د. حمود بن فلاح العتيبي
في قلب منطقة أنهكتها الصراعات لسنوات طويلة، يقف اليمن اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، تتشكل فيه ملامح مرحلة جديدة من الاستقرار واستعادة الدولة والسيادة الوطنية. وبينما لا تزال ميليشيا الحوثي الإرهابية تمثل أحد أكبر مصادر التهديد للأمن اليمني والإقليمي، تبرز التجربة السعودية في اليمن بوصفها نموذجًا مختلفًا في إدارة الأزمات؛ نموذجًا لا يكتفي بمواجهة الخطر، بل يسعى إلى معالجة جذوره، والانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى صناعة السلام والتنمية.
وهنا تبرز رؤية ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، التي تقوم على معادلة واضحة: قوة تحمي الأمن، ودعم اقتصادي يمنع الانهيار، وتنمية تعيد بناء الدولة، وعمل إنساني يحفظ كرامة الإنسان.
فالقوة العسكرية لم تكن هدفًا في ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الأمن القومي وردع التهديدات، وفي مقدمتها اعتداءات الميليشيا الحوثية الإرهابية التي استهدفت المملكة وهددت أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وفي المقابل، اتسع الحضور السعودي ليشمل الاقتصاد والإعمار والخدمات الإنسانية وبناء مؤسسات الدولة.
هذه الرؤية تنطلق من حقيقة أن اليمن بالنسبة إلى المملكة ليس مجرد دولة جارة، وإنما امتداد تاريخي وجغرافي واجتماعي، تربطه بالسعودية روابط عميقة من الدين والتاريخ والمصالح المشتركة، ولذلك فإن أمن اليمن واستقراره لا يُنظر إليه باعتباره شأنًا داخليًا يمنيًا فحسب، بل باعتباره جزءًا من أمن المملكة والمنطقة واستقرارها.
وقد جاء الخطاب الملكي السنوي الذي ألقاه سمو ولي العهد، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظهما الله، أمام مجلس الشورى في 30 سبتمبر 2026م، ليؤكد استمرار دعم المملكة للحكومة اليمنية لبسط سلطتها على كامل البلاد واستعادة الاستقرار، والتصدي لاعتداءات الميليشيا الحوثية الإرهابية، وبعد أيام، أكدت قيادة القوات المشتركة استمرار دعم الحكومة والقوات المسلحة اليمنية في مسار استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي.
فالمملكة لم تتعامل مع اليمن باعتباره ملفًا أمنيًا فقط، بل أدركت أن الأمن المستدام يحتاج إلى اقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات تستطيع دفع الرواتب، وخدمات تصل إلى المواطن، وتنمية تفتح أبواب المستقبل.
وتكشف الأرقام حجم هذا المسار؛ فقد تجاوزت قيمة التدخلات التنموية والاقتصادية السعودية في اليمن 12.6 مليار دولار بين عامي 2012 و2026م. كما قدمت المملكة في فبراير 2026م دعمًا للموازنة اليمنية بلغ 1.3 مليار ريال للنفقات التشغيلية والرواتب، ثم جاءت دفعة جديدة بأكثر من 224 مليون ريال في أكتوبر لدعم الموازنة والرواتب والنفقات التشغيلية.
ولا تقف المسألة عند الدعم المالي المباشر. ففي يناير 2026م أطلقت المملكة حزمة من 28 مشروعًا ومبادرة بقيمة 1.9 مليار ريال في قطاعات الصحة والطاقة والتعليم والنقل. كما بلغ عدد مشروعات ومبادرات البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 300 مشروع ومبادرة في ثمانية قطاعات حيوية، شملت التعليم والصحة والطاقة والمياه والنقل والزراعة والثروة السمكية ودعم قدرات الحكومة اليمنية.
وهنا تتحول الأرقام إلى حياة يومية، فدعم الموازنة يعني راتبًا يصل إلى موظف، واستقرار العملة يعني حماية دخل الأسرة، وانتظام الإنفاق الحكومي يعني استمرار المستشفى والمدرسة والمرفق العام. أما المستشفى والطريق والمطار ومحطة الكهرباء ومشروع المياه، فهي ليست مجرد مشروعات تنموية، بل أدوات لإعادة بناء الدولة من الداخل وتقليص المساحة التي تعيش عليها الجماعات المسلحة.
وقد شملت الجهود السعودية مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن، وتأهيل مطار عدن، ومشروعات لتحلية المياه ودعم الجامعات، ومشروعات صحية وتعليمية في عدد من المحافظات، إلى جانب دعم الكهرباء ومنح المشتقات النفطية لتشغيل محطات الطاقة، بما ينعكس على المستشفيات والمدارس والمطارات والموانئ ومختلف المرافق.
وفي البعد الإنساني، تظهر صورة أخرى ؛ فمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية لم يحصر تدخله في الغذاء والإيواء، بل امتد إلى التمكين الاقتصادي وتحسين سبل العيش ودعم صغار المنتجين، كما جاءت توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -أيده الله-، واستجابةً لطلب فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد محمد العليمي، تواصل المملكة تقديم دعمها للشعب اليمني الشقيق، في امتداد واضح للمواقف الأخوية والمساندة المستمرة التي تقدمها قيادة المملكة لليمن، بما يعكس عمق العلاقات التاريخية والإنسانية بين البلدين والشعبين، بتصحيح أوضاع اليمنيين الموجودين في المملكة بصورة غير نظامية لتؤكد أن العلاقة بين الشعبين تتجاوز الحسابات السياسية اليومية إلى روابط اجتماعية وإنسانية عميقة.
وهنا يمكن فهم التحول الأهم في المقاربة السعودية: فالسلام لا يُبنى بالتفاوض وحده، كما أن التنمية لا يمكن أن تزدهر في ظل الفوضى، الأمن يحتاج إلى دولة، والدولة تحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى اقتصاد، والاقتصاد يحتاج إلى بيئة مستقرة، لذلك تتكامل القوة مع التنمية بدل أن تتعارضا.
إن الرهان السعودي في اليمن لم يعد على إنهاء معركة فحسب، بل على إنهاء الأسباب التي تجعل المعركة قابلة للتجدد، فالقوة تحمي الحدود، لكن التنمية تحمي المستقبل؛ والدعم المالي قد ينقذ اقتصادًا في لحظة حرجة، لكن بناء المؤسسات هو الذي يمنح الدولة قدرتها على الاستمرار.
وهذه هي المسافة الفاصلة بين إدارة الأزمة وصناعة السلام: أن تحمي الدولة من الخطر اليوم، وأن تساعدها في الوقت نفسه على امتلاك أدوات الغد، وفي هذه المعادلة تتشكل رؤية ولي العهد لليمن؛ رؤية تجمع الحزم والمرونة، والقوة، والدبلوماسية والتنمية والعمل الإنساني، بهدف الوصول إلى يمن مستقر قادر على إدارة مستقبله بنفسه، بما يعزز أمن المملكة واستقرار المنطقة، ويفتح للشعب اليمني طريقًا نحو حياة أكثر أمنًا وتنمية واستقرارًا.
في النهاية، يثبت الرهان السعودي في اليمن أن القيادة الاستثنائية هي التي لا تكتفي بوضع حد لمعركة رابحة، بل تعمل على إنهاء الأسباب والظروف التي تجعل الصراع قابلاً للتجدد. فالقوة الحازمة قد تحمي الحدود وتكسر الاعتداء، لكن التنمية الشاملة وبناء المؤسسات الصلبة هما وحدهما الكفيلان بحماية المستقبل. بين حزم الردع، وحكمة التنمية، ونبل العمل الإنساني، ترسم السعودية اليوم خريطة طريق واضحة نحو يمن قوي ومستقر، قادر على الوقوف على قدميه واستعادة دوره الطبيعي في محيطه العربي، ليظل يمناً سعيداً وآمناً كما كان عبر التاريخ.