د. طلال الحربي
في سجل التاريخ السياسي للدول والجماعات، لا تنشأ الميليشيات المسلحة العابرة للدولة من فراغ، ولا تستمر بقوة السلاح وحده، بل تقوم على سردية أيديولوجية تمنحها مبررًا لتجاوز القانون والأخلاق معًا. وجماعة الحوثي نموذج صارخ لهذه الحالة. فقد خرجت من صعدة في تسعينيات القرن الماضي تحت لافتة «الشباب المؤمن»، حركةً ذات طابع ثقافي وتعليمي، ثم تحولت مع مطلع الألفية إلى تنظيم مسلح يقوم على فكرة الاصطفاء والولاية، وتغذيه مرجعية خارجية استلهمت التجربة الإيرانية في تصدير الثورة وصناعة الأذرع. وحين قُتل مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي عام 2004 بعد مواجهات مع الدولة اليمنية، لم تتراجع الحركة، بل اكتسبت من مقتله رمزية استثمرتها في التعبئة والحشد، فخاضت ستة حروب في صعدة بين عامي 2004 و2010، تعلّمت خلالها فنون حرب العصابات، وبنت شبكة ولاءات قبلية بالمال والترهيب، وراكمت خبرة في استغلال هشاشة الدولة وضعف مؤسساتها.
ثم جاء الانقلاب. ففي سبتمبر 2014 اجتاحت الجماعة العاصمة صنعاء مستغلةً مرحلة انتقالية دقيقة كان اليمنيون فيها يتلمسون طريقهم إلى عقد اجتماعي جديد عبر مخرجات الحوار الوطني. وبدل أن تقبل الجماعة بالمسار السياسي الذي شاركت فيه، اختارت أن تنقلب عليه بقوة السلاح، فأسقطت مؤسسات الدولة، واختطفت القرار السيادي، وفرضت واقعًا لا يمت بصلة إلى إرادة اليمنيين. ومنذ ذلك اليوم لم يعد اليمن بلدًا يُحكم بالقانون، بل ساحة مفتوحة لمشروع يرى في الإنسان وقودًا لمعركته، وفي الطفل مقاتلًا مؤجلًا، وفي المدينة رهينة للتفاوض.
والحصيلة الإنسانية لهذا المشروع تشهد على ما جرى. فقد شُرّد ملايين اليمنيين من ديارهم، وتحولت مدن كاملة وقراها إلى مخيمات نزوح، وتشير تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى أن الجماعة جنّدت آلاف الأطفال وزجّت بهم في جبهات القتال، وهو سلوك مجرَّم في القانون الدولي الإنساني وفي نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يعد تجنيد من هم دون الخامسة عشرة واستخدامهم في الأعمال العدائية جريمة حرب. وخلّفت الحرب التي أشعلتها الجماعة أجيالًا من الأيتام الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم تحت القصف والألغام والحصار، وزُرعت في أرض اليمن ملايين الألغام العشوائية التي لا تفرّق بين جندي وراعٍ وطفل يلهو في الحقل، وحُوّلت المساعدات الإغاثية في كثير من الأحيان إلى أداة ابتزاز سياسي وإثراء غير مشروع. هذه ليست أخطاء حرب ولا أضرارًا جانبية، بل نهج متكرر يكشف عن بنية فكرية لا ترى للإنسان حرمة.
ولم يتوقف الأذى عند حدود اليمن فقد وجّهت الجماعة صواريخها وطائراتها المسيّرة نحو الأعيان المدنية في المملكة. استُهدفت المطارات المدنية التي يقصدها المسافرون من مواطنين ومقيمين وأطفال ونساء، واستُهدفت الأحياء السكنية والمدارس والمنشآت التي يرتادها الآمنون، وطالت شظايا القذائف في مناطق الحد الجنوبي بيوتًا ومرافق تعليمية وأماكن عبادة. وهذا النمط من الاستهداف لا يمكن وصفه بغير ما وصفته به قواعد القانون الدولي الإنساني. فمبدأ التمييز بين المدني والعسكري، الذي كرّسته اتفاقيات جنيف وبروتوكولها الإضافي الأول، يحظر حظرًا قاطعًا توجيه الهجمات إلى المدنيين والأعيان المدنية، كما يحظر الهجمات العشوائية التي لا تميز بين الأهداف. وحين يُطلق صاروخ باتجاه مطار مدني أو حي سكني عن عمد، فإن الركن المادي والركن المعنوي للجريمة يكتملان معًا، ولا يبقى مجال لتأويل أو تبرير. إنها جرائم حرب مكتملة الأركان، تُوثَّق وتُحفظ ولا تسقط بالتقادم.
ما يزيد هذه الأفعال بشاعة أنها تتنافى مع أبسط القيم التي تعارف عليها العرب قبل الإسلام وأقرّها الإسلام بعده، من حرمة الدم، وصون الضعيف، وحماية دور العبادة، والنهي عن قتل الطفل والمرأة والشيخ الذي لا يقاتل. فمن يستهدف مسجدًا يتعبد فيه الناس، أو مدرسة يتعلم فيها الصغار، أو مطارًا يعبره الأبرياء، لا يمكن أن يزعم الانتساب إلى قيمة أو دين أو مروءة. وقد كشفت الجماعة بسلوكها أن شعاراتها الصاخبة لا تعدو غطاءً لمشروع نفعي يتاجر بدماء اليمنيين ويستخدم أرضهم منصة لخدمة أجندة خارجية لا ترى في اليمن إلا ورقة ضغط في معادلات إقليمية.
في المقابل، تقف المملكة العربية السعودية بما عُرف عنها من ثبات في الموقف ووضوح في الرؤية. فهي لم تكن يومًا دولة تبحث عن الحرب، بل دولة تحمي أمنها وتنصر أشقاءها وتمد يدها بالسلام قبل أن تضطر إلى رفع السلاح. وقد جمعت إلى جانب دفاعها المشروع عن حدودها جهدًا إنسانيًا واسعًا، فقدّمت عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن دعمًا لقطاعات الصحة والتعليم والغذاء والكهرباء، وكان وجه اليمني المحتاج عندها أقرب إلى الأخ منه إلى الغريب. وفي ذلك فرق جوهري بين مشروع يبني ويغيث ومشروع يهدم ويشرّد.
إن قوة المملكة لا تقوم على منظومات دفاعها المتقدمة وقدراتها العسكرية وحدها، على أهميتها، بل تقوم على تلاحم فريد بين قيادة حكيمة تضع أمن الوطن والمواطن والمقيم فوق كل اعتبار، وشعب أصيل يلتف حول قيادته في كل منعطف، ومجتمع يضم ملايين المقيمين الذين وجدوا في هذه الأرض أمانًا وكرامة فصاروا جزءًا من نسيجها وحرصًا على استقرارها. وهذا التماسك هو الذي أفشل رهانات الجماعة وأسقط حساباتها، فمن ظنّ أن صاروخًا أو مسيّرة قادرة على زعزعة بلد بهذه الصلابة أخطأ قراءة التاريخ والجغرافيا والإنسان معًا.
إنني بما راكمته من سنوات في قراءة التحولات الاستراتيجية والتاريخية، أرى أن مصير مشاريع الميليشيات العابرة للدول واحد في نهاية المطاف. فهي قد تنجح في إطالة أمد الفوضى وتكبيد الشعوب أثمانًا فادحة، لكنها تعجز عن بناء دولة أو كسب شرعية أو الصمود أمام إرادة الشعوب. وسيبقى اليمن، بتاريخه العريق وأهله الطيبين، أكبر من أن تختطفه جماعة مسلحة، وستبقى المملكة، بقيادتها وشعبها وكل من يعيش على أرضها، حصنًا منيعًا يردّ الاعتداء ويحمل راية الحق والسلام. وأما الجرائم التي ارتُكبت بحق اليمنيين وبحق الآمنين في المملكة فلن تضيع في أروقة النسيان، فالتاريخ يسجّل، والعدالة، مهما تأخرت، تأتي في موعدها.