلق فرصًا للشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، ويتيح مسارات جديدة لتراكم رأس المال والخبرة والمعرفة.
ولا يقتصر أثر هذه الاستثمارات على إضافة طاقات إنتاجية جديدة، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته بالأثر الاقتصادي المتسلسل؛ فالمشروع الصناعي، على سبيل المثال، يولد طلبًا على خدمات النقل والصيانة والتقنية والتدريب والتمويل، ويهيئ فرصًا لنشوء موردين محليين وشركات مساندة. وكلما تعمقت هذه الروابط، اتسعت القيمة المضافة التي يحتفظ بها الاقتصاد الوطني.
ومن هنا تكتسب سياسات المحتوى المحلي وتوطين المعرفة أهمية استراتيجية في التجربة السعودية. فالمحتوى المحلي ليس مجرد زيادة في نسبة المشتريات الوطنية، وإنما مسار لتوسيع القاعدة الإنتاجية وتعزيز مشاركة المنشآت السعودية في سلاسل القيمة. أما توطين المعرفة، فيمثل البعد الأكثر تقدمًا لهذه العملية، لأنه ينقل الاقتصاد من الاستفادة من التكنولوجيا إلى بناء القدرات اللازمة لاستيعابها وتطويرها.
وفي تقديري، فإن العلاقة بين الاستثمار والمعرفة والإنتاجية هي التي ستمنح المنجزات الاقتصادية السعودية أبعادًا أكثر عمقًا خلال السنوات المقبلة.
فالاستثمار يضيف إلى الاقتصاد أصولًا جديدة، بينما ترفع المعرفة كفاءة استخدام تلك الأصول، وتسهم الإنتاجية في زيادة العائد الاقتصادي منها. وعندما تجتمع العناصر الثلاثة، يصبح النمو أكثر ارتباطًا بتراكم القدرات الاقتصادية، وتتسع فرص المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية.
وهنا تبرز أهمية الاستثمار السعودي المتزايد في التعليم والتدريب والبحث والتطوير والتقنيات المتقدمة؛ فالثروة الحقيقية للاقتصادات الحديثة لم تعد تقاس بحجم مواردها الطبيعية وحدها، بل بقدرتها على توظيف المعرفة في تحويل الموارد إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مرتفعة.
ولعل ما تحقق في مجالات التحول الرقمي والخدمات اللوجستية والصناعة والتقنيات الحديثة يقدم قاعدة واعدة لتعميق هذا المسار، خصوصًا مع تنامي دور الذكاء الاصطناعي والابتكار في إعادة تشكيل المزايا التنافسية للاقتصادات العالمية.
ومن المهم أيضًا النظر إلى هذه التحولات في سياقها الدولي. فقد واجه الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة موجات متتالية من الاضطرابات الجيوسياسية والتجارية، وارتفاع تكاليف التمويل، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد. وفي مثل هذه البيئة، تصبح المرونة الاقتصادية أحد أهم مؤشرات القوة.
وقد أشاد صندوق النقد الدولي، في تقييمه الصادر في يوليو 2026، بقدرة الاقتصاد السعودي على التكيف مع الاضطرابات الإقليمية، مستندًا إلى قوة مرتكزاته الاقتصادية وتنوع بنيته النفطية واللوجستية. وهذه شهادة مهمة على قيمة الاستثمارات الاستراتيجية التي نفذتها المملكة في البنية التحتية، وعلى أهمية الرؤية بعيدة المدى في تعزيز قدرة الاقتصاد على التعامل مع المتغيرات الخارجية.
ولعل الدرس الأبرز من هذه التجربة أن التحول الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق من خلال مشروعات منفردة مهما بلغت أهميتها، وإنما من خلال تكامل السياسات والاستثمارات والمؤسسات والموارد البشرية ضمن رؤية وطنية واضحة.
لقد نجحت المملكة خلال العقد الماضي في بناء قاعدة جديدة للنمو، ووسعت مجالات الاستثمار، وعززت مشاركة القطاع الخاص، وطورت بنيتها التحتية وممكناتها المؤسسية، ورفعت قدرتها على التعامل مع التحولات الاقتصادية العالمية.
أما السنوات المقبلة، فإنها تحمل فرصًا واعدة لتعظيم العائد من هذه المنجزات، من خلال المزيد من التكامل بين القطاعات، وتوسيع مشاركة المنشآت الوطنية في سلاسل القيمة، وتعميق توطين المعرفة، والاستفادة من التقنيات الحديثة في رفع الإنتاجية والقدرة التنافسية.
واللافت في النموذج السعودي أن الطموح الاقتصادي لم يعد محصورًا في زيادة حجم الناتج المحلي، بل أصبح أكثر ارتباطًا ببناء اقتصاد متنوع ومبتكر، يمتلك مقومات النمو طويل الأجل، ويحول الفرص الاستثمارية إلى قدرات وطنية متراكمة.
لقد استطاعت المملكة خلال عقد واحد أن تحول رؤية اقتصادية طموحة إلى واقع تنموي ملموس. وما يجعل المرحلة المقبلة أكثر إثارة للاهتمام ليس فقط حجم ما تحقق، وإنما حجم الفرص التي أصبحت هذه الإنجازات تتيحها أمام الاقتصاد السعودي.
فالأمم لا تصنع مستقبلها بما تملكه من موارد فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى معرفة وإنتاج واستثمار وفرص متجددة.
وهذه، في جوهرها، هي القيمة الاقتصادية الأعمق لرؤية السعودية 2030: أنها لم تكتف بتوسيع حدود الاقتصاد السعودي، بل أسست لقدرات جديدة تمكنه من مواصلة صناعة مستقبله.